بالنسبة للكثيرين ما زالت الجامعة تعتبر محطة مهمة في حياتهم، وما زال الاعتقاد راسخًا أن الفرع الذي سيدرسونه في الجامعة هو الذي سيقرر مصير حياتهم مما حول الثانوية العامة إلى محطة مفصلية في مسيرة الدراسة مليئة بالتوتر والتشنج والتعب النفسي والجسدي للحصول على معدل أعلى ولو بنصف بالمئة الذي سيغير حياتهم كما يعتقدون، لكن الحقيقة أن الأمر لم يعد هكذا منذ بضع سنوات، في الحقيقة هو لم يكن هكذا منذ البداية.

فالجامعات والمدارس والمناهج الموحدة وُجدت كي يتم دفع آلاف الخريجين إلى سوق العمل الذي يشبه تلك المناهج الموحدة بآلياته المتشابهة ومهامه الروتينية وملابسه (اليونيفورم) الأنيقة، ولا تغير المعدلات المختلفة والفروع الجامعية (القمة) أو الدنيا منها أي شيء إلا بعض الشكليات التي قد تجعل الحياة تبدو أفضل بالنسبة للطالب بعد التخرج، لكن الحقيقة أنهم جميعًا سيكونون نسخًا شبيهة ببعضهم البعض يسعون وراء الوظيفة والمرتب في نهاية الشهر والمرتبة الأعلى في الوظيفة.

لكن ماذا لو ذهبت للتقدم إلى وظيفة مرموقة فخورٌ بنفسك وبشهادتك التي حصلت عليها بعد تعب طويل وربما سفر يومي إلى الجامعة أو اغتراب عن أهلك ومبالغ مالية كبيرة تم صرفها خلال تلك السنوات، ثم قالوا لك، هذا غير مهم أخبرنا عن مهاراتك؟

هذا من المتوقع أن يحدث خلال السنوات القادمة خاصة بعد أن اتخذت بعض الشركات العملاقة منذ سنوات قليلة هذا المنحى مثل آبل وجوجل وفيسبوك، وسيساعد في انتشار هذا المفهوم توقيع دونالد ترامب الرئيس الأمريكي بروتوكول التوظيف الجديد الذي يعتمد على التوظيف حسب المهارات وليس الشهادات الجامعية، أي أن شهادتك الجامعية لن تكون ذات أهمية كبيرة، ولن يكون من المهم أي جامعة قضيت فيها سنواتك الأربعة أو ربما أكثر من أربع سنوات، المهم ماذا لديك من مهارات؟

قبل أن نتحدث عن الخبرات العملية والعلمية والمهارات التي يجب أن تتعلمها خلال فترة الدراسة الجامعية التي قد توفرها لك الجامعة وقد لا تفعل، لنحضر ورقة وقلمًا أونفتح Note فارغة على الهاتف المحمول ونطرح معًا بعض الأسئلة التي قد تكون الإجابة عنها مفتاحًا لكل الأسئلة اللاحقة:

هل حقًا تدرس ما تحب؟

صار من المعروف أن أغلب الطلاب يدخلون فرع الجامعة الذي يختاره مكتب التنسيق لهم الذي يحدده لهم معدل تخرجهم من الثانوية العامة وبذلك فإن نصف علامة قد تشكل فارقًا بالنسبة لمستقبل الطالب، مما يجعل من غير المحتمل للطالب أن يدرس في كلية يحبها واختارها بنفسه وهذه تشكل أول عقبة.

بعض الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية، توظف مستشارًا مهنيًا ودراسيًا مهمته الوحيدة توجيه الطالب لما يناسبه كي يتعلمه ويدرسه بناء على مقياس MBTI

هل تعرف ما تحب؟

يوصلنا السؤال السابق إلى هذا السؤال حتمًا، فكم منا لا يعرف ما الذي يحبه ويميل إليه من المهن والأعمال وحتى المواد الدراسية.

