في العام 2009، حين ضربت إنفلونزا الخنازير العالم، تسابقت الدول الغنية للحصول على اللقاح، بينما بقيت الدول النامية - حتى الغنية منها - تنتظر في آخر الطابور، تسبب الوباء بـ180 ألف حالة مؤكدة، بينما تشير بعض الدراسات إلى 575 ألف حالة معظمها في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، عمدت الدول وقتها لتأميم اللقاح ومنع تصديره، فعلت أستراليا ذلك ومنعت حتى الشركات التي تصدره للولايات المتحدة، كندا فعلت الأمر ذاته، باراك أوباما قرر تأخير إرسال اللقاح للبلدان الفقيرة وإعطاء الأولوية للولايات المتحدة.

يُعاد السيناريو نفسه مع كورونا، لكن المشكلة مع هذا الفيروس قدرته الرهيبة على الانتشار وتعدي آثاره الجانب الطبي إلى شلل اقتصادي ضرب جميع الدول، حتى تلك الدول التي نجت من الجائحة، يبدو أن ترك الفقراء يذهبون للحجيم، سيغرق سفينة النجاة هذه المرة، بمن فيها من الأغنياء! 

لقاح.. لا علاج

أولًا يجب تذكر أننا نتحدث عن اللقاح لا عن العلاج، يساعدك العلاج على الشفاء من المرض دون ضمان عدم إصابتك مرة أخرى، بينما يعمل اللقاح عمل الدرع الواقي من الإصابة حتى مع تعرضك المستمر للفيروسات، فالجهود الطبية تركز على القضاء على الفيروس من خلال حاجز مناعي يحصل عليه حاملو اللقاح، كيف ذلك؟

تعود هذه الإستراتيجية لامتلاك الفيروس نسبة متوازنة ما بين القتل والانتشار "fatality and spreading"، تبلغ نسبة القتل في الفيروس 0.05% حتى كتابة هذا المقال، أي أقل من 1%، وهو خبر جيد، لكنه في ذات الوقت يعطيه فرصة للانتشار أكبر من إيبولا مثلًا الذي وصلت فيه نسبة الوفيات إلى 10-11% بين المصابين، فمعدلات الموت العالية حرمت الفيروس من قابلية الانتشار لأن المصابين لا تسنح لهم الفرصة لنقل العدوى، يوضح البروفيسور ويليام فان شايك، أستاذ علم الأحياء الدقيقة والعدوى في جامعة برمنغهام البريطانية المسألة أكثر بالقول: "لمنع الفيروس في المرحلة الأولى في أي مجتمع أو حول العالم، يجب أن يكون 60% منهم محصنين ضده، سيعمل هؤلاء بمثابة مصد يقللون نسبة انتشاره العالية وبالنتيجة نسبة الوفيات أيضًا". 

إذن، لمنع انتشار الفيروس حول العالم، تحتاج البشرية إلى 4.6 مليار جرعة لقاح! يسبب هذا العدد مشاكل لا تنتهي تبدأ من حقيقة أن الكوكب لا يملك مصنعًا يوفر الحاويات البلاستيكة الخاصة به، مرورًا بصنع اللقاح في الوقت المناسب، انتهاءً بما تصفه صحيفة الفاينانشيال تايمز بالصراع الجيوسياسي المنتظر بين الدول المنتجة! 

الحرب الباردة.. من يسبق أولًا  

بحسب تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز، هناك 140 لقاحًا تحت التطوير حول العالم، تعتمد عدة إستراتيجيات منها اللقاح باستخدام الخريطة الجينية للفيروس ولقاح باستخدام بروتين الفيروس ولقاح باستخدام فيروس ضعيف ولقاحات سابقة لأمراض أخرى، تمر هذه النماذج بعدة مراحل: 

- الاختبار قبل السريري: يعطي العلماء اللقاح للحيوانات مثل الفئران أو القرود لمعرفة ما إذا كان ينتج استجابة مناعية.

