من الواضح أن قلب موازين القوى في ليبيا لصالح حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا بعد الدعم الفني واللوجستي الذي قدمته أنقرة، لم يدفع إيطاليا فقط لإعادة حساباتها، فالتصريحات الأخيرة المتتالية للمسؤولين السودانيين تُشير إلى أن الخرطوم هي أيضًا تسير نحو تشكيل سياسة جديدة قوامها تنويع القنوات الدبلوماسية وإحياء خريطة علاقاتها الدولية القديمة التي اقتصرها المجلس السيادي الانتقالي في المحور الإماراتي السعودي المصري، وهو حلف زاد من حدة الأزمة الداخلية وأطال طريق عودة البلاد إلى الشرعية الدولية بسبب انخراطها في أكثر من حرب (اليمن وليبيا).

تقارب تركي - سوداني

الإشادة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان، عبد الفتاح البرهان، بالعلاقات مع تركيا ووصفها بالـ"متطورة في المجالات كافة" لم تكن الأولى من نوعها في هذه الفترة بل سبقتها تصريحات وتلميحات من مسؤولين آخرين عن عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الصديقين، غير أن اللقاء الذي جمع البرهان بالسفير التركي بالخرطوم عرفان نذير أوغلو، أكد حرص المجلس الانتقالي على استعادة علاقاته مع أنقرة وتطويرها في ظل المتغيرات الجيوإستراتيجية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

ووفقًا للبيان الصادر عن مجلس السيادة، فإن البرهان أكد أن العلاقات تشهد تطورًا كبيرًا في إطار الجهود المتواصلة لخدمة الشعبين الصديقين، كما نقل البيان عن السفير نذير أوغلو قوله: "اللقاء مع البرهان تناول العلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية"، مشيرًا إلى أنه تطرق للمساعدات الطبية التي قدمها الهلال الأحمر التركي، مؤخرًا، لتعزيز جهود حكومة السودان للتصدي لجائحة كورونا، كاشفًا اعتزام بلاده تقديم مساعدات أخرى كبيرة للخرطوم في القريب العاجل، ومتعهدًا بنقل تركيا خبراتها إلى السودان في مختلف المجالات بما يعزز ويطور علاقات البلدين على الأصعدة كافة.

تزامنًا مع بيان المجلس الرئاسي في السودان الذي أشاد بالتعاون مع تركيا في كل المجالات، أعلنت الخرطوم القبض على 122 شخصًا خلال توجههم للعمل كمرتزقة في ليبيا، وهي خطوة لقيت ترحيبًا من الخارجية الليبية التي كشفت في بيان أن السلطات السودانية أحالت 240 آخرين للعدالة والقضاء في فبراير/شباط الماضي، وسط تأكيدها القاطع لمحاولات تجنيد مواطنيها لقتال لا مصلحة لهم فيه.

 

الاتصالات بين الجانبين لم تنقطع رغم حالة الفتور التي شابت العلاقات إثر صعود المجلس العسكري، حيث أعلنت تركيا على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أغلو، عزمها الوقوف إلى جانب السودان، حكومةً وشعبًا، في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، مضيفًا خلال مشاركته في مؤتمر الشراكة السودانية، بتقنية الاتصال المرئي، أن المرحلة الانتقالية في السودان بدأت منذ قرابة عام.

المسؤول التركي أشار أيضًا إلى أن الحكومة السودانية الحاليّة تعمل على خدمة أهالي البلاد، وأن تفشي جائحة كورونا دفعها لتحمل مسؤوليات إضافية، مؤكدًا أن المؤتمر يعتبر فرصة مهمة لتناول آخر المستجدات في السودان وتجديد التضامن معه، لافتًا إلى ضرورة الإصلاحات الاقتصادية من أجل تجاوز السودان للمرحلة الانتقالية بنجاح خاصة أنه "يمتلك كل مقومات التنمية والرفاه، وسيشهد تطورًا سريعًا في حال استخدم موارده البشرية وثرواته الباطنية وطاقته الزراعية، وفي هذه المرحلة يمكن للمجتمع الدولي التدخل وصنع الفارق".

