تداعيات سلبية لكورونا على أداء الحج والعمرة هذا العام

عادت مسألة مناقشة مصير موسم الحج هذا العام في أعقاب جائحة كورونا إلى مائدة الحوار مرة أخرى خلال الساعات الأخيرة في ظل التطورات التي شهدتها السعودية الأسبوع الماضي، إذ يبدو أن المملكة تدرس فكرة إلغاء هذا الموسم في خطوة هي الأولى منذ تأسيس البلاد عام 1932.

صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية نقلت في تقرير لها عن مسؤول سعودي كبير في وزارة الحج أن "هذه المسألة - الإلغاء - دُرست بعناية، كما يجري النظر في سيناريوهات مختلفة وسيتم اتخاذ قرار رسمي في غضون أسبوع"، وذلك بعدما تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد حاجز الـ119 ألف إصابة.

العديد من المؤشرات تذهب في اتجاه الإلغاء، منها قرار بعض الدول مثل إندونيسيا وماليزيا عدم إرسال حجاج لها هذا العام للسعودية، وهو ما ألمح إليه المسؤول السعودي الذي توقع أن تقدم العديد من الدول الإسلامية الأخرى على الخطوة ذاتها، في ظل حالة القلق التي تخيم على العالم بسبب هذا الوباء منذ إعلانه ديسمبر العام الماضي.

يأتي هذا التطور بعد الانتكاسة التي تعرضت لها السعودية فيما يتعلق بحجم الإصابات خلال الأيام الماضية، وذلك بعد إعلانها تخفيف حجم القيود والإجراءات الاحترازية المتخذة بعدما تراجعت أعداد الإصابات قبل أسبوع، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حيث تجاوز عدد الإصابات بالمملكة خلال الأيام الست الماضية حاجز الـ3 آلاف إصابة يوميًا، الأمر الذي دفع السلطات هناك إلى إعادة النظر فيما تم اتخاذه من إجراءات تخفيفية.

وكانت المملكة قد فرضت تدابير صحية مشددة عقب اكتشاف أول حالة إصابة مؤكدة في الـ2 من مارس/آذار الماضي، شملت فرض قيود على السفر وحظر التجول لمدة شهرين، لكنها خففت من تلك التدابير أواخر مايو/أيار، لتتضاعف الأعداد بشدة حتى وصلت مساء الجمعة 12 من يونيو/حزيران 2020 قرابة 119942 إصابة و893 وفاة، و81029 حالة شفاء.

3 سيناريوهات

ليست خطوة سهلة أن تلجأ الرياض إلى إلغاء موسم الحج، فقرار كهذا يحمل في طياته العديد من المؤشرات، هذا بجانب ما يحمله من خسائر فادحة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية عاصفة، الأمر الذي أرجأ اتخاذ قرار نهائي بشأنها رغم اقتراب موسم الحج الذي بات على بعد شهر تقريبًا.

الصحيفة البريطانية نقلًا عن المسؤول السعودي أشارت إلى أن السلطات هناك ما زالت تدرس العديد من السيناريوهات قبل أن تعلن وبشكل نهائي موقفها الرسمي بعد أسبوع تقريبًا، ومما لا شك فيه أن منحنى الإصابات خلال الأيام القادمة سيحدد القرار النهائي لمستقبل موسم الحج هذا العام.

قبل أسبوع تقريبًا كان التفاؤل يخيم على الأجواء هناك بالمملكة، حيث إعادة فتح المساجد وإقامة الصلاة بتدابير احترازية، وهي الإجراءات التي ألقت بظلالها الإيجابية على الشارع السعودي، غير أن ما حدث مؤخرًا جاء بمثابة الصدمة، فبالأمس سجلت المملكة أعلى معدل إصابات لها منذ اكتشاف الفيروس، حيث وصلت 3921 حالة إصابة جديدة.

وأمام تلك الوضعية بات فتح المجال أمام الحج بمستواه الطبيعي كما كان في السنوات السابقة، أمرًا مستبعدًا للغاية، في ظل استمرار غلق المطارات وتزايد معدلات الإصابة، ومما فاقم من صعوبة العودة تلك الموجة الثانية للإصابة التي بدأت تلوح في بعض البلدان منها السعودية نفسها بجانب الصين التي كانت قد أعلنت سيطرتها الكاملة على تفشي الوباء.

