لا تبعث الأحداث الجارية بمنطقة الساحل الإفريقي على الاطمئنان لدى دول الجوار، بل صارت تشكل مصدر قلق لبلدان شمال إفريقيا وعلى رأسها الجزائر مخافة أن تشهد المنطقة موجة جديدة من الهجرة غير الشرعية بسبب الوضع السياسي المتأزم في الجارة الجنوبية مالي، وتردي الوضع الأمني هناك الذي صار لا يقتصر على بامكو والنيجر فقط، إنما امتد أيضًا إلى بوركينا فاسو التي شهدت هذه السنة سقوط عدة قتلى من جنود ومدنيين على يد مسلحين يعتقد انتمائهم إما للقاعدة أو لجماعة بوكو حرام.

ورغم طرح مختلف المبادرات المحلية والدولية لوضع حد لحالة عدم الاستقرار التي تعرفها منطقة الساحل، فإن الوضع ما زال يراوح مكانه، بل أصبح ينبئ بتأزمه الفترة القادمة من جديد، بالنظر إلى الحسابات السياسة الدولية المتعلقة بالمنطقة التي تقف وراءها عدة قوى خارجية في مقدمتها فرنسا.

احتجاجات 

قبل إطفاء شمعته الثانية كرئيس للبلاد للمرة الثانية على التوالي في شهر أغسطس/آب القادم، يعيش الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا البالغ من العمر 75 عامًا أحلك مرحلة في مشواره السياسي، بعد تنامي الاحتجاجات المطالبة برحيله.

نهاية الأسبوع الماضي، شهدت العاصمة بماكو احتجاجات عارمة تطالب برحيل الرئيس كيتا بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية رغم استمرار تحالفه العسكري مع فرنسا، وقاد المظاهرات تحالف حزبي وشعبي يقوده  الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في البلاد الإمام محمد ديكو الذراع الأيمن السابق لكيتا الذي يملك تاريخًا نضاليًا محترمًا في البلاد.

قال ديكو إن الرئيس كيتا هو "المشكل الذي تعاني منه مالي"، وذلك أمام آلاف الحضور الذين انضموا للمظاهرات التي جاءت بمبادرة من "الجبهة من أجل الحفاظ على الديمقراطية"، وتضم أحزابًا سياسية معارضة وشخصيات دينية وبعض منظمات المجتمع المدني.

وكان الإمام ديكو قد استدعي مارس الماضي للتحقيق بعد دعوته لتنظيم مظاهرات تنتقد الفساد وعدم العدالة وتفشي المحسوبية في أجهزة الدولة في ظل حكم الرئيس كيتا.

وجاءت احتجاجات الجمعة امتدادًا للعمل السياسي التي تقوم به المعارضة عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في أبريل/نيسان الماضي التي أفرزت فوز الحزب الحاكم التجمع من أجل مالي بقيادة الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا الذي فاز بـ43 مقعدًا برلمانيًا، يليه التحالف من أجل الديمقراطية في مالي شريكه في الائتلاف الحاكم، بـ23 مقعدًا. واعتبرت المعارضة المالية تلك الانتخابات التي شهدت مشاركة لم تتعد 35% مزورة، وحدثت بها تلاعبات.

لا يقتصر تردي الوضع الأمني في منطقة الساحل على مالي التي تعيش هذا الحال منذ الهجوم الذي قادته عدة تنظيمات مسلحة ومتطرفة ضد الحكومة

ويتخوف متابعون في مالي أن تكون الانتخابات البرلمانية بروفة لإعداد نائب رئيس لجنة الدفاع الوطني السابق كريم كيتا نجل الرئيس الحاليّ الذي فاز بعهدة نيابية لتولي البلاد بعد انتهاء العهدة الرئاسية لأبيه بعد ثلاث سنوات من الآن.

ومهما اختلفت التجاذبات السياسية بين الموالاة والمعارضة، فإن الأخيرة تبقى تملك أهم نقطة رابحة ترفعها في وجه الرئيس الذي يحكم البلاد منذ 7 سنوات، وهي فشله في إحلال الأمن في شمال البلاد موطن الإمام ديكو، وكذا عدم قدرته على وقف الاقتتال العرقي الذي صار فتيله يشتعل عامًا بعد عامٍ بين قبائل الدونزو وقبائل الفولاني المسلمة التي ينحدر منها الإمام ديكو.

توسع 

لا يقتصر تردي الوضع الأمني في منطقة الساحل على مالي التي تعيش هذا الحال منذ الهجوم الذي قادته عدة تنظيمات مسلحة ومتطرفة ضد الحكومة خاصة بالشمال في 2012، ومهدت للتدخل العسكري الفرنسي في البلاد في يناير/كانون الثاني 2013، لأن الأمر امتد إلى عدة دول، ما يؤكد تهلهل القوى الدفاعية لدول المنطقة في مواجهة التنظيمات المسلحة.

