دعا الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، إلى تغليب المصلحة العامة وتوحيد الجبهات بين اليمنيين وحلفائهم ضد التوغل الحوثي في الجنوب، مشددًا على أهمية الالتزام باتفاق الرياض، الموقع في نوفمبر الماضي، بين الحكومة اليمنية والانفصاليين الجنوبيين، وتنفيذه بشكل كامل "دون انتقاء".

هادي في تصريحات متلفزة له، أمس السبت، من العاصمة السعودية الرياض، قال: "اتفاق الرياض يمثل المخرج الآمن لإنهاء أسباب ومظاهر وتداعيات التمرد المسلح في العاصمة المؤقتة عدن، وبعض المناطق المحررة، بما يغلب المصلحة الوطنية العليا، ويوحد الجهود لمواجهة الانقلاب الحوثي واستيعاب الجميع في إطار الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية".

الرئيس اليمني حمّل ما أسماها "الممارسات التصعيدية" في أرخبيل سقطري، مسؤولية تعثر تنفيذ هذا الاتفاق لفترة طويلة، وكان محافظ سقطري، رمزي محروس، قد اتهم في وقت سابق، كلًا من السعودية والإمارات بغض الطرف عن هذا التطور.

السماح لهادي بتلك التصريحات من قلب العاصمة السعودية التي حملت في باطنها اتهامًا ضمنيًا للإمارات بمسؤوليتها عما آلت إليه الأوضاع، استنادًا إلى دعم أبو ظبي انفصالي قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بضربات جوية في القتال ضد قوات الحكومة في الجنوب، وهو ما تحفظت عليه المملكة أكثر من مرة، لكنه التحفظ الذي لم يثن أبناء زايد عن المضي قدمًا في تنفيذ أجندتهم اليمنية، يحمل العديد من التساؤلات عن دوافعها الحقيقية.

اتهامات عدة تواجهها السعودية بشأن غض الطرف عن الممارسات الإماراتية داخل اليمن، وهي الممارسات التي تعرقل أهداف التحالف العربي الذي تقوده المملكة منذ خمس سنوات لمحاربة الحوثيين، ويعمق تباين وجهات النظر بين الدولتين حيال هذا الملف، وذلك رغم الجهود المبذولة للحفاظ على تصدير الصورة المثالية عن تناغم التحالف وتماسكه رغم ما يعانيه من شروخات قوية تم كشفها شيئًا فشيئًا خلال الآونة الأخيرة.

تصاعد الخلاف

حالة من التباين الواضح في المواقف بين الرياض وأبو ظبي حيال الملف اليمني تكشفت بصورة كبيرة خلال الآونة الأخيرة، وذلك بعد التعارض الكبير الذي طرأ على المشهد في أهداف ودوافع البلدين من المشاركة في قوات التحالف التي تقود حربًا ضد الحوثيين منذ مارس 2015.

ورغم المساعي الحثيثية للإبقاء على هذا التباين قيد السرية والحيلولة دون إخراجه للنور، فإن العديد من الشواهد كانت كاشفة له بصورة تبلغ من الوضوح ما يغنيها عن التوضيح، تعززت بصورة أكبر في الـ14 من مارس الماضي، حين منعت الرياض قياديين من المجلس الانتقالي الانفصالي المدعوم من أبو ظبي من العودة إلى عدن.

فُسر هذا الموقف وقتها على أنه رد فعل طبيعي من المملكة على مماطلة المجلس الانتقالي ومن خلفه أبو ظبي في تنفيذ اتفاق الرياض منذ أربعة أشهر، وذلك رغم ما حققه هذا الاتفاق من اعتراف سياسي للمجلس ويضعه على طاولة المفاوضات بعدما كان يعامل كمليشيا متمردة.

وينص اتفاق الرياض الذي تم توقيعه في العاصمة السعودية، يوم 5 من نوفمبر 2019، بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، على عودة رئيس الحكومة إلى عدن وتشكيل حكومة مناصفة بين شمال اليمن وجنوبه وإعادة تشكيل قوات الجيش والأمن، بجانب تعيين محافظين جدد للمدن الجنوبية، وهو ما لم يتحقق، الأمر الذي وضع المملكة في موقف حرج لا سيما بعد خروج القوات اليمنية من عدن.

وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة من الحرب التي تخوضها الرياض وأبو ظبي في اليمن التي تتمحور في دعم الحكومة الشرعية لاستعادة السلطة من مليشيا الحوثي المدعومة من طهران، إلا أن الممارسات ميدانيًا تنافي هذا الهدف بصورة كبيرة، إذ تكشف أن هدف الإمارات الرئيسي هو السيطرة على الموانئ والجزر، ودعم ملف الانفصال وإنشاء مليشيات خارج سيطرة الشرعية، وهو ما يهدد مصالح السعودية في تلك المنطقة.

الخلاف البيّن بين البلدين الخليجيين في الداخل اليمني رغم إرهاصاته منذ بداية المشاركة في الحرب، ظهر للعلن بصورة أكثر اتضاحًا منتصف العام الماضي، وهو ما جسدته العديد من التصريحات في هذا الشأن، ففي 13 من يوليو 2019، كشفت الحكومة الإيرانية وجود خلافات بين الإمارات والسعودية في اليمن، عقب اجتماعات عقدها مسؤولون إيرانيون مع وفد إماراتي يزور طهران في هذا التوقيت.

مدير مكتب الرئيس الإيراني، محمود واعظي، علق على هذه الزيارة بقوله إن لدى الإمارات رغبة في التواصل بهدف حفظ أمن الخليج ومضيق هرمز، غير أنه أشار إلى أن أبو ظبي تحاول التمايز عن الرياض وتتخذ موقفًا مختلفًا بشأن اليمن.

وفي سبتمبر 2019 وجهت السعودية تحذيرًا شديدًا للانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات، بضرورة تسليم القواعد العسكرية والمباني الحكومية في عدن مجددة دعمها للحكومة اليمنية، وجاء في البيان الصادر عن الرياض "أي محاولة لزعزعة استقرار اليمن يعد بمثابة تهديد لأمن واستقرار المملكة والمنطقة، ولن تتوانى عن التعامل معه بكل حزم"، وهو ما فُسر وقتها بتحذير السلطات الإماراتية.

الطرفان وإن كانا يتفقان في شن الحرب ومآلاتها إلا أنهما يختلفان بصورة واضحة في أجندتهما على الأرض

من السرية للعلن

ما يزيد على 3 سنوات كاملة سعت فيها السعودية والإمارات لمداراة الخلاف بينهما داخل التراب اليمني غير أن تقاطع أجندة البلدين لم يعد سرًا خلال العامين الأخيرين، وهو ما بات يتضح يومًا تلو الآخر وفق ما ذهب المحلل السياسي اليمني عبد الله الخيواني.

الخيواني أشار إلى أن الطرفين وإن كانا يتفقان في شن الحرب ومآلاتها إلا أنهما يختلفان بصورة واضحة في أجندتهما على الأرض، موضحًا أن الرياض مهما كانت درجة تحالفها مع أبو ظبي فإن مناطق حدود النفط مثل مأرب وشبوة وحضرموت والمهرة، التي ترى فيها حلًا لنقل نفطها بعيدًا عن ابتزاز إيران، خط أحمر، بحسب حديثه لـ"الخليج الجديد".

واستطرد قائلًا: "يمكنك العودة لأحداث أغسطس 2019، حين حاولت قوات الانتقالي إسقاط المحافظات الجنوبية لترى الدعم السعودي مثلًا في شبوة، حيث كان الدعم السعودي الواضح مهمًا في انتصار قوات الحكومة الشرعية، وقبلها في مأرب كان هناك صراع إماراتي سعودي خفي وكشفه الإعلام لاحقًا".

وكانت قناة الجزيرة قد بثت في 17 من نوفمبر 2017 وثائقيًا تحت عنوان "اليمن.. كيد الأشقاء" كشف تورط الإمارات في إسقاط طائرة أباتشي سعودية على متنها قيادات عسكرية، وهي الحادثة التي يمكن القول إنها كانت بداية الخيط نحو تقاطع كبير في أجندة البلدين رغم التظاهر بوحدة الصف.

الأمور تجاوزت طاولات المكاتب المكيفة وكواليس مطابخ المفاوضات السرية إلى منصات التواصل الاجتماعي، وذلك حين انزلق سعوديون وإماراتيون مقربون من دوائر صنع القرار لدى حكومة بلديهما إلى تبادل الاتهامات والسجال الإعلامي عبر التغريدات التي تكشف الخلاف بين البلدين حيال هذا الملف، على رأسهم  القائد العام السابق لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان الذي أثار غضب السعوديين الذين أطلقوا حملة ضده على "تويتر" تحت الوسم "خلفان يسيء للمملكة".

