الرئيس السويسري يلتقي ترامب في البيت الأبيض منتصف شهر مايو (رويترز)

لا ثوابت في السياسة، فلا تصالح دائم ولا خصام مستمر، هكذا تقول العلوم السياسية، فالمؤشر العام للعلاقات تحدده المصالح المشتركة من جانب والمستجدات الإقليمية والدولية من جانب آخر، وبعيدًا عن المسار الظاهري الذي يعكس توجهًا معينًا تبقى في الكواليس قنوات اتصال سرية تدشن مسارًا موازيًا آخر غير المعلن.

وتعد الحالة الأمريكية الإيرانية استثنائية في سياقاتها ودوافعها ومستوياتها، فرغم الخصومة الفجة بين الطرفين - ظاهريًا - والممتدة منذ الثورة الخمينية عام 1979، إلا أنه بين الحين والآخر، وبين كل أزمة تطفو على السطح بينهما، تدخل بعض القوى على الخط في محاولة لتهدئة الأمور والحفاظ على الحد الأدنى من الأرضية المشتركة بينهما.

وبعيدًا عن أن تاريخ الوساطات بين طهران وواشنطن لم يكن حافلًا بالأحداث الجسام التي تتطلب تدخل أطراف إقليمية أو دولية، اللهم إلا بعض المسائل التي نشبت إثر الخلاف بين الطرفين كقضية اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عقب الثورة، والانسحاب الأحادي الأمريكي من الاتفاق النووي الموقع في 2015، بجانب العقوبات الأمريكية المفروضة على الإيرانيين، إلا أن التداعيات الناجمة عن التناطح بين الدولتين سواء على المستوى الإقليمي أم الدولي يجعل من نشوب أي نزاع بينهما حدثًا يتطلب التدخل في أسرع وقت لاحتوائه قبل تفاقم الأوضاع.

العديد من المؤشرات تعكس ملاءمة الأجواء ورغبة الطرفين في تخفيف التوتر، أولها نجاح المرحلة الأولى من صفقة تبادل المعتقلين بين البلدين

وكان الاتفاق النووي الموقع قبل خمسة أعوام أول اتفاق رسمي بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإسلامية، الأمر الذي أثار تفاؤل البعض بشأن تقارب البلدين بعد عقود من تجميد العلاقات ودخولها منحنيات التوتر بين الحين والآخر، غير أن انسحاب الرئيس دونالد ترامب منه قبل عامين أعاد الأزمة إلى المربع رقم صفر مرة أخرى.

وقد أدلت العديد من القوى الدولية بدلوها في مسار الوساطة بين البلدين، كألمانيا وروسيا وقطر وعُمان واليابان وسويسرا، اتساقًا مع دخول تلك الجهود ضمن أبجديات القانون الدولي الذي يسمح لدول ومنظمات وأطراف بالتدخل لحل الأزمات الناشئة بين طرفين، وقد أسهم هذا التدخل في تحقيق العديد من النجاحات التي أبقت الباب مواربًا بين البلدين وحالت دون الوصول إلى مسارات يصعب العودة منها.

ويعول البعض على الوساطة السويسرية في حلحلة الأزمة وتذويب جليد العلاقات المتجمدة، وذلك بما تمتلكه "برن" من وضعية تؤهلها للقيام بهذا الدور، كونها راعية المصالح الأمريكية في إيران، والوسيط الموثوق فيه من البلدين، حيث دخلت على خط الأزمة مرة أخرى خلال الفترة الماضية وزاد منسوب التفاؤل بشأن قدرتها على تحقيق خطوات إيجابية في هذا المسار خاصة بعد زيارة ترامب لها منتصف مايو 2019.

مؤشرات إيجابية

العديد من المؤشرات تعكس ملاءمة الأجواء ورغبة الطرفين في تخفيف التوتر، أولها نجاح المرحلة الأولى من صفقة تبادل المعتقلين بين البلدين، ففي الـ7 من ديسمبر الماضي أفرجت طهران عن باحث أمريكي صيني الأصل مدان بالتجسس لصالح الولايات المتحدة التي أطلقت سراح العالم الإيراني مجيد طاهري.

وبعثت هذه الصفقة الأمل مجددًا لدى المراقبين بشأن حدوث انفراجة قريبة، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي نفسه حين وجه الشكر لطهران بعد الإفراج عن الباحث الأمريكي حيث وصف الصفقة بـ"المنصفة"، لافتًا إلى أنها تشير إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإيراني. 