انفتاح المسؤولين السودانيين فسح المجال أمام الأتراك للتحرك دبلوماسيًا بصورة فعالة، فبعد أن رشحت الخرطوم سفيرًا جديدًا لدى أنقرة وإجراء وزير الخارجية التركي اتصالًا هاتفيًا بنظيرته السودانية لتأكيد استعداد البلدين لبناء علاقة طبيعية، إضافة إلى إعلانه عزم بلاده تقديم حزمة مساعدات للسودان تتضمن أجهزة تنفس صناعي ومستلزمات طبية أخرى للمساعدة في جهود الحكومة السودانية لاحتواء جائحة فيروس كورونا والتغلب عليها، عرض السفير التركي عرفان نذير على والي الخرطوم المكلف يوسف الضي إمكانية استبدال المخابز البلدية بأخرى آلية تحل مشكلة ندرة الخبز التي تؤرق البلاد منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير.

صحيح أن الحكومة التركية لم تكن تشعر بالثقة تجاه نظام الحكم السوداني الجديد الذي جاء نتيجة لاتفاق دستوري بين المجلس العسكري (المحلول) وقوى إعلان الحرية والتغيير، وذلك لولاء قيادات المجلس العسكري للإمارات والسعودية، إلا أن التصريحات الأخيرة التي تحمل انفتاحًا منتظرًا لسلطات الخرطوم نحو عالمها الخارجي وحرص أحزاب الحرية والتغيير ذات التوجه اليساري، رغم ضغوط الرياض وأبو ظبي، على إبقاء التواصل مع تركيا، قد تُعجل بإحياء العلاقات القوية بين البلدين وتُسقط رهان بعض القوى الدولية على تضرر المصالح التركية بصعود المجلس الانتقالي الموالي من خلال ضرب كل الاتفاقات التي وقعتها الخرطوم مع أنقرة زمن حكم عمر البشير وأهمها اتفاق تخصيص جزيرة سواكن لتركيا خلال الزيارة التي قام بها رجب طيب أردوغان في أواخر العام 2017.

تغير نسبي

يبدو أن المسؤولين السودانيين أجروا تعديلًا نسبيًا على عقارب ساعتهم الدبلوماسية بعد أن ثبت لديهم أن حل أزمتهم الداخلية الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسية يكمن في تطوير أدائهم الدبلوماسي وتنويع علاقاتهم الدولية بما يخدم مصالحهم الإستراتيجية، وأن الانسياق في سياسة المحاور لا يخدم السودان في شيء بل يعقد أوضاعها ويقلل من فرص إعادة بناء دولة قوية ذات سيادة لها كلمة في الصراعات الإقليمية القائمة ويخلصها من التبعية والوكالة لقوى خارجية.

أول ملامح التغيير في سياسة حكام الخرطوم، كان الملف الليبي الذي تتداخل فيه تقريبًا كل القوى الدولية التي تربطها علاقة بالسودان وهي مصر والإمارات وتركيا، فبعد كشف حميدتي رفض اللواء خليفة حفتر المدعوم من قوى الثورة المضادة لمبادرة أطلقتها بلاده لحل الأزمة بين الفرقاء، واستعداد حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا للانخراط في العملية السياسية وفي الحوار، أعلنت الخرطوم القبض عن 122 عنصرًا كانوا في طريقهم للقتال إلى جانب حفتر، وذلك رغم نفيها مرارًا إرسالها لمرتزقة إلى ليبيا.

على مستوى العلاقات مع الإمارات، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو "حميدتي"، كشف في 25 من مايو/أيار الماضي، أن السعودية والإمارات أعلنتا مساهمتهما عقب الإطاحة بالبشير بـ3 مليارات دولار لدعم المرحلة الانتقالية بالبلاد، عبارة عن منحة بـ2.5 مليار دولار، ووديعة بمبلغ 500 مليون دولار، إلا أن بعض المشاكل ذات الطابع السياسي (دون توضيحها) أدت إلى عدم استلام المبلغ المذكور"، قائلًا: "استلمنا فقط الوديعة البالغة 500 مليون دولار".

