"الكُرد قومية ذات وحدة جغرافية سياسية متكاملة في حل قضيتهم القومية"، بهذه الرؤية خرج الاتفاق الكردي_الكردي، بمباركة من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن المجلس الوطني الكردي وأحزاب "الوحدة الوطنية الكردية"، التوصل إلى رؤية سياسية واحدة خلال المفاوضات التي تجري بين الطرفين منذ شهور.

الرؤية الجديدة تضمنت نقاط عدّة، وهي أن "سوريا دولة ذات سيادة، يكون نظام حكمها اتحادي فيديرالي يضمن حقوق جميع المكونات"، وتعتبر الورقة الصادرة عن الاتفاق أن "الكُرد قومية ذات وحدة جغرافية سياسية متكاملة في حل قضيتهم القومية". وتطالب بـ "الإقرار الدستوري بالحقوق القومية المشروعة، وفق العهود والمواثيق الدولية"، وكما تدعو لـ "تشكيل مرجعية كردية تمثل جميع الأحزاب والتيارات السياسية وممثلي المجتمع الكردي بسوريا".

يُذكر أن المبعوث الأميركي إلى سوريا، ويليام روباك، عقد مباحثات مباشرة، خلال الأسابيع الماضية في قاعدة أميركية بمحافظة الحسكة ضمت قادة "حزب الاتحاد الديمقراطي"، ورئاسة "المجلس الوطني الكردي" المعارض من جهة ثانية، بمشاركة مظلوم عبدي قائد ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). 

لاحقًا، وضعت فرنسا يدها بالمحادثات، إذ أن وفدًا من دبلوماسييها عقد اجتماعات مكثفة مع الأطراف الكردية، وتوصلوا إلى تفاهمات سياسية مشتركة، على أن تبدأ جولة ثانية من الاجتماعات نهاية هذا الشهر، ومناقشة باقي القضايا الخلافية، على أن تفضي إلى تشكيل وفد كردي موحد للمشاركة في المحافل الدولية الخاصة بالأزمة السورية، واتخاذ موقف واحد من النظام والمعارضة، وفقًا لموقع "حرية برس".

قال مظلوم عبدي بدوره: "نحن فخورون بالعمل المشترك بين المجلس الوطني الكوردي في سوريا وحزب الاتحاد الديمقراطي"، مشيرًا إلى أن "التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الطرفين هو موضع سرور لدينا"، مردفًا بالقول: "أمل أن تتوج هذه الجهود باتفاق جديد من أجل ضمان وتثبيت مصالح وحقوق الشعب الكوردي في سوريا".

الفائدة الكردية

يعتبر الاتفاق الكري الجديد بأن اتفاقية دهوك حول الحكم والشراكة في الإدارة والحماية والدفاع أساساً لمواصلة الحوار والمفاوضات الجارية بين الوفدين بهدف الوصول إلى التوقيع على اتفاقية شاملة في المستقبل القريب، واتفاقية دهوك كانت قد حصلت عام 2014 في إقليم كردستان العراق، بين الأطراف الكُردية برعاية رئيس إقليم كُردستان الأسبق، مسعود بارزاني.

تتضمن اتفاقية دهوك بنودًا عدّة لعلّ أهمها "تشكيل مرجعية سياسية كُردية، تكون نسبة تمثيل حركة المجتمع الديمقراطي فيها 40%، ونسبة تمثيل المجلس الوطني الكُردي 40%، وتبقى نسبة 20% للأحزاب والقوى غير المنخرطة في الجسمين السياسيين". وتكون مهمة هذه المرجعية رسم الاستراتيجيات العامة وتجسيد الموقف الموحد لكرد سوريا.

أدت الخلافات والتبعيات ووجهات النظر المختلفة بين الكيانات الكردية إلى عدم تنفيذ اتفاق دهوك، حتى أنه في العام 2017، أغلقت الإدارة الذاتية مكاتب الأحزاب الكردية المعارضة لها، كأحزاب المجلس الوطني، قبل أن يعاد افتتاحها مع انطلاق المحادثات الحالية، وكان المجلس الوطني الكردي عارض إقامة الإدارة الذاتية وإعلان النظام الفدرالي في شمال شرق سوريا في 2016. 

أهمية الاتفاق الحالية تكمن بأنه "منطلق مهم وعامل دعم كبير من أجل تحقيق وحدة الصف الكردي"، بحسب القيادي الكردي الدار خليل، ويرى القيادي في المجلس الوطني الكردي محمد إسماعيل بأنه في حال التوصل لاتفاق نهائي فإنهم سيشكلون "قوة للشعب الكردي على الصعيد الداخلي والدولي والدبلوماسي".

الباحث في معهد دراسات الحرب نيكولاس هيراس يرى أنّه "بالنسبة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي، فإن إنجاز اتفاق وحدة مع المجلس الوطني هو بمثابة تذكرة سفر إلى محادثات جنيف" التي تعتزم الأمم المتحدة عقد جولة جديدة منها نهاية آب/أغسطس هذا العام.