في بوركينافاسو الجارة الجنوبية لمالي التي كانت تصنف ضمن أكثر الدول الإفريقية استقرارًا، أصبح الوضع معاكسًا تمامًا، فالبلاد صارت تصحو وتستيقظ على وقع أحداث عنف، ففي نهاية مايو/أيار الماضي قتل 25 شخصًا على الأقل في قرية كومبيمبيغا شرق البلاد على يد مسلحين، وقبلها بأيام قتل 15 آخرين في هجوم مسلح استهدف موكب تجار في بلدة بشمال البلاد.

وتتحدث تقارير راصدة للوضع في البلاد الواقعة غرب القارة السمراء عن مقتل قرابة ألف شخص العام المنصرم، واضطر نحو نصف مليون آخرين للفرار من منازلهم بسبب الهجمات التي أججت توترات عرقية ودينية.

وتقوم تنظيمات مرتبطة بالقاعدة وداعش و"بوكو حرام" النيجيرية خلال السنوات الأخيرة بأعمال عنف استهدفت عدة مدن حتى العاصمة واغادوغو التي كانت إلى وقت غريب مزارًا للرعايا الأجانب وفي مقدمتهم الفرنسيين.

هذا الوضع الأمني الذي تعيشه بوركينا فاسو، استدعى تحرك حتى النقابات العمالية التي دعت الحكومة إلى ضرورة العمل على وقف العمليات الإرهابية التي تستهدف العمال وفي مقدمتهم المدرسين بشمال وغرب البلاد، كما دعت إلى وقف سياسة التخلي عن تحقيق المطالب الاجتماعية للعمال.

يقول الخبير الأمني لورنت كيبورا إن الوضع الأمني المتردي في بوركينا فاسو يتضاعف بشكل استثنائي، فالعمليات الإرهابية تصاعدت بوتيرة لا أحد كان يتوقعها. 

وبالنيجر الجارة الجنوبية الثانية للجزائر، لا يختلف الوضع كثيرًا عما يحدث في مالي وبوركينا فاسو، ففي مايو/أيار الماضي لقي 12 جنديًا مصرعهم وأصيب 10 في هجوم نفذته جماعة "بوكو حرام" استهدف قاعدة عسكرية في "ديفا" كبرى مدن جنوب شرقي النيجر الحدودية مع نيجيريا موطن التنظيم الإرهابي الذي وسع نشاطه منذ 2015 ليشمل إضافة إلى النيجر كلًا من تشاد والكاميرون أيضًا.

ولا يتوقف الوضع المتأزم في الساحل على تردي الوضع الأمني المتردي بالأساس الذي قد يكون نفسه في عدة دول إفريقية، إنما يمتد إلى اشتداد الصراعات الإثنية في ظل حكم سلطات تكون في الغالب معينة من وراء البحار تحت غطاء انتخابات شكلية، وهو ما جعلها عاجزة حتى على تحقيق الأمن الغذائي لمواطنيها الذين يرزخ أغلبهم تحت خط الفقر ومهددون بالمجاعة كل عام.

فشل فرنسي

لا تمثل حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل فشلًا للحكومات المحلية فقط، إنما أيضًا للسياسة الفرنسية في المنطقة، باعتبار باريس المتحكم الرئيس في تطورات الوضع هناك، كونها المستعمر القديم الذي ما زال ينهب خيرات هذه الدول ويعيق تطورها، ومحافظًا على وجوده تحت ذريعة التعاون الأمني ومساعدة دول المنطقة في مواجهة الخطر الإرهابي الذي يستعمل كغطاء لحماية مصالحه في مناجم اليورنيوم شمال النيجر على سبيل المثال.

وتشكل مالي أحسن مثال للفشل الفرنسي ولسياستها التي صارت لا تطاق، فخلال العام الحاليّ تعالت احتجاجات المواطنين الرافضة لتصرفات الجنود الفرنسيين الذين صاروا ينعتون بـ"عدو الشعب المالي"، والمطالبة بحل القاعدة العسكرية بالبلاد ورحيل القوات الفرنسية من مالي.

لم تستطع فرنسا أعطاء نتائج ميدانية ملموسة رفقة قوة دول الساحل التي أنشأتها

بالنسبة لباريس، لا يشكل الرحيل من مالي في الوقت الراهن خيارًا يمكن الموافقة عليه، رغم عدم تحقيق الأهداف التي تدخلت من أجلها عسكريًا في يناير 2013، لكن الحل يبقى سهلًا لتبرير هذا البقاء بإعلان مقتل قيادات إرهابية بارزة ذات صيت إعلامي، وهو ما قامت به الجمعة الماضية بإعلان وزيرة الدفاع مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب عبد المالك دوردكال المكنى بـ"أبو مصعب عبد الودود" في عملية عسكرية شمال مالي، وعدة قيادات مسلحة أخرى.