تراجع المحور الإماراتي السعودي عن الإيفاء بتعهداته، دفع برئيس الوزراء عبد الله الحمدوك إلى وصف العلاقات بالهشة ولا ترتقي إلى التعاون الإستراتيجي المأمول الذي يتطلع إليه الشعب السوداني والقادر على إنعاش البلاد اقتصاديًا وإحداث نقلة نوعية، قائلًا: "نطمح لشراكة حقيقية مع السعودية والإمارات، وليس لعلاقة تقوم فيها هذه الدول بتقديم منح فقط"، مضيفًا "نعمل على شراكة إستراتيجية تحقق المصالح الحقيقية لكل الأطراف، ولا نريد الاعتماد على القروض والهبات بل على مواردنا الطبيعية".

وفي سياقٍ ذي صلة، يُذكر أنه خلال حملة مؤتمر شركاء السودان الذي انتظم بألمانيا، تضاءل الدعم الخليجي المقدم للسودان، حيث تبرعت السعودية بمبلغ 10 ملايين دولار فقط، بينما تبرعت الإمارات بـ50 مليون دولار، فيما أعلنت ألمانيا دعمًا بقيمة 150 مليون يورو وبريطانيا 150 مليون جنيه إسترليني، وفرنسا 100 مليون يورو، بينما تعهدت السويد بمبلغ 20 مليون يورو، وخصصت الولايات المتحدة 365 مليون دولار.

خلفيات التحول

يعاني السودان من ارتفاع في دينه الخارجي الذي يبلغ نحو 60 مليار دولار، حسب تصريح رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك، كما أن الأوضاع الاقتصادية ازدادت سوءًا عقب الإطاحة بالبشير، حيث بلغ معدل التضخم نحو 114% في مايو/أيار الماضي، وفق إحصاءات حكومية، بالإضافة إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، وبالتالي فإن المجلس السيادي الحاكم أمام تحديات جمة تجعله في سباق مع الزمن لمعالجة الملفات الحارقة تجنبًا لأي حركات احتجاجية قد تعصف بالمسار الانتقالي برمته وقد تجعله في موضع محاكمة شعبية لاحقًا كما هو الحال بالنسبة لنظام الرئيس السابق عمر البشير.

في ذات السايق، يتخوف المجلس السيادي الانتقالي السوداني من أن التحالف مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر قد يوضع قيد تساؤل، خاصة أن سياسة المحاور لم تُحقق أي مصالح اقتصادية ولم تجلب أي استثمارات تُذكر للبلاد، لذلك فهو يعمل على تعزيز وتنويع شركائه على المستوى السياسي والاقتصادي كالصين الشريك التجاري الأول، وقطر وتركيا.

ويبدو أن السودانيين أيقنوا جيدًا أن الانسياق وراء المحور الإماراتي السعودي لم تستفد منه الخرطوم بالشكل المأمول على عكس مصر التي أُغدق عليها الهبات والعطايا وحظيت بدعم غير محدود، وهو ما يُفسر تصريحات المسؤولين السودانيين الأخيرة التي تصب في 3 فرضيات أساسية:

  • تغيير خطاب الحليف السوداني قد يُجبر المحور على تقديم الدعم السخي الذي وعدت به سابقًا أي أنه يأتي في سياق إحراج الإمارات والسعودية أمام الرأي العالمي.
  • هي رسالة ضمنية بأن السودانيين قادرين في أي لحظة على تغيير الدفة نحو قوى إقليمية أخرى، وهنا أحسنوا الاختيار باعتبار تركيا الغريم الأول لهذا المحور، وهو جاهز بطبيعته ليكون بديلًا قويًا يمكن الاستناد عليه في هذه المرحلة الانتقالية.
  • هي حركة لجس النبض للطرفين وقدرة المحور على تلبية المطالب رغم أن الخطوة لم تصل إلى حد فك الارتباط من الحلف في اليمن وليبيا، وفي المقابل انتظار ما سيقدمه الأتراك من عروض.