إعلان حرب

لا يختلف موقف المعارضة السورية عن ما سبقه من مواقف ضد الوحدات الكردية التي تقاتل الفصائل وتناصبها العداء، كما أنها تحتل أراضٍ كثيرة وعملت على تهجير سكان بعض القرى العربية وتمضي في سياسة تجنيد الشباب قسريًا ضمن قواتها، وبعد الاتفاق الكردي طالب القيادي في الجيش الوطني السوري، مصطفى سيجري كلاً من الائتلاف الوطني السوري، بالتحرك ضد "المجلس الوطني الكردي" وتفاهماته مع التنظيمات الكردية، وقال سيجري إن المجلس الوطني الكردي "أكد في تفاهماته مع التنظيمات الإرهابية على عدم اعترافه بالجيش الوطني السوري والكتلة العسكرية داخل الائتلاف، ووصف الوجود العسكري للجيش الوطني في المناطق المحررة حديثًا بالاحتلال، وتعهد بالعمل على إخراج الجيش الوطني ولصالح التنظيمات الإرهابية".

يضيف سيجري بأن التفاهمات بين المجلس الوطني الكردي والتنظيمات الكردية الأخرى نصت على المشاركة في إدارة "المنطقة المغتصبة، وتقاسم الموارد والثروات المحلية بدءًا من النفط وليس انتهاءًا بالقمح والمياه والثروة الحيوانية والزراعية والأملاك الخاصة والعامة". وأشار سيجري إلى أن الاتفاق الحديث يعتبر "إعلان حرب ضد مكونات الشعب السوري، واغتصاب علني للأراضي والمدن والمحافظات والبلدات السورية وفرض أمر واقع بقوة السلاح، وسرقة لثروات الشعب السوري، مطالباً الكورد الشرفاء بألا يكونوا شركاء في هذه الجريمة".

يكمل سيجري تحذيره الشديد من هذا الاتفاق قائلًا: "البعض منا لا يدرك خطورة تفاهمات الحسكة على سوريا ومستقبلها ووحدة أراضيها وعلى حقوق أهلنا في الجزيرة السورية وعلى وحدة الشعب السوري وحقه في ثرواته النفطية والمائية والزراعية والحيوانية، والبعض الآخر يدرك تماما حجم المؤامرة إلا أنه فضل الصمت حفاظاً على مصالحه الشخصية".

يقول العقيد "حسن حمادة" معاون وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة "إن كل مَن يتعاون أو يتحالف مع PYD - PKK الإرهابيين يكون قد وضع نفسه ضِمن صفوف أعدائنا، فإننا ندعو الائتلاف الوطني السوري إلى اتخاذ الإجراء اللازم بحق ما يسمى بالمجلس الوطني الكردي".

في الطرف المقابل، يبدو أن النظام السوري وفي غمرة العقوبات التي تتوالى عليه، قرر التراخي في تصريحاته ضد الجهة الكردية، حيث قال مدير تحرير صحيفة الثورة التابعة للنظام، أحمد حمادة إن "سوريا مع أي حوار يحافظ على وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، مضيفًا "سوريا ليست ضد أي حوار يحافظ على وحدة الأرض السورية، والحكومة السورية ضد الحركات الانفصالية، وفصل أي جزء عن سوريا وسوريا ترحب بأي خطوة في هذا الاتجاه".

تركيا والاتفاق

العدو الأكبر للتنظيمات الكردية لن يكون راضيًا عن هذا الاتفاق، ففي فترة المشاورات الكردية قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن تركيا لن تسمح بشرعنة وجود الوحدات وإدخالهما ضمن المسار السياسي السوري تحت اسم السوريين الكرد. موضحًا أن "روسيا والولايات المتحدة تحاولان دمج تنظيمي YPG وPKK في المسار السياسي السوري تحت مسمى قوات سوريا الديمقراطية قسد أو السوريين الكرد".

نشرت صحيفة "حرييت" مقالًا قالت فيه: "الولايات المتحدة أقرت بشكل واضح بدعمها لقسد التي منيت بهزائم في عمليتي غصن الزيتون ونبع السلام التركيتين، ولا تعطي الحق للقبائل العربية بالعيش في الشمال السوري". ويضيف المقال أن "المنظمة الكردية الإرهابية قسد، مارست التطهير العرقي في الشمال السوري ضد القبائل العربية، التي أرغمتها بالضغط والتهديد على مغادرة منازلها، وأجبرت أبناءها على الانضمام إليها بالإكراه، ومن يرفض ذلك يتم قتله".

في السياق، يقول الخبير الأمني التركي إسماعيل حقي بكين، إن "قيادة القوات المركزية الأمريكية، تحاول إنشاء هيكل كردي جديد، وتريد إبقاء القبائل العربية في الخلفية"، مضيفًا أنه إذا استمر هذا الواقع على هذا المنوال، فإن "صراعًا كردياً- عربياً، قد ينشأ في المنطقة، خاصة أن القبائل العربية غير مرتاحة للخطوات الأمريكية، وتريد البقاء ضمن هيكلها الخاص".

إلى ذلك، يبدو أن الأكراد المدعومين من أمريكا وفرنسا سيعملون على إنجاح هذه الفرصة خاصة بعد انحسارهم عن الحدود التركية، فيما ستعمل واشنطن على تثبيت هذا الاتفاق لجعل مساحتها في شرقي سوريا محفوظة من أي عوامل عدم استقرار، في الوقت الذي تعمل فيه تركيا على كبح جماح المليشيات الكردية، في ظل غياب النظام الذي أرهقته العقوبات ولم يعد قادرًا على الحركة كما السابق، والمعارضة التي لا تتحرك إلا بأمر.