وكان خلفان قد شن هجومًا كبيرًا على الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة من الرياض عبر سلسلة من التغريدات قال في إحداها : "إذا حررت الشرعية صنعاء بعد عشر سنين صفقوا لها"، وفي أخرى: "الشرعية ليس لديها قوات.. قواتها استولى عليها الحوثي.. والقوات المقدمة لها من التحالف في خدمة الحوثي.. مهمتها مكانك راوح.. صور مقاتلين يقومون باطلاق نار هنا وهناك في مناطق خالية.. وبثها على الحدث.. والسلام عليكم ورحمة الله".

وفي الجهة الأخرى صب السكرتير الصحافي السابق للرئاسة اليمنية ومستشار وزير الإعلام اليمني مختار الرحبي، غضبه الشديد تجاه الممارسات الإماراتية في اليمن، ففي تغريدة على حسابه على تويتر قال فيها "الوقاحة كنز لا يفنى يا دولة الإمارات"، وأضاف "تمنعون فخامة رئيس الجمهورية من العودة إلى عدن وتدعمون مليشيات خارج سلطة الرئيس والشرعية وتعايرون الرئيس لماذا لا يعود إلى اليمن.. كل أكاذيبكم فُضحت وكل مشاريعكم التدميرية عرفها الشعب اليمني. الآن لم يتبقَ لكم في اليمن غير الطرد غير مأسوف عليكم".

الصراع المكتوم بين الحليفين الخليجيين - وفق المؤشرات التي تم كشفها مؤخرًا - يبدو أنه فقد بوصلة السيطرة عليه، وخرج من بين قضبان السرية التي حُبس بها لسنوات عدة

تصريح واحتمالان

بالعودة إلى تصريحات هادي من العاصمة السعودية وما تحمله من دلالات، نجدها تحمل أحد احتمالين وفق ما ذهب الباحث المتخصص في الشأن الإيراني والخليجي، أسامة الهتيمي، الأول يعكس وبصورة كبيرة تصاعد تباين وجهات النظر بين الرياض وأبو ظبي، "فالمملكة لم تعد تتحمل ما تقوم به الحليفة الخليجية لا سيما من دعم للمجلس الانتقالي الجنوبي خاصة بعد تطورات ما يحدث في أبين وسقطرى وأن صبرها كان فقط بسبب رغبتها في الحفاظ على ترابط عرى التحالف".

أما الاحتمال الثاني الذي ذهب إليه فيتعلق برغبة الرياض تصدير صورة إيجابية أمام الحكومة الشرعية اليمنية كونها المنوط بها دعمها، والتصدي لأي محاولات للمساس بها، وهي التصريحات التي يفهم منها أنها للاستهلاك المحلي والإعلامي لا أكثر، كاشفًا أن اختبار جدية أي من الاحتمالية سيكشفه سلوك الرياض خلال الفترة المقبلة.

رأي آخر يذهب إلى أن ما يحدث على أرض الواقع ليس إلا تبادل للأدوار بين الحليفين، وهو ما ذهب إليه الصحفي اليمني، خالد العراسي، الذي أشار في صحيفة "الثورة اليمنية" الموالية للحوثيين، إلى أنه التطورات التي شهدها الجنوب اليمني في حقيقتها مخطط "يهدف إلى عملية استبدال لما تسمى بالشرعية تبدأ بالقيادات العسكرية وستنتهي بالمسؤولين".

وأضاف العراسي أن كلًا من السعودية والإمارات يريدان لهذه الخطوة أن تتم على أساس أنها نتيجة صراع عسكري وسياسي، كون أن سير الأمور وفق هذا السيناريو يبدو كأنه صراع إماراتي سعودي وهذا من ناحية، سيحمي الإمارات من الضربات الحوثية باعتبارها في صراع مع السعودية من جانب، فيما يزرع الطمأنينة في نفوس الحوثيين بأن الوضع بين أطراف التحالف يعاني من تصدع وتشقق وهو ما يصب في صالح الخصوم، من جانب آخر.

وعلى أي حال فإن الصراع المكتوم بين الحليفين الخليجيين - وفق المؤشرات التي تم كشفها مؤخرًا -  يبدو أنه فقد بوصلة السيطرة عليه، وخرج من بين قضبان السرية التي حُبس لسنوات عدة، وها هي السعودية تسعى لتبرئة ساحتها من التجاوزات الإماراتية التي وضعت المملكة في مرمى الإدانات الدولية والاتهامات الداخلية، هذا في الوقت الذي يصر فيه أبناء زايد على تحقيق أجندتهم وفق النظرية الميكافيللية المعتادة حتى لو كان ذلك على حساب حلفائها وداعميها.