يبدو أنّ نجاح تونس في التصدي لوباء كورونا، الإنجاز الوحيد الذي يفخر به إلياس الفخفاخ، لم يشفع له داخل قبة البرلمان أثناء جلسة للتحاور بمجلس الشعب حول حصيلة الـ100 يوم من عمل حكومته التي استلمت المهمة بتاريخ 27 فبراير/ شباط بعد تعطل في تشكيلها دام شهرين، وتأتي المساءلة في ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي حرج بسبب الجائحة وضعف التنسيق بين الائتلاف الحاكم الذي يشهد صراعًا بين مكوّناته.

رئيس الحكومة التونسية، تعرّض لانتقادات شديدة ولاذعة من قبل نواب البرلمان وصلت إلى حد دعوته من قبل المعارضة إلى الاستقالة، حيث أعلن النائب عن حزب قلب تونس عياض اللومي، عن تقديم لائحة لسحب الثقة منه ومقاضاته بحجة استغلال منصبه للتربح وذلك بالتنسيق مع ائتلاف الكرامة، كما دعته نعيمة المنصوري، عن الكتلة البرلمانية نفسها، إلى التنحي "حفظاً لماء الوجه".

 

وأوضح اللومي أنّ موقف حزبه من رئيس الحكومة يرتكز على شبهات "تضارب المصالح وفساد"، التي باتت تلاحق الفخفاخ، فيما انتقدت رئيسة "الحزب الدستوري الحر" (معارض)، عبير موسي، عدم توفر أي وثيقة حكومية تقيم الوضع الاقتصادي، وتقدم معطيات حول حصيلة مائة يوم، موجهة كلامها لرئيس الحكومة قائلة: "فسادكم لا يعنينا، لأننا متأكدون منه، في حكومتكم فساد أكبر من هذا، وبها أعضاء لا يستحقون الانتماء لها".

وتحوّلت الجلسة البرلمانية من اجتماع لتقييم أداء الحكومة خلال مائة يوم من وجودها، إلى جدل حاد حول الشركة التي يمتلك الفخفاخ أسهماً فيها، والتي حصلت في نيسان/أبريل الماضي أي بعد شهرين من توليه رئاسة الحكومة على صفقتين مع الدولة بقيمة 44 مليون دينار تونسي (نحو 15.4 مليون دولار)، وانتقل بدوره السجال إلى مواقع التواصل الاجتماعي أينما أدلى البعض بدلوه في القضية الحدث.

سحب الثقة

بحسب مصادر إعلامية محلية، فإنّ 73 نائبًا وقعوا على عريضة لسحب الثقة من رئيس الحكومة وبالتالي من الحكومة برمتها، فيما كما سبق أكد النائب حسونة الناصفي ، وجود عريضة أمضى عليها 73 نائبًا لسحب الثقة من الحكومة، مضيفًا أن استقالة رئيس الحكومة تعني استقالة الحكومة المكوّنة من ائتلاف يجمع حركة النهضة والتيار الديمقراطي (اجتماعي ديمقراطي/ 22 نائبًا)، وحركة الشعب (ناصرية/ 15 نائبًا)، وحزب "تحيا تونس" (ليبرالي/ 14 نائبًا) و"كتلة الإصلاح" (مستقلون وأحزاب صغيرة/ 16 نائبًا).

من جهة أخرى، ثمّن عدد من نواب البرلمان تكليف لجنة برلمانيّة وهيئة رقابيّة للتحقيق في المسألة المتصلة برئيس الحكومة والمتعلقة بشبهة تضارب المصالح، مؤكّدين أنّه "لا خوف على تونس في ظلّ تحرّك الجميع ضد الفساد خلافًا لما كان سائدًا في السابق"، مشيرين إلى أنّهم لن يتراجعوا في سحب الثقة من رئيس الحكومة في صورة ثبوت التهمة الموجّهة إليه، منوّهين إلى تعهّده بتقديم استقالته إذا ما ثبت مخالفته للقانون.

