طفا إلى سطح الأحداث في الجزائر، مجددًا، مشروع قانون يناهض ويضيق على ممارسة اللغة الفرنسية في المؤسسات الرسمية، وتزامن بروز هذا المقترح الذي أطلقه أحد أكبر الأحزاب في البلاد (حركة مجتمع السلم)، مع تقديم نواب فرنسيين مطالب لحكومة بلادهم بوقف تدريس اللغة العربية ولغات أخرى لأبناء المهاجرين الموجودين على الأراضي الفرنسية، بمبرر أن اللغة الفرنسية هي الأولى بالدعم والتطوير.

ودعت حركة مجتمع السلم التي تعرف اختصارًا بـ"حمس" لـ"تجريم استعمال اللغة الفرنسية كلغة تداول في المؤسسات الرسمية وكلغة تعامل في الوثائق الرسمية في الدستور"، وشددت الحركة، في بيان لها، على اعتبار "الشريعة الإسلامية والمقاصد الشرعية مصدر من مصادر التشريع، وتعميم استعمال اللغة العربية كلغة وطنية ورسمية وتجريم استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية واعتبار العربية والأمازيغية لغتين تنتميين عبر قرون من الزمن إلى بعد حضاري واحد في ديباجة الدستور".

ولتطوير النقاش بشأن هذا المقترح الذي برز تزامنًا مع الشروع في مناقشة مشروع الدستور الجديد، قررت الحركة إشراك هياكلها ومؤسساتها في مناقشته من خلال تنظيم ندوات موضوعاتية بإشراك خبراء ومختصين، فضلًا عن تنظيم مشاورات ثنائية مع الشخصيات والأحزاب.

وعن هذا المقترح الذي لا يعد الأول من نوعه، حيث سبق أن أثارت فرنسية المسؤولين السابقين في نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، موجة غضب واسعة، وحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب بين رئيس أكبر الأحزاب الإخوانية في البلاد عبد الرزاق مقري ومناوئين للمقترح.

ورد عبد الرزاق على رافضي المقترح بلغة فولتير بالتأكيد أن حزبه (حركة مجتمع السلم) ليس ضد اللغة الفرنسية كلغة بل ضد التصاق الفرنسية بهوية الدولة الجزائرية، واستند في ذلك إلى بقاء اللغة الفرنسية سائدة في تعاملات المؤسسات الرسمية ونحن نقترب من إحياء الذكري الستين للحظة نيل الاستقلال الوطني الذي يصادف 5 من يوليو/تموز من كل سنة، واستحضر زعيم حركة مجتمع السلم، مقطع فيديو لتدخل قديم له باللغة الفرنسية يرافع فيه من أجل تمكين اللغة العربية مكان الفرنسية في المؤسسات الجزائرية.

خطت الجزائر خلال العقدين الماضيين، خطوات جد ضعيفة للتخلص من هيمنة اللغة الفرنسية

ومنذ بداية الحراك الشعبي في 22 من فبراير/شباط 2019، برز تيار معارض بقوة للتيار الفرانكفوني (الناطق باللغة الفرنسية) في البلاد، ويطلق عليه "الباديسي النوفمبري"، وتنسب التسمية في قسمها الأول أي (نوفمبري) إلى مبادئ ثورة أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 التحريرية، أما الشق الثاني (باديسي) فنسبت إلى منهج العلامة عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (جمعية إسلامية جزائرية أسسها مجموعة من العلماء الجزائريين خلال النصف الأول من القرن العشرين في 1931)، وبرزت هذه التسمية بقوة في خضم الحراك الشعبي بعد أن تبنى قطاع من الحراكيين موقف المؤسسة العسكرية من الأزمة، لأن عقيدتها ترتكز على خلفية ثورية وإسلامية.

اللغة العربية في عهد بوتفليقة

خطت الجزائر خلال العقدين الماضيين، خطوات جد ضعيفة للتخلص من هيمنة اللغة الفرنسية لصالح الإنجليزية رغم توافر الإرادة الشعبية، وبحسب تصريحات أهل الاختصاص، فإن أسوأ فترة حكم عرفتها اللغة العربية هي فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وبحسب مقال نشره الدكتور الجزائري عثمان سعدي، في جريدة الشروق المحلية، يوم 4 من مايو/آيار 2019 الماضي، فإن بوتفليقة انتخب في أبريل/نيسان 1999، وفي مايو/آيار من نفس العام أدلى بخطاب أمام الطلبة الجزائريين شكك فيه في كفاءة اللغة العربية في تعليم العلوم، لترد عليه "الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية" برسالة مفتوحة نشرت في الصحف في 28 من مايو/آيار 1999.

