تُصارع تونس مهد الربيع العربي والأنموذج الوحيد الناجح تقريبًا في المنطقة أزمات بالجملة على أكثر من صعيد، فإضافة إلى سعي بعض الأطراف الخارجية التي تدعم بسخاء قوى الثورة المضادة المحلية من أجل ضرب الاستقرار وإفشال المسار الانتقالي تمهيدًا لصعود أنظمة موالية لها شبيهة لحكام مصر الجدد، يُعاني البلد الواقع في شمال إفريقيا أزمة اقتصادية خانقة بفعل فشل المنوال الاقتصادي الذي اعتمدته في العشرية الأخيرة وثقل تركة النظام السابق، عمقتها تداعيات جائحة كورونا التي عطلت ميكانيزمات الإنتاج، وهو ما دفع الحكومة التونسية إلى الإقرار بصعوبة الوضع وضرورة اتخاذ إجراءات "موجعة" من أجل إنعاش الاقتصاد.

اتساع دائرة الأزمة

رغم مرور قرابة العشر سنوات على ثورة 14 يناير، لم تنجح تونس في إرساء منوال اقتصادي جديد يحفظ الاستقرار المالي للدولة ويطور رافعات التنمية والإنتاج والمنافسة، وذلك بسبب تركيز الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة اهتماماتها على تأمين الانتقال الديمقراطي وامتصاص الحراك الاجتماعي المطالب بالتشغيل وتحسين الظروف المعيشية، عبر الاقتراض الخارجي الموجه أساسًا إلى الاستهلاك وسداد رواتب القطاع الحكومي بدلًا من تخصيصها للاستثمار، الأمر الذي انجر عنه انهيار سريع للمؤشرات الاقتصادية طيلة تلك الفترة وخلق فوارق اجتماعية كبيرة، حيث تآكلت الطبقة الوسطى والتحق جزء منها بصفوف الفئة الفقيرة.

سجل التقرير الأخير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي) 516 تحركًا احتجاجيًا و36 حالة ومحاولة انتحار خلال شهر مايو 2020، ما يُشير إلى عمق الأزمة في تونس وتداعياتها السلبية على المستوى الاجتماعي.

في الإطار ذاته، فإن غياب الاستثمارات سواء العمومية أم في القطاع الخاص وكذلك الاستثمارات الأجنبية التي تكاد تكون غائبة تمامًا طيلة الفترة التي أعقبت الثورة، إضافة إلى تعطل الإنتاج في المؤسسات الكبرى والحيوية (فوسفات قفصة)، وتراجع موارد السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، زاد الوضع الاقتصادي قتامة وعقّد مساعي ضبط سياسات غير تقليدية تقطع مع خيارات الماضي.

الأرقام والمؤشرات التي كشفتها المؤسسات الرسمية في تونس أو الدولية توضح أن الأزمة الاقتصادية في تونس وصلت إلى مرحلة دق نواقيس الخطر، مخافة انهيار دعائم الدولة في مرحلة أولى تليها إعلان الإفلاس على الطريقة اليونانية، فنسبة النمو في 2019 لم تتجاوز 1% فيما توقع صندوق النقد انكماشًا قياسيًا للاقتصاد منذ تاريخ استقلال تونس عن فرنسا عام 1956، بنسبة 4.3% في 2020، كما هبطت إيرادات السياحة - القطاع الذي يُمثل 10% من الناتج المحلي - نحو 50% خلال أول خمسة أشهر من العام الحاليّ، مقارنة بنفس الفترة من 2019 بعد هجر السائحين الغربيين الفنادق والمنتجعات التونسية.

بدورها، لم تسلم التوازنات المالية الكبرى للدولة من الاختلال نتيجة للتطور الكبير للمصاريف والمالية العمومية دون أن يصاحب ذلك نمو بنفس الحجم لمداخيل الدولة وإيراداتها، وهو ما أثر مباشرة على التوازنات الخارجية التي عرفت كذلك عجزًا مطردًا رافقه ارتفاع قياسي في المديونية، بسبب لجوء الحكومات المتعاقبة إلى الاقتراض بصفة دورية لتمويل عجر ميزانياتها وهي بالتالي ديون كريهة لا تسهم في تدوير عجلة الاقتصاد ولا ترفع قدرات الإنتاج ولا تساعد على إقامة مشاريع تنموية ذات عائدات وأرباح.