وباتت الممكة الآن في موقف حرج للغاية، فإعلان إلغاء الحج لأول مرة منذ تأسيسها خطوة صعبة، لها تبعات سلبية على أكثر من مستوى، وهو الأمر الذي دفع إلى دراسة عدد من السيناريوهات التي تسعى من خلالها الرياض إلى مسك العصى من المنتصف، حفاظًا على إقامة الشعيرة الدينية وتقليل الخسائر الناجمة عن إلغائها من جانب، وتجنيب حياة الحجيج الخطر وما قد يترتب عليه من ملاحقات قضائية وقانونية من جانب آخر.

السيناريو الثاني الذي يفرض نفسه على مائدة النقاش يتمثل بفتح المجال أمام الحجاج من دول الخليج، فأعدادهم ليست بالكبيرة التي تمثل قلقًا أو خطورةً، مع إمكانية وضع التدابير والإجراءات الاحترازية للحيلولة دون انتشار الوباء، مع فرض قيود مشددة على القادمين من خلال إجراء التحاليل اللازمة لهم.

هذا السيناريو ربما يفي بالغرض مؤقتًا، لكنه في الوقت ذاته يتوقف على مدى استعداد دول الخليج إيفاد حجاجها للمملكة في ظل تزايد أعداد الإصابات لديها لا سيما في جدة ومكة، وهما المنطقتان اللتان ستشهدان كثافة كبيرة خلال أيام الحج، مع العلم أنه حتى كتابة هذه السطور لم تخاطب السعودية أي من تلك البلدان بشأن أي تغيرات طارئة في مسار الحج هذا العام.

وفي حال تفاقمت الأمور بالشكل الذي يصعب معه تنفيذ السيناريو الثاني فهناك سيناريو آخر، أقل كلفة ومخاطرة، ويتمثل في فتح المجال أمام حجاج الداخل، من السعوديين والوافدين، وهو ما قد يحقق للمملكة حفاظها على أداء الشعيرة دون انقطاع، كما أنه من الممكن أن ينشط السياحة الداخلية إلى حد ما.

وتبقى الأيام القليلة القادمة، حتى نهاية هذا الأسبوع على الأقل، هي الفيصل في إقرار أي من السيناريوهات الثلاث، غير أنه من المؤكد أن السعوديين أمام مأزق حقيقي، فقد يتعرضون إذا فتحوا الباب أمام أداء الحج هذا العام، لضغوط غير مسبوقة بشأن نظامهم الصحي وانتقادات دولية وربما مطالبات بالتعويض، أما في حال الإلغاء فإن الاقتصاد سيعاني بصورة مؤلمة، خاصة الاقتصادات المحلية في مكة والمدينة.

أداء الحج

ليست المرة الأولى.. ولكن

لم يكن فيروس كورونا المستجد هو الجائحة الأولى التي تعرضت لها المملكة تزامنًا مع موسم الحج، فهناك تجارب سابقة خلال العقود الأخيرة، تعاملت معها السلطات السعودية بصورة أو بأخرى دون الاضطرار إلى إلغاء الموسم بأكلمه، علمًا بأن هناك فارقًا كبيرًا بين ما تعرضت له البلاد سابقًا وما تواجهه اليوم.

ففي عام 2003 تزامن موسم الحج مع انتشار فيروس سارس، الذي ظهر في الصين في نوفمبر 2002 وانتشر بعد أشهر قليلة في جميع أنحاء العالم، وقتها لم تقدم السلطات السعودية على إلغاء الحج بل فرضت قيودًا مشددةً على الحجاج من خلال الخضوع للكشف الدوري وإجراء تحاليل استباقية كشرط للقدوم للحج، كما منعت استقبال الحجاج من الدول شديدة الإصابة.

الأمر ذاته تكرر عام 2009 حين انتشرت إنفلونزا الخنازير التي أصابت العالم بالهلع، ففي موسم الحج ذاك، أعلنت المملكة منع دخول كبار السن والأطفال لأراضيها، كما فرضت إجراءات صحية مكثفة على القادمين لديها لا سيما من الدول التي بها إصابات بهذا الفيروس الجديد.