غير أن هذا الإعلان وقبله الحديث عن مقتل مختار بلمختار ويحي أبو الهمام وغيرهما من المتطرفين بمنطقة الساحل لا يمكنه إخفاء الفشل الذريع لباريس في المنطقة، فقوة برخان التي تضم 5100 جندي وهي أكبر كتيبة للجيش الفرنسي خارج البلاد لم تستطع حتى اليوم وقف الهجمات بمنطقة الساحل، حتى بعد تلقيها الدعم من دول أخرى كالدانمارك وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد أن أجهضت تكتل دول الساحل الذي كان يضم الجزائر وليبيا، لم تستطع فرنسا إعطاء نتائج ميدانية ملموسة رفقة قوة دول الساحل التي أنشأتها، وتضم دول مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو التي ستعقد قمتها المقبلة بنواكشوط بمشاركة فرنسية، بل إن جيوش هذه الدول أصبحت اليوم محل تحقيق من منظمة الأمم المتحدة بتهمة ارتكاب تجاوزات في حق السكان المحليين تحت غطاء مكافحة الإرهابيين، وذلك في وقت لم توجه أي اتهامات لقوات فرنسا العضو الدائم بمجلس الأمن رغم الاحتجاجات العديدة التي قام بها الماليون ضد قوات الجيش الفرنسي.

وأمام هذا الوضع المضطرب أمنيًا وسياسيًا، تطرح تساؤلات عدة أبرزها إن كان الوجود الفرنسي بالساحل جزءًا من الحل أم من الأزمة؟ وأين مشاريع التنمية التي وعد بها المجتمع الدولي دول الساحل لوقف استقطاب الفئات الهشة من الإرهابيين؟

موجة جديدة

تبعث حالة العنف والاحتجاجات التي تشهدها دول الساحل على القلق في الجزائر، مخافة أن يتسبب هذا الوضع في تدفق جديد للاجئين القادمين من جنوب الصحراء نحوها.

ويبدو أن مؤشرات هذا العبء القادم من الجنوب بدأت تتضح، فقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الشهر الماضي أن العنف في شمال غرب نيجيريا أجبر نحو 23 ألف شخص على الفرار إلى النيجر منذ أبريل/نيسان الماضي فقط، وبالنظر إلى أن الوضع في النيجر في حد ذاته لا يبعث على الارتياح خاصة ما تعلق منه بالجانب الغذائي، يواصل اللاجئون رحلتهم إما إلى الجزائر للعيش بها أو لليبيا التي قد تكون محطة في رحلتهم نحو أوروبا.

ستُثقل هذه الموجة الجديدة من اللاجئين في حال وصل نزوحها إلى الجزائر كاهل الحكومة المنشغلة هذه الفترة بالأزمة الليبية

والأمر لا يقل سوداوية أيضًا في المناطق الحدودية للنيجر مع نيجيريا التي تعرف هي الأخرى فرارًا من جحيم العنف الذي تعرفه المنطقة، فقد أشار المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بابار بالوش في تصريحات إعلامية إلى أن نحو 19 ألفًا من مواطني النيجر شردوا في بلادهم بسبب الخوف من انعدام الأمن في المناطق الحدودية، لتكون حلول هذه الفئة إما التوجه نحو المدن الشمالية للبلاد أو بدء رحلة نحو دول شمال إفريقيا ثم إلى الضفة الشمالية للمتوسط.

وستُثقل هذه الموجة الجديدة من اللاجئين في حال وصل نزوحها إلى الجزائر كاهل الحكومة المنشغلة هذه الفترة بالأزمة الليبية، وبالقضايا الداخلية كنقص الموارد المالية والحراك الشعبي وتعديل الدستور.

وبالنسبة للجزائر، فإن مسألة اللاجئين لا تتوقف عند التكفل بحالات إنسانية، إنما يتعلق الأمر بمواجهة ظاهرة تقف وراءها أطراف خارجية حاولت في السنوات السابقة إغراق البلاد بمئات آلاف اللاجئين، والضغط على الحكومة بتقارير المنظمات غير الحكومية التي تدعي أن الجزائر تقوم بسلوكات منافية لحقوق الإنسان وترحل اللاجئين قصرًا إلى بلادهم، رغم أن هذه العملية كانت تتم بالتنسيق مع حكومات الدول المعنية.

ويظهر أن الحل في منطقة الساحل يبقى بعيدًا على الأقل في الوقت الحاليّ، لأن الإشكال وإن بدا في ظاهره أمنيًا سياسيًا لكنه في الحقيقة بالدرجة الأولى اقتصادي، بالنظر إلى أن الخيرات الباطنية الموجودة في المنطقة لم تصبح اليوم محل أطماع اللاعب السابق المتمثل في فرنسا، إنما أيضًا هذه الوجبة تثير شهية آخرين كالصين وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما سيعيق بلا شك مشروع منطقة التبادل الحر الإفريقية التي تظل فيها منطقة الساحل الرابط بين جنوب وشمال القارة السمراء.