وكان رئيس كتلة "قلب تونس" بالبرلمان أسامة الخليفي أكّد مساعي المعارضة للإطاحة برئيس الحكومة التونسي قائلًا:" سنمضي على اللائحة، أؤكد أنها موجودة بين النواب من كتل مختلفة (لم يسمها)، ونحن في الكتلة من المبادرين باللائحة"، مشيرًا إلى أنّ "ما قدمه الفخفاخ اليوم في كلمته بعد مرور 100 يوم يزيد من تأزم الوضع"، فيما دعا رئيس حزب "قلب تونس"، نبيل القروي رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى فك الارتباط بالفخفاخ و"مراجعة موقفه من رئيس الحكومة خاصة بعد الكشف عن ملف تضارب المصالح"، مضيفًا أنّ "هذه الحكومة  لم يعد لها مصداقية فهي تحوم حولها شبهات فساد" .

سحب الثقة يتطلب 73 إمضاء من نواب البرلمان واقتراح اسم رئيس حكومة بديل، غير أنّ المشهد البرلماني الحالي والمعارضة الحالية غير المتجانسة بدورها لا يُمكنها التوافق على اسم يخلف الفخفاخ على رأس الحكومة التونسية، كما أنّ دعوات المعارضة لهذه الخطوة التي تعتبرها نكوصًا عن خيارات الشعب الذي أوصل أحزاب الائتلاف الحاكم لقيادة البلاد، قد تقف حجرة عثر أمام الداعين لإقصاء الفخفاخ، وخاصة وأنهم يرون أنّ حجة الفساد لإسقاط الحكومة طريقًا لصعود اسم موالٍ للثورة المضادة ورمزًا من رموز الفساد.

في مقابل ذلك، وردًا على تقارير إعلامية وتصريحات لبعض السياسيين الذين اتهموا حركة النهضة بالوقوف وراء تسريبات شبهة تورط رئيس الحكومة في تضارب المصالح وذلك تمهيدًا لإقصائه من المشهد السياسي، ووقوفها وراء دعوات جمع توقيعات سحب الثقة، نفى النائب عن الحركة محمد القوماني أن تكون النهضة وراء الدعوات لإسقاط الحكومة أو المشاركة في اللائحة لسحب الثقة، مشيرًا إلى أنّها "ما زالت مشاركة في الحكومة وتدعمها ولها رؤية نقدية لما يحصل في أداء الحكومة، ولكنها لن تنخرط في سحب الثقة حتى الآن".

حركة النهضة التي يتهمها خصومها بأنها تضع ساق في الحكم وأخرى في المعارضة بسبب دعوتها لتوسيع الائتلاف الحكومي ليشمل حزب "قلب تونس"، بدا خطابها أكثر توازنًا من باقي الأحزاب، حيث دعا رئيس البرلمان راشد الغنوشي في افتتاح جلسة المساءلة إلى التهدئة وتجاوز التجاذبات السياسية، لمجابهة المصاعب والتحديات التي تواجه البلاد في علاقة بتداعيات مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19)، مضيفًا أنّ "الاختلاف مطلوب، نحتاجه كعنصر قوة، لكن لا يجب أن يتحول إلى مناسبة للصراع وتشتيت المجهود الوطني"، متابعًا القول: "اقتسام الأعباء من صميم المسؤولية الوطنية، وليس لنا خيار إلا العمل المشترك، والحوار الناجح للعبور بتونس إلى شاطئ النجاة من هذا المحيط المُضطرب".

حصيلة الـ100 يوم

من على منبر مجلس الشعب (البرلمان)، استهل رئيس الحكومة التونسي إلياس الفخفاخ حصيلة حكومته بعد مئة يوم عمل، بالحديث عن "إنقاذ الدولة التونسية"، مستعرضًا الواقع الاقتصادي الذي بدا من خلال الأرقام والمعطيات التي ألقاها تباعًا قاتمة إلى أبعد الحدود، حيث أعلن أنّ توقعات انكماش النمو الاقتصادي ستكون في مستوى 6%، بينما يقدرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بـ 6,8%، موضحًا أنّها أرقام لم تشهدها تونس من قبل.  

