يبدو أنّ منصة فيسبوك تحوّلت إلى ساحة تُخاض فيها الحروب الإلكترونية حيث يكون فيها الفاعل مجهولًا ومتخفيًا تحت ظل الصفحات التي تُدار لأغراض الإطاحة بالخصوم السياسيين أو توجيه الرأي العام نحو قضايا معينة، وبات الموقع فضاء استراتيجيًا لتطوير الأساليب الحديثة وتطبيق نظريات التأثير على الناس والإقناع والتسويق السياسي وتحسين الصورة إما عبر الصفحات الشخصية أو عبر المحتوى المموّل (Sponsored Content)، وبالتالي فإن تطويع الميديا لأجندات سياسية يمثل خطرًا محدقًا على مسار الديموقراطي خاصة أثناء الانتخابات.

ومن هذه الزاوية، يكمن الخطر الحقيقي في استخدام الفيسبوك كفضاء للحملات السياسية التي يمكن أن تنظمها أحزاب أو قوى خارجية خفية تعمل بشكل مباشر أو بشكل غبر مباشر لصالح مرشحين بعينهم أو لغرض معين، عبر نشر الأخبار الكاذبة (Fake news) وتقارير المظللة، كما تُتيح المنصة من خلال قواعدها التقنية (Algorithmes) التي يستخدمها لعرض المضامين، إمكانية حصر المتلقي في فضاءات مغلقة منسجمة سياسيًا مع أهداف هذه الجهات، ومن ثم التحكم فيه عبر التلاعب وتزييف المعلومات والبيانات.

 

وفي تونس كما في العالم، من البديهي أن يؤثر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بشكل كبير في الحياة السياسية، في ظل تهافت الأحزاب على استخدام السوشيال ميديا قصد صناعة الرأي العام وتحشيد الأنصار والتأثير في وعي المواطنين لاستمالتهم والتحكم في إرادتهم الانتخابية، وسعي بعض الجهات الأجنبية للتغلغل في الشأن الداخلي لمهد الربيع العربي من أجل ضرب المسار الانتقالي وإعطاب عجلة الثورة، لذلك فإنّ فيسبوك يوفر للمتلاعبين بالديمقراطية التونسية فرصًا كبيرة لتنفيذ أجنداتهم عن طريق شركات التضليل الإعلامي في الخارج والداخل.

شركة تونسية

كشف تحقيق أجرته شبكة DFRLab الأمريكية المختصة في الأبحاث الرقمية، أن شركة تونسية ساعدت على تنفيذ حملات انتخابية في تونس ودول إفريقية، ساهمت في التأثير على نتائج الانتخابات، مبينًا، أن شركة (Ureputation)، وهي وكالة علاقات عامة واتصال رقمي مختصة في تطوير استراتيجيات الاتصال والتأثير والتصرف في الأزمات، قادت حملات رقمية معقدة ومتطورة شملت عدة منصات ومواقع على شبكة الإنترنت في محاولة للتأثير على الانتخابات الرئاسية في بعض البلدان الإفريقية سنة 2019.

 

وفي سياق متصل، كان موقع فيسبوك، قد أعلن في وقت سابق، عن حذف 182 حسابا و446 صفحة و96 مجموعة مرتبطة بشركة Ureputation، بالإضافة إلى 209 حساب انستغرام، معللة ذلك، بانتهاكها لسياسة الشركة ضد التدخل الأجنبي ، مبينًا أن الأفراد الذين يقفون وراء هذا النشاط استخدموا حسابات مزيفة للتنكر كمحليين في البلدان التي استهدفوها، وقاموا بدفع الناس إلى مواقع خارج فيسبوك، كما انخرطت بعض هذه الصفحات في تكتيكات لتغيير تركيز الجمهور من المواضيع غير السياسية إلى المواضيع السياسية .

تحقيق شبكة DFRLab الذي استغرق نحو 9 أشهر لإنجازه (انطلق في سبتمبر 2019)، جاء فيه أن شركة العلاقات العامة التونسية، استغلت في عمليتها التي سُمّيت بـ"عملية قرطاج"، حسابات وصفحات على فيسبوك وأنستغرام (حوالي 500) واستهدفت عدة دول افريقية من بينها تشاد، جزر القمر، الكونغو، كوت ديفوار، غامبيا، غينيا، مالي، النيجر، السينغال وتونس.