واستدل الدكتور الجزائري عثمان سعدي، أيضًا بالزيارة الأولى التي قام بها الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى فرنسا في يونيو/حزيران 2000، ووفقًا لما أورده عثمان سعدي (من بين الذين هجروا المدرسة الفرنسية بعد مجازر 8 من مايو/آيار 1945، متخرج من معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة عام 1951)، فإن البرلمانيين الفرنسيين، فوجئوا عندما وضعوا السماعات على آذانهم، أنه يخطب بالفرنسية.

وفي عهده دائمًا، فرنس المحيط، حيث صارت لافتات المحلات التجارية مكتوبة باللغة الفرنسية، حتى الشوارع صارت جميع لافتاتها مكتوبة بالفرنسية، وخلال فترة حكمه أيضًا صدر قرار تقديم اللغة الفرنسية من السنة الرابعة إلى السنة الثانية ابتدائي، وهو قرار يتنافى مع القواعد التي تعمل بها العديد من الدول حتى تلك التي تعمل به فرنسا. 

وفي ختام مقاله، طالب الدكتور عثمان سعدي، من "شباب الحراك الجزائري أن يفرضوا سيادة اللغة العربية في سائر الميادين وتطبيق قانون تعميم استعمال اللغة العربية في إطار احترام إرادة الشعب الجزائري".

تجاوب رسمي

نالت اللغة الفرنسية نصيبها من التعليم والممارسة لدى الجزائريين، بشكل كبير، بعد أن قرر الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، في الـ5 من مايو/آيار 2014، تعيين وزيرة معروفة بدفاعها المستميت عن اللغة الفرنسية بالجزائر نورية بن غبريت، على رأس قطاع التعليم، وفرضت إجراءات عميقة على القطاع بالتنسيق مع إطارات تابعة لوزارة التربية الفرنسية، ومن بين ما أقرته مسألة التدريس بالعامية ورفضت مقترح التدريس باللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية، وهو المقترح الذي برز بقوة بعد الحراك الجزائري، وتبنته وزارة التربية في الجزائر، حيث كشف وزير التربية السابق عبد الحكيم بلعابد، توجه الوزارة نحو تدريس الإنجليزية بالطور الابتدائي.

كذلك أطلقت وزارة التعليم العالي، الصائفة الماضية، عبر موقعها الإلكتروني ومواقع مؤسسات التعليم العالي وصفحاتها على شبكات مواقع التواصل الاجتماعي، استطلاعًا بشأن إمكانية تعزيز اللغة الإنجليزية في الجامعة، وحظي المقترح بدعم الأغلبية الساحقة من المصوتين، حيث صوت ما يزيد على 87 ألف مشارك لصالح تعزيزها.

يجب فتح نقاش وطني للخروج بسياسة لغوية تكون مفيدة للتماسك والاستقرار الوطني وأن لا تكون اللغة محل مزايدات سياسية

وتزامنًا مع هذه الخطوات، بادرت مؤسسات رسمية في الدولة الجزائرية على غرار وزارة الدفاع الجزائرية إلى استبدال لافتاتها باللغة الإنجليزية، بينما أوقف مجمع "سونطراك" النفطي التعامل بالفرنسية، في وقت شرعت مؤسسة بريد الجزائر، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، في تعريب المراسلات الرسمية الصادرة عن مختلف مصالح المديرية العامة والوحدات البريدية الولائية والبيانات الصحفية وغيرها.

وعن عودة مقترح تجريم استعمال اللغة الفرنسية كلغة تداول في المؤسسات الرسمية، يرى الإعلامي والمحلل السياسي، أحسن خلاص، أنه يجب فتح نقاش وطني للخروج بسياسة لغوية تكون مفيدة للتماسك والاستقرار الوطني وأن لا تكون اللغة "محل مزايدات سياسية".

يقول المحلل السياسي لـ"نون بوست": "المتعاملون باللغة الفرنسية يعترفون بتراجعها كثيرًا في مختلف المجالات مقارنة بالسنوات الأخيرة بدليل التوجه القائم نحو تعريب الإدارة المحلية، في وقت ما زالت أجهزة الإدارة المركزية والحكومية وحتى القطاع الاقتصادي الجزائري لا يزال يعيش تحت هيمنة اللغة الفرنسية التي أصبحت تعتبر من اللغات الجزائرية بسبب اندماجها في اللهجة العامية".