 كما أكد الفخفاخ أن أزمة جائحة كوفيد-19 كانت لها تداعيات مباشرة على القطاعات الحيوية للاقتصاد على غرار السياحة، لافتاً إلى أن 130 ألف عاطل من العمل سيضافون الى 630 ألفا مسجلين سابقًا، متابعًا القول:"هذا سيخلف تراجعًا في مداخيل الدولة بـ 5 مليارات دينار"، ما يوازي 1,6 مليار يورو، معتبرًا أنّ هذه الأرقام لمخلفات جائحة كورونا، مؤكدًا أنّ الوضع الاقتصادي في تونس متأزم حتى قبل وفود الوباء إلى البلاد، وأنّ المواطنين التونسيين يدركون ذلك.

ومن بين الأرقام الأخرى التي كشف عنها الفخفاخ في جلسة المساءلة بالبرلمان التونسي، بلوغ المديونية نحو 92 مليار دينار (حوالي 30 مليار يورو)، واصفاً إياها بأنّها "نسب مخيفة"،  كما وصف نسبة التداين الخارجي، بأنها "تجاوزت الخط الأحمر" وبلغت 60% من الناتج الداخلي الخام"، داعيًا إلى ضرورة إيقاف النزيف والحد من هذا المستوى مستقبلًا، مشيرًا إلى أنّ "كل المؤسسات الحكومية مفلسة"، ومن بينها شركة انتاج الفوسفات التي كانت تساهم بمداخيل مهمة للدولة قبل 2011.

قراءة في خطاب الفخفاخ

من خلال تفكيك خطاب رئيس الحكومة التونسية شكلًا ومضمونًا، يُمكن الوقوف عند عدد من النقاط أهمها:

  • الفخفاخ أطنب في الحديث عن مسألة تضارب المصالح ومحاولة تبرئة نفسه من الشبهات على حساب تقييم عمل حكومته في الـ  100 يوم.
  • استعمل ألفاظًا من قبيل "يبطى شوية" ما دفع ببعض النواب إلى مغادرة الجلسة إلى حين انتهاء كلمته وهو خطأ اتصالي كان الأحرى به تجنبه في هذا الظرف.
  • استعرض تقييمًا للوضع المالي والاقتصادي للبلاد يُمكن وصفه بالقاتم، إضافة إلى إطلاقه تحذيرًا من تدهور مستوى النمو واختلال الميزان التجاري دون طرح برنامج حكومي واضح في المرحلة القادمة يُجنب البلاد أزمة اقتصادية خانقة.
  • ما أعلنه الفخفاخ كان جملة من الإجراءات ولم تكن حلولًا عميقة تنم عن رؤية استراتيجية واضحة المعالم، كما أنّه لم يستعرض آليات تنفيذها.
  • أغفل الفخفاخ الحديث عن طرق تمويل المشاريع وموارد تنفيذ برامجه خاصة وأنّ حكومته أعلنت في وقت سابق تخليها عن الاقتراض والتداين الخارجي.
  • الفخفاخ لم يتحدث عن المشاريع المتوقفة ولا عن التنمية في الجهات.
  • خطاب الفخفاخ لم يكن مطمئنًا خاصة على المستوى الاجتماعي، لم يطرح حلولًا للاحتجاجات الأخيرة في محافظة تطاوين (الكامور) واقتصر حديثه عن إدارة الأزمة أمنيًا لاسترجاع هيبة الدولة ومؤسساتها.
  • تجنب الحديث عن استرجاع الديون من رجال الأعمال الذين تحوم حولهم شبهات الفساد واستثمروا من أموال الشعب.
  • طرح بعض من "رؤية" حكومته لإنقاذ البلاد والحال أنّ إنقاذ الائتلاف الحكومي يُعد القاعدة الرئيسية لنجاح أي خطط الإصلاح والضامن لتنفيذ المشاريع الكبرى، باعتبار أنّ الاستقرار السياسي من أهم عوامل التنمية واستدامتها.
  • لم يستغل الظرف (تداعيات الجائحة الاقتصادية) لطلب هدنة سياسية قوامها التضامن الحكومي والبرلماني.