كذلك غض واشنطن الطرف عن ناقلات النفط الإيرانية المرسلة إلى فنزويلا المحاصرة أمريكيًا، حيث أرسلت طهران قرابة 5 ناقلات نفطية لمساعدة الشعب الفنزويلي في أزمة الطاقة التي يعاني منها جراء العقوبات المفروضة عليه.

الناقلات الخمسة التي بدأ إرسالها على مدار شهر تقريبًا تعززت بطائرة مساعدات طبية إيرانية أمس الإثنين لمساعدة الحكومة الفنزويلية في مواجهة التصدي لفيروس كورونا المستجد، هذا في الوقت الذي لم تتخذه فيه السلطات الأمريكية أي إجراء بشأن تلك المساعدات رغم الموقف الرسمي بشأن العقوبات والحظر المفروض على طهران وكراكاس.

علاوة على ذلك الدلالات التي عكسها إعلان الحكومة العراقية على لسان وزير الكهرباء بشأن تمديد عقود استيراد الطاقة من إيران لمدة عامين قادمين، وهي الخطوة التي ما كانت تلجأ إليها حكومة بغداد دون الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي، تجنبًا لتنفيذ التهديد الأمريكي السابق بشأن فرض عقوبات عليها حال تفعيل أي تعاون مع الإيرانيين.

قبول الوساطة

ما الذي يدفع كلًا من البلدين إلى قبول الوساطة السويسرية في هذا التوقيت؟ سؤال فرض نفسه على ساحة النقاش السياسي خلال الآونة الأخيرة في محاولة للوقوف على ما إذا كانت مثل هذه التحركات في الوقت الراهن قادرة على تحريك المياه الراكدة في بحر العلاقات الأمريكية الإيرانية المتلاطم الأمواج.

العديد من الأسباب ممكن أن تكون دافعًا للتماشي مع تلك الوساطة بحسب الكاتبة المصرية هند الضاوي، الخبيرة في الشؤون الدولية، التي أشارت إلى أن الإصلاحيين في إيران يسعون إلى تحقيق أي إنجاز سياسي أو اقتصادي يعزز مكانتهم على المستوى الداخلي قبل الانتخابات الرئاسية القادمة.

ما تعرضت له إدارة ترامب من انتكاسات سياسية واقتصادية خلال الآونة الأخيرة، بجانب التصعيد الاحتجاجي الشعبي جراء جريمة مقتل جورج فلويد، ربما يكون دافعًا لمزيد من المرونة في التعامل مع الملف الإيراني

الضاوي في مقال لها على صفحتها الرسمية على "فيسبوك" كشفت أن النظام الإيراني الحاليّ يتجنب تكرار سيناريو انتخابات مجلس الشورى "البرلمان" الدورة الأخيرة، التي سيطر عليها المتشددون، وعليه يسعى لتحقيق خطوات إيجابية في المسار التفاوضي مع واشنطن لتعزيز موقفه.

بعد اقتصادي آخر تسوقه الكاتبة المصرية في استعراضها لدوافع طهران قبول الوساطة السويسرية، يتعلق بإبداء المرونة النسبية تجاه الرئيس الأمريكي لئلا يعرقل آلية التبادل التجاري بين طهران والاتحاد الأوروبي والمعروفة باسم "أنستيكس" التي تتعلق بتبادل المنتجات الغذائية والنفطية والدوائية بين الطرفين، وهي الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ قبل أيام قليلة من تبادل المعتقلين بين أمريكا وإيران.

وعلى الجانب الآخر ترى أن ما تعرضت له إدارة ترامب من انتكاسات سياسية واقتصادية خلال الآونة الأخيرة، بجانب التصعيد الاحتجاجي الشعبي جراء جريمة مقتل جورج فلويد، ربما يكون دافعًا لمزيد من المرونة في التعامل مع الملف الإيراني، تجنبًا للتعرض لأي ضربات جديدة تقضي على ما تبقى من شعبية لترامب.

وفي السياق ذاته يحرص الرئيس الأمريكي على تجنيب الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة مصطفى الكاظمي، الدخول في أي نزاعات مع النظام الإيراني في الوقت الراهن حفاظًا على المصالح الأمريكي في الداخل العراقي، التي في مقدمتها لجم الميليشيات التابعة لطهران، وعليه لا يرغب في التصعيد مع النظام الإيراني بما ينعكس سلبًا على مصالح بلاده في بلاد الرافدين. 