انحسار لغة فولتير

وعبرت في وقت سابق هيئات رسمية فرنسية عن مخاوفها من انحسار اللغة الفرنسية في الجزائر وبلدان المغرب العربي، وخلال جلسة نقاش على مستوى لجنة الشؤون الخارجية بالجمعية الوطنية الفرنسية (تكون مع مجلس الشيوخ البرلمان الفرنسي)، أظهر أحد أعضاء اللجنة مخاوفه من "بروز جيل جديد من الجزائريين الذين لم يعايشوا الاحتلال الفرنسي للجزائر خلال المرحلة الممتدة بين 5 من يوليو 1830 و5 من يوليو/تموز 1962، وحذر أحد أعضاء اللجنة حكومة بلاده من انحسار الإرث الثقافي الذي تركته فرنسا وراءها في الجزائر وفي بلدان المغرب العربي، وقال: "من الخطر الاعتقاد بأن الإرث التاريخي الغني الذي تركته فرنسا في الجزائر سيكون قادرًا على حماية علاقتنا ومصالحنا". 

ومباشرة بعد اندلاع الحراك الشعبي الجزائري في فبراير/شباط 2019، أصدر "مرصد اللغة الفرنسية" التابع لـ"المنظمة الدولية للفرنكفونية"، تقريرًا مفصلًا أكد فيه أن 33% من الجزائريين أي ما يعادل 12 مليون جزائري فقط يستعملون الفرنسية في حياتهم اليومية، وجاءت الجزائر في المرتبة الثالثة عربيًا.

مقترح تشريعي رسمي  

ومن جهته يقول سمير لقصوري، عضو المنظمة الجزائرية لأولياء التلاميذ، في تصريح لـ"نون بوست": "هذا مطلبنا منذ البداية، لأن اللغة الفرنسية في المرتبة التاسعة عالميًا وانحسر التعامل بها كثيرًا في السنوات الأخيرة حتى إن خريجي الجامعات الفرنسية يحضرون شهادات التخرج باللغة الإنجليزية".

ويضيف لقصوري: "الوزارات المتعاقبة في حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لم تبد أي اهتمام لتنفيذ المقترح، ونحن اليوم نعلق آمالًا كبيرة على السلطة الجديدة في البلاد".

ويشير عضو المنظمة الجزائرية لأولياء التلاميذ: "تلقينا ترحيبًا بهذا المقترح من طرف السلطات الوصية، ونأمل كثيرًا أن يكون الانتقال تدريجيًا لأن هناك عدة أسباب قد تعيق ذلك، أبرزها قلة الموارد البشرية"، ويستدل المتحدث في هذا السياق بـ"ضآلة أساتذة اللغة الإنجليزية مقارنة بالفرنسية".

نقطة التحول الإستراتيجي لمعنى الحرية والاستقلال والسيادة هي التحرر من استعمال لغة المستعمر

إلى ذلك يتجه نواب من مختلف المجموعات البرلمانية، نحو وضع مبادرة جديدة على طاولة المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، تعد الثانية من نوعها بعد مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي، تتعلق بمشروع قانون يناهض ممارسة اللغة الفرنسية، تزامنًا مع تمرير مشروع القانون المتضمن اعتماد تاريخ 8 من مايو/آيار يومًا وطنيًا للذاكرة، وهو ما سيضع حكومة عبد العزيز جراد أمام امتحان جديد.

يقول النائب عن الاتحاد الإسلامي من أجل النهضة والعدالة والبناء، مسعود لعمراوي، في تصريح لـ"نون بوست": "الهدف من هذه المبادرة هو حماية الذاكرة الجزائرية والقضاء نهائيًا على استعمال اللغة الإدارية الفرنسية في التعاملات".

ويقترح النواب إضافة إلى ذلك فرض عقوبات صارمة كـ"تغريم" كل من يتكلم اللغة الفرنسية في القنوات الرسمية، ويشير إلى أن اللغة الفرنسية ليست اللغة الرسمية للدولة الجزائرية غير أنها أصبحت اللغة الأولى في البلاد رغم مرور 48 سنة على الاستقلال، فكل القوانين تدون باللغة الفرنسية وتترجم بالعربية.

أما النائب البرلماني السابق محمد حديبي، فيقول لـ"نون بوست" إن نقطة التحول الإستراتيجي لمعنى الحرية والاستقلال والسيادة هي التحرر من استعمال لغة المستعمر، ويشير المتحدث إلى بعد آخر يعد أكثر خطورة على النمو والتطور والركب الحضاري، فاللغة هي وعاء حامل للحضارة والمعرفة والعلم، وكل الدراسات أجمعت على أن التصنيف اللغوي العالمي للفرنسية في المرتبة الـ14 عالميًا في الاستعمال وهي في انحصار كبير حتى الإدارة الفرنسية لا توظف في إداراتها من لا يتقن الإنجليزية وكل أبحاثها تعد في مخابرها باللغة الإنجليزية.