 

الائتلاف وأزمة حكم

بات من الواضح أنّ الأزمة السياسية في تونس والتي تجلت خاصة في ضعف أداء الحكومة بقيادة الفخفاخ، مردها طبيعة الإطار السياسي الذي ولد فيه الائتلاف الحاكم، الذي عقّد من مهمتها الحكومة وعسّر بروز ائتلاف متضامن فيما بينه تحكمه وثيقة تعاقدية تُلزم جميع الأطراف وتكون قاعدة عمل تُرسي برنامج إصلاح شامل على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقادرة على معالجة الأزمات المرحلة من الحكومات التي أعقبت ثورة 14 يناير وخلّفت تركة ثقيلة.

 

ومن هذه الزاوية، يُمكن اعتبار أنّ الائتلاف الحاكم في تونس هو حكومة الدقائق الأخيرة بمعنى أنّها نتاج ظرف السجال السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية والرئاسية، خاصة وأنّه تم القبول بتركيبتها تجنباً لحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها بعد رفض اعتماد حكومة النهضة بقيادة الحبيب الجملي، وبالتالي فهي حكومة "الضرورة" لما أفرزه البرلمان التونسي من قوى غير متجانسة ومتنافرة إيديولوجيًا وسياسيًا.

تركيبة البرلمان والتوافقات التي رسم ملامحها تدخل الرئيس قيس سعيد باختياره الفخفاخ، أنتجت حكومة عاجزة على بناء توافقات تُمكن الائتلاف الحاكم من إدارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية بسلاسة، فظهر الانقسام وسوء التنسيق بين مكونات الائتلاف منذ الأيام الأولى لعمل الحكومة، وبات الحديث عن حكومة وطنية ضربًا من ضروب التعمية وسط غياب فاضح لمشروع موحّد للحكم.

غياب الرؤى الموحدة لطريقة الحكم والاتفاق على سياسة واضحة ترسم معالم البلاد المستقبلية كشفت عنه اللوائح المقدمة في البرلمان والتي أظهرت تنافرًا بين الأحزاب المكوّنة للائتلاف الحكومي، ما يعني أنّ الفخفاخ قد يعجز لاحقًا في تنفيذ خططه خاصة أنّ الهوة اتسعت بين قصر باردو (البرلمان) وقرطاج (قيس سعيد)، والأخير يرنو إلى تغيير نظام الحكم في تونس، واقتصر عمل الحكومة في الفترة الماضية على تنظيف ما خلّفه الشركاء من تصريحات متضاربة هزت من صورة الحكومة ورئيسها.

إلى ذلك، يُمكن القول إنّ المشهد السياسي في تونس مرجح أن ينفتح على أكثر من سيناريو، فمع انتهاء جائحة الكورونا من المنتظر أن تشهد تونس حراكًا اجتماعيًا واسعًا على غرار احتجاجات "الكامور" بمحافظة تطاوين ما يعقد مهمة الفخفاخ التي يبدو أنها ستبقى رهينة ما ستكشف عنه التحقيقات حول شبهة تضارب المصالح، ومدى استعداد الرئيس قيس السعيد مواصلة دعمه.

بالمحصلة، فإنّ رئيس الحكومة التونسي إلياس الفخفاخ أمام امتحان عسير، حيث يرتبط مصير حكومته بـ 3 خطوات رئيسية تتمثل في قدرته على إعادة ثقة المواطنين من خلال إثبات نظافة يديه وبراءته من شبهات تضارب المصالح، خاصة أنّه كان من أول الداعين لمحاربة الفساد واجتثاث عروقه من الإدارة التونسية، تنفيذ وعود حكومته (حكومة سعيد الثورية) ذات السقف العالي والتي راهن عليها المواطنون، والأهم من ذلك كله، إقناع شركائه في الحكم بتوسيع الحزام السياسي للائتلاف الحكومي بعد القبول بمقترح حركة النهضة باعتبارها الحزب الوحيد القادر على منحه بعض الثقل في البرلمان وكذلك على مستوى الشارع.