اقتصاد ريعي

يُصنف الاقتصاد التونسي كغيره في بعض البلدان العربية على أنه اقتصاد ريعي بامتياز نظرًا لاعتماده على قطاعات محددة، منها حجم الودائع المصرفية وسندات الخزينة ‏السيادية وتطور الأسواق المالية، وكذلك على سوق العقارات والنفط والثروات الطبيعية، هو عمليًا ‏اقتصاد معرض للمخاطر والأزمات في كل لحظة ولا يُمكنه بحال من الأحوال تحقيق استدامة النمو والاستقرار أو رفع الناتج ‏المحلي الإجمالي ومكافحة الآفات الاجتماعية كالبطالة.

من هذا الجانب، فإن أنموذج الاقتصاد التونسي يُعد نقيضًا ‏للاقتصاد الإنتاجي الذي يتشكل من نمو قطاعات الزراعة والصناعة بأنواعها والاستثمارات ‏المختلفة، وهو أيضًا اقتصاد تسيطر عليه مجموعات ضغط تُهيمن تقريبًا على أغلب القطاعات الحيوية ولا تفسح المجال أمام المنافسين وتعمل على زيادة وتيرة التوريد على حساب المنتجات المحلية تعتمد الاحتكار والمضاربة التجارية والتحكم في مسالك التوزيع والتهرب الضريبي طريقًا لتكديس الثروات، ووفقًا للكاتب ذياب فهد الطائي فإن هذا النوع من الاقتصاد لا ينجم عن محض وجود الريع بل هو تفضيل سياسي لأطقم حكم تستخدم الريع لحيازة أو ترسيخ موقع امتيازي في تحريك الموارد وتوزيعها وصنع الولاءات، لذلك حتى الدول العربية التي لا تتمتع بريع استخراجي (نفط) مهم تحولت إلى دول ريعية عن طريق تأجير موقعها في الاستقطابات الدولية أو تأجير سياساتها ومواقفها للقادرين على الدفع أو الحماية.

 

من جهته، يؤكد الكاتب الاقتصادي مارتن وولف، أننا "نحتاج إلى اقتصاد رأسمالي ديناميكي يمنح الجميع إيمانًا مبررًا بأنهم سيتحصلون على حصص من المنافع، ولكن ما يبدو أننا نملكه بدلًا من ذلك هو اقتصاد ريعي غير مستقر ومنافسة ضعيفة وإنتاجية قليلة النمو وتفاوت مرتفع، وليس من قبيل الصدفة: ديموقراطية متدهورة، وتسوية ذلك هو تحد لنا جميعًا".

استئثار زمرة قليلة دون سواها بالثروة في تونس لم يعد يخفى على أحد، فتحكم فئة صغيرة جدًا من أصحاب المال والأعمال في مكامن الاقتصاد ومفاصله، بلغت درجة جعلتها قادرة متى شاءت على التأثير المباشر في القرار السياسي الوطني، فأصبحت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة 14 يناير خاضعة لإرادة بعض المصالح المحدودة التي لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، وهو ما دفع بدبلوماسي أوروبي رفيع المستوى إلى كشف المخاطر التي تُهدد تونس من جراء مجموعات المصالح الضيقة التي تغولت في صلب الدولة ومنعت أي تغيير في المنوال الاقتصادي الليبرالي.

وفي حوار أجراه مع صحيفة لوموند الفرنسية، قدم السفير الأوروبي بتونس باتريس بيرغاميني قراءة سلبية لاقتصاد مهد الربيع العربي، وقال إن الثروة تتركز في أيدي عائلات معينة ترفض المنافسة العادلة والشفافة، وتوشك أن تقضي على مكتسبات الثورة، وبالتالي فإن تونس تعيش مرحلة "الرأسمالية الريعية"، حيث سلطة السوق والسلطة السياسية تسمحان لأشخاص وشركات محظيين بسحب جزء كبير من هذا الريع من الآخرين والانتفاع به دون سواهم.