ماذا عن الاتفاق النووي؟

الحديث عن تراجع واشنطن عن موقفها من الاتفاق النووي أو إبرام اتفاق جديد يرضي الإيرانيين ربما يكون حديثًا مبكرًا للغاية، إن لم يكن مغلفًا بصبغة تفاؤلية يستبعدها البعض، خاصة أن الوصول إلى هذه النتيجة أمر غاية في الصعوبة لأسباب عدة، على رأسها التعنت الكبير من المحافظين المسيطرين على البرلمان الإيراني والرافضين لأي تفاوض مع واشنطن.

البعض يرى المبادرة السويسرية دفعة نحو تعزيز فرص التفاوض بين البلدين وجلوسهما على مائدة حوار واحدة

ومن المستبعد حدوث أي مرونة في موقف التيار المحافظ الذي من المتوقع أن يستغل فشل الرئيس الحاليّ حسن روحاني في تحقيق وعوده الانتخابية لتعزيز أرضيتهم الشعبية خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، ما يجعل من وجود أرضية مشتركة بينهم وبين أمريكا التي يصفونها بـ"الشيطان الأكبر" غاية في الصعوبة.

من جانب آخر فإن فشل الدول الأوروبية، الأطراف في الاتفاق الموقع، في تحريك المياه الراكدة في هذا الملف طيلة العامين الماضيين، رغم الضغوط الممارسة على الإدارة الأمريكية، يجعل تغيير الوضع الحاليّ أمرًا صعبًا للغاية، غير أن البعض يرى المبادرة السويسرية دفعة نحو تعزيز فرص التفاوض بين البلدين وجلوسهما على مائدة حوار واحدة، وهي خطوة ربما تكون بداية لمسارات تفاوضية مستقبلية حال وصول شخصية أكثر مرونة للبيت الأبيض، لا سيما من الديمقراطيين.

قنوات الاتصال السرية

تتزامن التحركات السويسرية مع قنوات التواصل السرية بين البلدين، التي تعد أحد أهم الركائز الأساسية التي تقوم عليها العلاقات الأمريكية الإيرانية أوقات الأزمات، ونجحت خلال العقود الأربع الماضية في تحقيق خطوات إيجابية ملموسة في مسار تلك العلاقات رغم المعلن رسميًا على منصات الإعلام.

والتاريخ يوثق العديد من تلك الاتصالات التي كُشفت في وقت لاحق، أبرزها اللقاءات السرية التي كانت تتم بين نظام المرشد السابق آية الله الخميني وإدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد الثورة مباشرة، حيث التقى مستشار الخميني ومبعوث كارتر أكثر من مرة في باريس.

شهدت القنوات السرية بين البلدين العديد من الفضائح أبرزها ما عرف بـ"إيران كونترا" أو "إيران جيت"

تلك الوثائق كشفت اتصالات جرت بين الخميني في منفاه بباريس، والجانب الأمريكي، قبل خروج الشاه محمد رضا بلهوي من إيران يناير 1979، وما أبداه الزعيم الإيراني من دعم للمصالح الأمريكية في بلاده، والتنسيق الكامل بين الطرفين لاستحواذه وفريقه على مقاليد الحكم في البلاد.

وقد شهدت تلك القنوات السرية بين البلدين العديد من الفضائح أبرزها ما عرف بـ"إيران كونترا" أو "إيران جيت"، وكانت عبارة عن صفقة بيع الأسلحة بين واشنطن وطهران، التي كانت تستهدف استرضاء الإيرانيين الذين أسروا عددًا من الرهائن الأمريكيين في لبنان، وتمويل ميليشيات "الكونترا" التي كانت تهدف إلى الإطاحة بحكومة نيكاراغوا المؤيدة للنظام الشيوعي وتساندها كوبا والاتحاد السوفيتي.

وفي المجمل ورغم المناخ الملائم للوساطة السويسرية والدوافع التي تعزز احتمالات تحريكها للمياه الراكدة في العلاقات بين طهران وواشنطن، يبقى الرهان على نجاحها مغامرة غير محسوبة في ظل التقلبات المستمرة في منسوب تلك العلاقة التي تتأرجح بين الحين والآخر جراء المستجدات الإقليمية والدولية التي ربما سيكون لها تأثير كبير في نتائج تلك الوساطة.