وكان للقيود التي فرضتها السعودية على الحج في 2009، تداعيات اقتصادية سلبية، حيث بلغت خسائر الشركات الوطنية السعودية بسبب إنفلونزا الخنازير قرابة 40% من حجم أعمال الشركات العاملة في مكة المكرمة، هذا بجانب تزايد أعداد البطالة بين العاملين ذلك العام، الذي يكون موسم الحج بالنسبة لهم النافذة السنوية لكسر معاناة البطالة.

وخلال الأعوام 2012 و2014 و2015 فرضت المملكة قيودًا مشددة على القادمين لديها لأداء الحج والعمرة بعدما سقط العشرات لديها ضحايا فيروس كورونا، لكنها إجراءات لم تؤثر بالشكل الملحوظ على الموسم برمته، مقارنة بما هو عليه هذا العام، الذي من المرجح أن تتعرض فيه السعودية لخسائر اقتصادية كبيرة حال إلغائه.

خسائر اقتصادية سعودية

خسائر اقتصادية متوقعة

يمكن الوقوف على حجم الخسائر المتوقعة حال إلغاء موسم الحج من خلال إلقاء الضوء على ما تجنيه المملكة من مكاسب من وراء أداء تلك الشعيرة التي تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا للعديد من القطاعات السعودية، التي تتعاظم إيرادتها عامًا تلو الآخر مع زيادة أعداد القادمين من الخارج لأداء الفريضة في ظل التوسعات التي تقوم بها السلطات لاستقبال المزيد.

ففي العام الماضي شارك نحو 2.5 مليون شخص في أداء المناسك، مقارنة بـ2.37 مليون شخص في 2018، ومليون و860 ألفًا في 2016، و24 ألفًا فقط في 1941، فيما تأمل السعودية استقبال 30 مليون حاج ومعتمر كل عام بحلول عام 2030 بحسب رؤية ولي العهد، محمد بن سلمان.

وتحقق البلاد من وراء هذا الموسم قرابة 7 مليارات دولار سنويًا، وتخطط المملكة إلى مضاعفة هذا الرقم بعد عشر سنوات ليصل لـ50 مليار دولار سنويًا، حيث يبلغ متوسط إنفاق الحاج في الداخل 7 آلاف ريال سعودي (1866 دولارًا)، فيما يبلغ إجمالي تكلفة الحج بالنسبة للشخص الواحد من حجاج الخارج بين 4 و5 آلاف دولار في المتوسط، وتبلغ قيمة استصدار التأشيرة الواحدة 2000 ريال سعودي (533 دولارًا) ، بعد أن كانت سابقًا لا تتجاوز 350 ريالًا في قفزة تصل لـ500%، وذلك في أعقاب الزيادات الجديدة التي أقرتها السلطات هناك لإنعاش خزينة المملكة.

أما عن تفصيل مصادر الإنفاق، فوفق ما أظهرته دراسة لمركز السجيني للاستشارات الاقتصادية والإدارية فإن 40% من إنفاق الحجاج يذهب إلى السكن وأماكن الإقامة التي تمثل عدة شرائح ومستويات متباينة، فيما يذهب 31% لصالح النقل والمواصلات، أما الهدايا فتبلغ نسبة الإنفاق عليها 14% من إجمالي الإنفاق، يليها الغذاء بنسة 10%، في حين يتذيل القائمة بقية أوجه الإنفاق الأخرى التي تمثل 5% من الإجمالي.

ويمثل موسم الحج المورد الاقتصادي الأبرز لمدينة مكة التي تحتضن الشعائر، حيث تمثل إيرادات أداء تلك الفريضة قرابة %70 من الإيرادات السنوية للمدينة، فيما توفر عشرات آلاف الوظائف للشباب، علاوة على إنعاش قطاعات خاصة ومهن حرة بعينها مثل تجارة اللحوم والحلاقة وتحويل العملات وغيرها من المجالات التي تصب في النهاية في زيادة ميزان المدفوعات السعودي.

وفي المجمل فإن موسم الحج هذا العام لن يكون بأي حال من الأحوال كغيره من المواسم السابقة، وأيًا كان السيناريو الذي ستخلص إليه الرياض، والمتوقع إعلانه نهاية هذا الأسبوع، فإن المملكة أمام منعطف جديد من التأزم، بين مطرقة المغامرة وفتح الباب حفاظًا على مكتسباتها وما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية ربما تصل لحد الكارثية، وسندان التحفظ والتقنين رغم الخسائر الاقتصادية المتوقعة التي تزيد الوضع تعقيدًا.