كورونا.. أزمة مضاعفة

جائحة كورونا التي ضربت العالم ساهمت بدورها في تأزيم الوضع الاقتصادي بتونس وزادت من حدته، حيث تراوحت نسبة خسائر القطاعات الاقتصادية وتراجع نشاطها بين 10% و50%، كما تسببت في إحالة 500 ألف عامل إلى البطالة الفنية، فيما طالبت، بحسب رئيس الحكومة التونسي إلياس الفخفاخ، 11 ألف مؤسسة مساعدات من الدولة.

وفي السياق ذاته، أشارت دراسة أنجزتها وزارة الاستثمار التونسية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD)، إلى أن وباء كوفيد-19 سيؤدي في عام 2020 إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة (سلبية) -4.4%، وانخفاض بنسبة -4.9% في إجمالي الاستثمار، و-8% للاستهلاك الأسري والصادرات، مع انخفاض متوقع في الواردات بنحو -9.6%، بالإضافة إلى ذلك فإن الحجر الصحي وانخفاض الإنتاج سيؤديان إلى زيادة في معدل البطالة بنسبة 21.6% مقارنة بـ15% حاليًّا، أي أكثر من 274 ألف عاطل جديد عام 2020.

ومن المتوقع أيضًا، أن يرتفع معدل الفقر المالي إلى 19.2% مقابل 15.2% حاليًّا، مما سيؤدي إلى انخفاض مستوى دخل نحو 475 ألف فرد ووضعهم تحت خط الفقر، فيما كشف وزير الاستثمار والتعاون الدولي سليم العزابي في وقت سابق، أن الانكماش الاقتصادي قد يصل إلى 6 أو 7% خلال قانون المالية التكميلي الذي ستعرضه الحكومة على البرلمان خلال أسابيع.

ويرى الخبراء أن تداعيات جائحة كورونا على أوروبا ستعمق الأزمة الموجودة في تونس منذ سنوات، فدول جنوب أوروبا التي تعتبر الشريك التقليدي والأهم بالنسبة لتونس، ستعاني من انكماش حاد لاقتصادها سيتراوح بين 8 و11% هذه السنة، ما يوحي بدخول اقتصاد تونس في حالة ركود طويل الأمد بفعل تعطل نشاط التصدير.

إصلاحات مرتقبة

من بين الإصلاحات التي أعلنها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في وقت سابق، لمجابهة الأزمة الاقتصادية التي تُعاني منها تونس وزاد من حدتها وباء كورونا:

- إنقاذ المؤسسات العامة وعدم التفويت فيها لحساب القطاع الخاص.

- تفكيك اقتصاد الريع الذي ينتفع به أشخاص دون غيرهم والاكتفاء بدور المراقب.

- إنفاذ القانون على الفاسدين دون الاستثمار مجددًا في القطاعات غير الربحية التي أثقلت كاهل المالية العمومية على حساب قطاعات خدمية مهمة على غرار التعليم والصحة.

- تخفيض الأجور في حال عجزت هذه الإجراءات عن إيقاف النزيف واستمرت المتاعب الاقتصادية والمالية.

- وضع حد للاقتراض الخارجي.

قراءة في الإصلاحات

بات من المعلوم أن الحكومة التونس تواجه أكبر أزمة اقتصادية عرفتها منذ الاستقلال وهي مطالبة بوضع إستراتيجيات استثنائية والتعجيل بإجراء إصلاحات عميقة و"موجعة" قادرة على قيادة البلاد إلى بر الأمان وتجنيبها سيناريو الإفلاس أو الانهيار، فإقرار التحكم في نفقات الدولة والتقليص من الاستيراد لا يُعد حلًا جذريًا وجوهريًا للمعضلة باعتبار أن الأزمة في تونس تنقسم إلى 3 أجزاء: يتمثل الأول في الجانب الهيكلي المتوارث عن النظام السابق والناتج عن إفلاس نمط التنمية وعجزه عن إحداث طفرة اقتصادية تقوم على الإنتاج والمردودية والقدرة التنافسية، والثاني يُعد ظرفيًا مرتبطًا بسنوات ما بعد الثورة وبعملية الانتقال السياسي ومحاولة إرساء الاستقرار الاجتماعي، أما العنصر الأخير فيتمثل في جائحة كورونا وتداعياتها.