 

وأطلق الموقع إسم ''قرطاج'' على العملية المذكورة، مؤكدًا أن بحثه استند إلى مجموعة من صفحات الفيسبوك غير الصحيحة التي تستهدف الأشخاص في 10 دول أفريقية، ووفقًا لأدلة مفتوحة المصدر ومراجعة للأصول التي قدمها Facebook لاحقًا ، مارست العملية نفوذها في حملات رئاسية أفريقية متعددة ، بما في ذلك دعم حملة إعادة انتخاب الرئيس التوغولي فوري غناسينجبي في فيفري 2020 ، بالإضافة إلى حملة الرئيس الإيفواري السابق هنري كونان بيدييه في المستقبل انتخابات أكتوبر 2020 في كوت ديفوار، حيث تابع ما يقرب من 3.8 مليون حساب على Facebook صفحة واحدة أو أكثر من هذه الصفحات، مع ما يقرب من 132000 انضمام إلى المجموعات التي تديرها العمليات وأكثر من 171000 حساب على حسابات Instagram، فيما تؤكد شركة "فيسبوك"، أن UReputation أنفقت في "عملية قرطاج" ما يفوق 331 ألف دولار في حملات الدعاية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في شكل إعلانات دُفعت قيمتها أساسا بالدولار الأمريكي والأورو.

كما ذكر التقرير هوية الطرف الذي استفاد في تونس من "عملية قرطاج"، وهو نبيل القروي، الذي دعمته، وفقًا للتحقيق، صفحة تحت مسمى (Fake News Checking) تقدم نفسها على أنها صفحة مختصة في كشف الأخبار الزائفة، والحال أنها كانت مؤيدة لمرشح حزب قلب تونس، اكتوشف مُعدّو التقرير أن صاحب الصفحة يعمل في شركة UReputation التي تقود "عملية قرطاج"، وهو معز بحار  الذي يقدم نفسه كخبير في التأثير السيبراني والذكاء الرقمي ، وهو نفسه مساهم في موقعين - Revue de Afrique و Africa News - وموقع  .ureputation.net

 

من جانبه، أورد الموقع التونسي "الحصري" أنّ الشخصية الرئيسية التي تدور حولها هذه القضية، هو رجل أعمال فرنسي تونسي يدعى لطفي بالحاج (LBH) يقدم نفسه على أنه جماعة ضغط وكاتب مقالات واقتصادي، مضيفةً أنّ الأخير  تعاون منذ الثورة مع العديد من الأحزاب التونسية، مشيرةً إلى أنّ ملف عملية قرطاج مرتبط بقرارغلق شركة فيسبوك حسابات بعض المؤثرين في الرأي العام التونسي على غرار هيثم المكي وبندير مان و"الطيب جعبة".

على شكل أرخميدس

وكانت شركة "فيسبوك" التي تدير شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة أعلنت في وقت سابق أن شركة إسرائيلية (أرخميدس) استخدمت حسابات مزيفة لاستهداف انتخابات في دول أفريقية من بينها تونس، وأشارت إلى أنّها حذفت 265 من الحسابات والصفحات والمجموعات والأحداث المرتبطة بإسرائيل على فيسبوك وأنستغرام بسبب ما وصفته بأنه "سلوك زائف" يستهدف المستخدمين في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا.

 

واستقطبت هذه الحسابات والصفحات والمجموعات حوالي 2.8 مليون متابع، في حين اشترك حوالي 5500 حساب في واحدة من هذه المجموعات على الأقل، وأن حوالي 920 شخصا تابعوا حسابا أو أكثر من حسابات "أنستغرام" التي تقرر حذفها، كما أنفقت الشركة المذكورة أكثر من 800 ألف دولار على إعلانات وحسابات في منصة فيسبوك.

من المؤكد، أنّ حماية الانتخابات الرئاسية من خطر التلاعب بها بهذه الطريقة أصبح جزءً من حماية السيادة الوطنية واحترام اختيار الشعب كما فعلت الولايات المتحدة مؤخرًا لتأمين انتخاباتها التي طالتها حملات التزييف في 2016، خاصة وأنّ تونس رائدة الثورات العربية والمثال الديموقراطي الأكثر نجاحًا في المنطقة باتت في مرمى نيران دول الثورة المضادة التي تعمل جاهدة لمنع سريان "العدوى" إلى بقية العالم العربي.

بالمحصلة، فإنّ الحملات الدعائية "Propaganda" التي تقوم بها قوى سياسية مجهولة الهوية وتعتمد على التأثير غير الشفاف وتستند إلى التظليل والتلاعب بآراء الناس والتأثير عليهم بطرق غير نزيهة بما في ذلك الكذب واختلاق الوقائع وتزييف المعلومات، تدفع بنا إلى التساؤل عن جدوى الديموقراطية ما دام الصندوق يتحكم فيه الجالسون في الغرف المظلمة عبر صفحات تُموّل بسخاء؟.