- المرحلة الأولى: تجارب السلامة: يعطي العلماء اللقاح لعدد صغير من الأشخاص لاختبار السلامة والجرعة وكذلك للتأكد من أنه يحفز الجهاز المناعي للبشر.

- المرحلة الثانية: التجارب الموسعة: يقوم العلماء بإعطاء اللقاح لمئات الأشخاص الذين ينقسمون إلى مجموعات مثل الأطفال وكبار السن، لمعرفة ما إذا كان اللقاح يعمل بشكل مختلف فيها، تختبر هذه التجارب كذلك سلامة اللقاح وقدرته على تحفيز جهاز المناعة.

مخاوف أكبر تثار من محاولات الدول الاستيلاء على لقاحات تُنتج في دول أخرى

- المرحلة الثالثة: تجارب الفعالية: يعطي العلماء اللقاح لآلاف الأشخاص وينتظرون لمعرفة عدد المصابين مقارنة بالمتطوعين الذين تلقوا العلاج الوهمي، ويمكن لهذه التجارب أن تحدد إذا كان اللقاح يحمي من الفيروس التاجي. 

(بسبب ضيق الوقت، يتبع الأطباء طريقة جديدة تختصر المرحلة الثانية والثالثة بتجريبه على آلاف الأشخاص في نفس الوقت).

- الموافقة: يراجع المنظمون في كل دولة نتائج التجربة ويقررون ما إذا كانوا سيوافقون على اللقاح أم لا، وفي أثناء الوباء، قد يحصل اللقاح على تصريح لاستخدام الطوارئ قبل الحصول على موافقة رسمية.

هناك الآن بالفعل 8 لقاحات وصلت المرحلة الثانية والثالثة من التجارب السريرية الموسعة: 4 منها من الصين و2 من أمريكا، نموذج مشترك بين بيونتيك الألمانية وفايزر الأمريكية وأخيرًا نموذج بريطاني من شركة إسترازينكا، ولأن كل شيء تحت التجربة الآن وفي ظل السرعة في محاولة الإنتاج، فكل اللقاحات مرشحة للعبور للمرحلة التالية بحال نجاحها أو العودة خطوة إلى الوراء في حال فشلها.

في هذا السباق، تضخ الولايات المتحدة والصين مبالغ طائلة للوصول إلى خط النهاية أولًا، يقول مدير صندوق التكنولوجيا الحيوية الأمريكي براد لونكار إن السباق على اللقاح بين واشنطن وبكين تحول لما يشبه سباق الفضاء بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، لقد تحول الأمر من سباق لإنقاذ المرضى إلى نزاع لبسط السيطرة. 

يثير هذا السباق الذي تحول لمنافسة سياسية قلقًا بين الأطباء، يقول سكوت غوتليب مدير منظمة الغذاء والدواء الأمريكية: "يركز الصينيون على الوصول أولًا أكثر من التركيز على جودة اللقاح، كما أن هناك مشكلة ستحصل في حال عدم تمكن عدة شركات من الوصول لنموذج مُصادق عليه في الوقت المناسب، إذ سيكون الأمر صعبًا في حال توصلت شركة أو اثنتين فقط لنموذج قابل للاستخدام". 

أظهر الكثير من الخبراء كذلك، توجسًا كبيرًا مما سيحصل عند البدء بتوزيع الجرعات بعدما حصل في بداية تفشي الوباء، فقد اتهمت ألمانيا واشنطن بقرصنة مجموعة من الكمامات الطبية المخصصة لشرطة برلين وتوجيهها لأمريكا، إضافة لاستيلاء فرنسا على شحنة أقنعة تعود لشركة سويدية، بعدما استولت أمريكا على شحنة صينية في طريقها إلى فرنسا دفعت أضعاف سعرها! 

مخاوف أكبر تثار من محاولات الدول الاستيلاء على لقاحات تُنتج في دول أخرى، خاصة بعدما حصل من محاولة البيت الأبيض في شهر مارس التواصل مع شركة كيورفاك الألمانية وعرض مقابلة خاصة لمديرها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحصول على حقوق الإنتاج، ما دفع وزير الاقتصاد الألماني للقول: "ألمانيا ليست للبيع"! 