دقلو.. مهندس التحول

في رصد قام به "نون بوست" تبين أن الفريق دقلو هو مهندس التحركات الدبلوماسية في السودان وكلمة السر في العلاقات الخارجية بسبب علاقاته والأدوار التي يؤديها على أكثر من صعيد، حميدتي قائد ميليشيا الدعم السريع، كثر ظهوره الإعلامي على حساب رئيس الوزراء عبد الله الحمدوك ورئيس المجلس السيادي عبد الفتاح برهان، حيث استقبل القائم بالأعمال الأمريكي والسفير الهولندي وممثل الاتحاد الأوروبي، كما قام برحلات مكوكية شملت الإمارات ومصر وإثيوبيا وتشاد وحتى إريتريا.

ويبدو أن الأدوار التي يضطلع بها الفريق دقلو والميليشيا التابعة له والمهام الموكلة إليه في مراقبة خطوط عبور المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا عبر الأراضي السودانية، هي سبب الاهتمام الزائد الذي يوليه سفراء الدول الغربية، كما أنه يعتبر نقطة أساسية في ملف رفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب المدرج فيها منذ 1993، حيث تشترط واشنطن "وقف اعتداءات مليشيات الدعم السريع بقيادة دقلو، وأجهزة الأمن على المواطنين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وإنهاء النزاعات وبسط السلام والأمن في تلك المناطق، ومحاسبة الجناة"، إضافة إلى "السماح للمنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، الدخول في كل أنحاء السودان وخاصة مناطق الحرب".

ويسعى حميدتي الطامع في السلطة إلى نيل الشرعية داخليًا وخارجيًا من خلال وقوفه وراء التغييرات النسبية في الدبلوماسية السودانية وعلاقاته الدولية:

على المستوى المحلي:

- يريد إرضاء شق من السودانيين ممن يخيرون التقارب مع تركيا وقطر ويرفضون الانخراط في حروب بالوكالة لصالح قوى أخرى.

- نزع صورة العسكري المرتبط بجرائم قوات الدعم السريع (جريمة اعتصام القيادة العامة) وإظهار نفسه كبديل قادر على الحكم.

- نفي تورطه في عمليات نهب ثروات السودان (الذهب) مع التأكيد على الوجهة التي تقف وراء عمليات تسريب المعدن الثمين (دبي)، وذلك ترويجًا لحرصه على مقدرات بلاده وانخراطه في مكافحة التهريب خاصة عبر المطارات.

على المستوى الخارجي:

- قدم حميدتي نفسه كوسيط في الأزمة الليبية.

- انخراطه في الحرب الليبية قد يقوض مساعيه، لذلك فإن التقارب مع تركيا والعمل معها قد يُعطيه جزءًا من الشرعية.

- إعادة السودان إلى الشرعية الدولية عن طريق مساهمته في رفع الحظر الأمريكي وذلك بالاستجابة إلى شروط واشنطن.

- يعلم جيدًا أن مستقبله السياسي وطموحه في رئاسة السودان مرتبط بشبكة العلاقات التي يُحيكها، وأن اقتصارها على محور الإمارات السعودية ومصر لن يقوده إلى الحكم.

- تنشيط الدبلوماسية وتكوين شبكة علاقات واسعة ومتنوعة.

- انخراطه في تسوية بعض الملفات الكبرى كسد النهضة وحرصه على الوساطة بين مصر وإثيوبيا، إضافة إلى ملف الحدود والإجراءات الأمنية مع تشاد.

بالمجمل، يعيش السودان أزمة رباعية الأضلاع تتحكم فيها جملة من العلاقات المعقدة منها ما هو نتاج علاقات تاريخية متذبذبة مع دول الجوار كمصر وتشاد وإثيوبيا ومنها ما هو مرتبط بعلاقات دولية تأثرت بخيارات محلية تنم عن تقديرات غير قائمة على حسابات لآجال طويلة الأمد وترتبط أساسًا بالمحورين الإماراتي السعودي والتركي القطري، لذلك فإن انخرام المعادلة الصحيحة التي ترتكز على المصلحة الوطني العليا للسودان قد يُعيد البلد إلى مربع العنف ويزيد من أزمتها الاقتصادية وكذلك من عزلتها الدولية، لذلك فإن الخرطوم أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أوراقها ومراجعة سياساتها خاصة أن الوقائع أثبتت فشل مقاربة "التخندق" في ليبيا كما في اليمن.