وفي السياق ذاته، يمكن القول إن الإصلاحات التي أعلنها رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ في وقت سابق، لا تستجيب إلى متطلبات الوضع الراهن، فالأزمة الاقتصادية بحاجة إلى إجراءات أكثر عمقًا وجرأةً وفاعليةً من أجل محاربة الفساد والاحتكار وضمان المنافسة، واستبدال المنوال التنموي بآخر قائم على دعائم إنتاجية متنوعة، إضافة إلى ذلك فإن الإصلاح الهيكلي في ظل الصراع السياسي يتطلب حكومةً قويةً ودعمًا وتضامنًا في البرلمان خاصة في مجال التشريعات والقوانين، وهو ما طالبت به حركة النهضة التي دعت في وقت سابق إلى توسيع دائرة المشاركة في الائتلاف ضمن حكومة وحدة وطنية تملك أغلبية برلمانية.

إضافة إلى ذلك، فإن تفكيك بنية الاقتصاد الريعي المتسبب الرئيسي في تحول المجتمع إلى النمط الاستهلاكي عبر اعتماده أساسًا على الاستيراد الخارجي ومشاريع الاستثمار قصيرة الأجل، يتطلب في المقابل إعادة بناء اقتصاد حيوي يقوم على الإنتاج وإحياء مؤسسات القطاع العام التي جرى تدميرها قصدًا لإقامة النمط الريعي كدست من خلاله طبقة محدودة ثروات طائلة، لذلك فإن أولى المراحل نحو التغيير تتلخص في الانتقال من سلطة الريع إلى حاكمية الثروة الوطنية والمال العام بقرار سيادي وسياسي حازم يقوم على محاربة الفساد وسن قوانين منظمة تحفظ استدامة الإنتاج وعدالة توزيعه.    

من جهة ثانية، فإن الفخفاخ أشار في نقاط إلى برنامجه للإصلاح وإنقاذ الاقتصاد المترهل دون الاستفاضة في الشرح أو تبيان آليات تنفيذ الإجراءات المزمع اتخاذها، إضافة إلى غياب خطوات يُمكن اعتبارها أساسية في عملية التغيير ومنها:

- توجيه المدخرات وضخها في الاستثمار بالمشروعات التحويلية وبناء قاعدة صناعية بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على قطاع الخدمات.

- الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها النواة التي تدور حولها غالبية الصناعات الكبرى وهي نقطة الانطلاق نحو التصنيع وهي أيضًا مصدر لخلق كوادر إدارية وفنية.

- تهيئة البيئة الاستثمارية داخليًا لجلب الاستثمارات المباشرة والتخفيف من الإجراءات البيروقراطية التي تعرقل أي بوادر أو رغبة في استثمارات جديدة.

- المحاربة الجدية للفساد المستشري في بنيان الدولة ذلك أن الاقتصادات الريعية تعد بيئة مناسبة ومثالية لنشأة الفساد وتشجع الممارسات غير القانونية (ضرب المنافسة) خاصة من جانب النخبة الحاكمة والقريبين من السلطة.

- تنشيط حركة التجارة الخارجية كتفعيل اتفاقيات منطقة التجارة العربية الحرة والإفريقية وكذلك الأوروبية والاستفادة من الاتفاقيات الثنائية والمتعددة.

- تأهيل المؤسسات الاقتصادية وفقًا لاحتياجات الأسواق الخارجية والتحولات العميقة التي يعيشها العالم.

- ترسيخ الديمقراطية والمشاركة الشعبية إضافة إلى ثقافة المساءلة والرقابة.

بالمجمل، فإن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس وعمقتها جائحة كورونا وتداعياتها، لا يُمكن بحال من الأحوال تجاوزها إلا بعد إرساء هدنة سياسية قوامها التعايش السلمي بين الأحزاب والقطع مع الصراعات الإيديولوجية باعتبارها عائقًا يحول دون تحقيق ثورة اقتصادية تتناسق مع ما حققته تونس الدولة الديمقراطية الناشئة من نقلة نوعية على مستوى الحريات الأساسية، لذلك بات من الضروري القطع مع توظيف مؤسسات الدولة وأجهزتها من أجل تصفية حسابات سياسية وتحقيق أهداف حزبية، فضلًا عن توظيف التوترات الاجتماعية والنقابية لتصبح أداةً للمواجهة بين الفرقاء السياسيين، وتوحيد الجهود لإرساء ثورة اقتصادية تمنح تونس أسبقية أخرى عن نظيراتها في المنطقة.