دفعت هذه المخاوف الدول للتحرك من الآن لتأميم اللقاح وضمان عدم خروجه، في دراسة لجامعة هارفارد، يقول مجموعة من الباحثين إن عملية الاحتكار بدأت فعلًا، بدأت بانسحاب أمريكا وروسيا والهند من دعوة الاتحاد الأوروبي لجمع 8 مليارات يورو لدعم إنتاج اللقاح وتوزيعه عالميًا، ثم وقع الاتحاد نفسه والحكومة البريطانية عقدًا مع شركة إسترازينكا لإنتاج 400 مليون جرعة لصالح الاتحاد الأوروبي و30 مليون لصالح بريطانيا، بينما وقعت أمريكا عقدًا مع شركة سانوفي لحقوق الطلب الأولى لأي لقاح تتوصل إليه الشركة، كما فعلت شركات صينية وروسية وهندية بخطوات مماثلة. 

تفشي المرض في البلدان المنتجة للنفط مثلًا سيغير مسار المعادلة مجددًا مع عجز اقتصادي رغم التعافي الطبي

توزيع عادل؟ البقاء للأقوى 

كما يبدو واضحًا، تترقب الدول النامية والبلدان الفقيرة خاصة دورها في آخر الطابور، رغم حملات كبيرة كتلك التي أطلقها التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة "cepi" الذي يحاول جمع ملياري دولار لدعم 3 لقاحات مرشحة بالتعاون مع شركة Bill & Melinda gates، إلا أن المصير يبدو قاتمًا مع ترك شركات القطاع الخاص تنفرد بتلك الدول! 

يقول ديفد سالسزبيري، الرئيس السابق للجنة التحصين العالمي في منظمة الصحة: "قد يكون هناك الكثير من مشاعر الإيثار، لكن السؤال يكمن في كيفية تحويل ذلك إلى حقيقة، لا توجد أي سلطة عالمية لديها التأثير على ما ستفعله شركات القطاع الخاص في تلك الدول"، يتساءل سالزبيري: هل ستمنع واشنطن اللقاح من الخروج خارج أراضيها؟ هل سيعطي المنتجون الأوروبيون الأولوية للبدان الأوروبية؟

إن حل أزمة كورونا لا يمكن حصره في تجاوز الآثار الطبية فقط، إذ تبين أثره العميق على الاقتصاد العالمي، فحتى مع ضمان الأمن الطبي للدول المنتجة للقاح، ومع افتراض امتلاك كل السكان فيه ثمنه، سيُبقي انتشار الفيروس في أماكن أخرى من العالم الآثار الاقتصادية السيئة، فتفشي المرض في البلدان المنتجة للنفط مثلًا سيغير مسار المعادلة مجددًا مع عجز اقتصادي رغم التعافي الطبي، هذا غير احتمال موجة تفشي ثانية ترافقها طفرة وراثية شهد الفيروس أكثر من 200 منها بحسب دراسة أجرتها جامعة لندن واعلنت نتائجها هذا الشهر.

على نطاق الدول العربية، قد تستطيع دولها الغنية تأمين بعض احتياجاتها، لكن هذا لا يخرجها قطعًا من دائرة الدول المستهلكة الواقعة تحت رحمة الدول الكبرى - مجددًا - رغم توافر كل الإمكانات المالية والبشرية لديها، قد يكون اللقاح عنصريًا، لكنه درس قاسٍ جديد قد تتعلمه شعوب هذه البلدان في النهضة وامتلاك القوة.

إن النهضة الأوروبية بدأت بعد جائحة الموت الأسود التي مزقت القارة العجوز فهل يكون كورونا سبب استفاقة في الشرق الأوسط كما فعل أخوه الطاعون في أوروبا القرن الرابع عشر؟ لنأمل ذلك.