يعتبر موضوع المشاركة السياسية للمرأة من المواضيع الجدلية التي يتهم فيها الفقه الإسلامي بالانحباس وهضم حقوق المرأة، وهو من المواضيع المستأنفة التي كثرت الكتابة عنه من زاوية النظر الإسلامية، مما يجعل المتتبع يتساءل عن جدوى الحديث في الموضوع في ظل واقع تضعف فيه شروط المشاركة السياسية أصلًا، ويغلب عليه العزوف عن السياسة من الذكور والإناث على حد السواء، ولعل ذلك يرجع لأمور أبرزها: وجود خلاف فقهي لم يحسم في المسألة، ونماذج تاريخية لم ترق إلى مستوى الممارسة الواقعية الممتدة في المجتمع الإسلامي، ثم تجربة عملية لم ترق إلى مستوى تطلعات المطالبين بالمشاركة النسائية في تدبير الشأن العام، وهذه الأسباب جعلت الموضوع متجددًا. 

يثير هذا الموضوع إشكالية الأهلية السياسية في السياسة الشرعية، حيث يفترض فيمن يتولى منصبًا عامًا وفق الفقه الإسلامي أن يتوافر فيه شرط الذكورة، وهو شرط ضمن جملة من شروط أخرى كالحرية والرشد والعقل، غير أن شرط الذكورة هذا يشكل محور الخلاف في مسألة تولي المرأة بين الفقهاء، ومرجعهم في ذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة"، حيث لكل فريق قراءته لهذا الأساس النصي لشرط الذكورة.

فيذهب المانعون إلى أن الخطاب عام، ذلك أن مفردات الحديث جاءت نكرة في سياق النفي (قوم، أمرهم، امرأة) والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، وحينها تكون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الأصوليون، وبهذا فإن حصول الفلاح الذي هو علة المنع لن يتأتى إلا بتجنب تولية المرأة، وما دام طلب الفلاح واجبًا فترك تولية المرأة أيضًا واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويرى القائلون بالجواز ضعف الأساس النصي لشرط الذكورة، حيث بنوا رأيهم على أساس أن الخطاب من العام الذي أريد به الخصوص، مستندين في ذلك إلى سياق الحديث الذي دل عندهم على أنه وصف لحال فارس لما جاء الخبر بتمزق دولتهم، فيكون المراد بالقوم والمرأة في الحديث خصوص فارس وابنة كسرى قصرًا للعام على سبب وروده.

التاريخ الإسلامي مليء بالنماذج والأمثلة على مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام، قل مقدار مساهمتها أو كثر

وعضد المجيزون رأيهم بما حكاه القرآن عن ملكة سبأ، معتبرين إيراد القصة مورد الثناء يدل على أن المرأة مؤهلة لتولي كل المناصب العامة، لكن هل مجرد حكايته يجعل منه حكمًا شرعيًا؟ وهل هو شرع لمن قبلنا كي تطبق عليه قاعدة "شرع من قبلنا شرع لنا"؟ أم أنه لا يعدو أن يكون فراغًا سياسيًا فرضته ظروف خاصة كما حصل في التاريخ الإسلامي عندما تخلى القُصر من الذكور ممن توافرت فيهم شروط ولاية العرش التي تواضع عليها آل القصر، كما حصل مع شجر الدر وغيرها، أو حينما تضعف الشخصية السياسية للحاكم فتحكم المرأة من خلف الستار من خلال الابن أو الزوج أو الأخ كما حصل في دهاليز القصور الأموية والعباسية مع أمثال الخيزران وزبيدة.

وهو ما يطرح سؤال الإشكال الحقيقي في الموضوع وهو هل المعيار فعلًا الجنس أم الكفاءة؟ في ظل تحدث فقهاء المالكية قديمًا عن المرأة البرزة في معرض حديثهم عن الولاية في الزواج، وهي المرأة العاقلة العارفة بالمقاصد، حيث أناط الإمام مالك العقد برضاها وطلبها لذلك.

إن التاريخ الإسلامي مليء بالنماذج والأمثلة على مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام، قل مقدار مساهمتها أو كثر، وقد وثقت نصوص السنة والسيرة النبوية حضور امرأتين في بيعة العقبة الثانية، وحضور نسيبة بنت كعب في بيعة الرضوان، ويسجل صلح الحديبية حصافة في الرأي وحكمة في السياسة لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، لما أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم، عندما أبى الناس أن ينحروا ويحلقوا بأن يبدأ بنفسه فينحر ويحلق، فتبعه الناس فأنقذت بذلك أم سلمة الموقف ونجا المسلمون من الهلاك.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم الشفاء بنت عبد الله في الرأي كما عبر عن ذلك بن عبد البر في "الاستيعاب" وهي أمثلة كثيرة لكنها لا تعدو أن تكون من قبيل التشاور، الأمر الذي لم يسلم من الانتقاض كما انتقضت مجمل العرى المعبرة عن القيم السياسية الإسلامية، وهو ما جعل المرأة مع مرور الزمن بعيدة عن مساحة الأداء السياسي، بمعنى المشاركة في صناعة السياسات العامة، مما جعل تلك الأمثلة رغم مضمونها الغني ودلالتها العميقة، لا ترقى إلى ممارسة واقعية ممتدة في المجتمع، ولعل مرد ذلك إلى الالتزام بأعراف اجتماعية  ومواريث ثقافية.

إن التنازل عن الفقه السياسي الإسلامي الذي عبرت عنه السيرة النبوية والخلافة الراشدة لصالح الأعراف والتقاليد السائدة حينها، أدى إلى تجميد هذا الفقه وتفويت فرصة نموه وتطوره وتجدده لمواكبة التطورات المجتمعية، وهو ما أدى بالتبعية إلى فراغ ملأته اتجاهات لم تجد في فقه الضرورات ما يصلح الاستناد عليه لتمكين المرأة سياسيًا، وهو ما جعل تلك التوجهات تبحث عن حل لقضية المرأة خارج السياق الإسلامي، أي بعيدًا عن القيم السياسية الإسلامية، من خلال العمل على ضمان مشاركة سياسة نوعية للمرأة، مؤثرة بشكل واضح على مؤسسات صنع القرار، كضمان لاستكمال بناء منظومة حقوق المرأة، وكشرط لتحقيق تحول ديمقراطي، لكن نتائج هذا المسار هو الآخر لا تزال دون مستوى تطلعات المطالبين به، حيث تظل نسبة المشاركة ومستوى أدائها وكيفيته ضعيفة، مما يجعل موضوع المشاركة السياسية للمرأة موضوعًا محتفظًا براهنيته.