هل تعرف نفسك؟

إن أردت أن تعرف ما تحب، فعليك أن تعرف نفسك ومواهبك وقدراتك ومهاراتك وما أنت مبدع فيه، وما تستغرق فيه ساعات طويلة فتنسى كل ما حولك.

إجابة هذه الأسئلة الثلاث هي ما يتحدد على إثره مستقبل أي إنسان المهني، ولذلك فإن بعض الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الجامعات الأوروبية، توظف مستشارًا مهنيًا ودراسيًا مهمته الوحيدة توجيه الطالب لما يناسبه كي يتعلمه ويدرسه بناء على مقياس MBTI أو مايرز بريغز للشخصية، واختبار Strong للميول المهنية الذي يخبر بالضبط عن المهام الأنسب للشخص للقيام بها في عمله، وبالتالي يكون المستشار المهني قادرًا على جعل الطالب يرسم خريطته المهنية الخاصة به التي ستسمح له بمعرفة المهارات والخبرات العلمية والعملية التي ينبغي عليه إتقانها.

هل يمكن للجامعة أن تقدم هذه المهارات للطالب؟

بالطبع، بعض المرونة في المناهج ستجعل الشهادة الجامعية ذات فائدة كبيرة ويمكن عمل ذلك من خلال إضافة بعض المواد التي كان على الطالب أن يتخرج من الجامعة ثم يذهب لتعلمها في كورسات خاصة مما سيجعل لهذه الجامعة أهمية على الصعيد العلمي والعملي، فأي مهنة أو وظيفة لا تعتمد فقط على معلومات علمية والدليل على ذلك آلاف الموظفين في مناصب لا تمت بصلة لشهادتهم الجامعية اعتمادًا على مهارات شخصية وبعض التدريب العملي.

المهارات الشخصية

- العمل ضمن فريق

- مهارات القيادة

- الوقت

- ترتيب الأولويات

- وضع الأهداف القريبة والبعيدة

- مهارات التفكير وحل المشكلات

- الذكاء العاطفي

المهارات التقنية

- المحاسبة والتعامل مع الحسابات المالية

- الإدارة

- الإحصاء

- Excel Sheets

- العروض التقديمية

أين أتعلم هذه المهارات؟

هنا نعود إلى الأسئلة السابقة التي طرحناها، والسؤال الأخير فيها وبداية التعلم أن تعرف نفسك وما تتمتع به من مهارات، ثم تحدد ما الذي تريد تعلمه وتحتاج إليه في العمل، سواء كانت مهارات تقنية أم شخصية.

بما أن أغلب الجامعات لا تدرس أو تعلم هذه المهارات فإن أمامك خيارين لتعلمها: الخيار الأصعب وهو أن تترك نفسك للحياة لتعلمك إياها، أما الخيار الأسهل أن تبدأ من الآن وتُحدد ما تريد تعلمه وتبحث عن كورسات أونلاين ويمكن أن تجدها عبر إدراك ورواق وكورسيرا والكثير من المواقع المجانية وغير المجانية، إضافة إلى بعض الكتب التي تحمل تطبيقات وخطوات عملية تساعدك في تعلم هذه المهارات، أيضًا قنوات اليوتيوب المنتشرة ستكون عاملًا مساعدًا لك، ما عليك إلا أن تحدد ما تريد وستجده أمامك بسهولة.

تخيل عالمًا بدون جامعات!

نعود لقرار دونالد ترامب الذي صفق له الكثيرون على اعتبار أننا في عصر لا تعتبر فيه الدراسة الجامعية مهمة والجامعة لا تقدم المهارات التقنية والشخصية اللازمة للعمل وأن أغلب الطلاب سيخضعون لتدريب ودورات لتعلم تلك المهارات مما يجعلهم كأنهم لم يتعلموا شيئًا في الجامعة، لكن هل يمكننا أن نلغي الجامعات من حياتنا؟ هل ستذهب إلى طبيب لا تعرف من أين تخرج؟ أو أين تخصص في دراسته وتعلم ما يطبقه عليك؟ هل ستسلم شخصًا لم يدرس هندسة مدنية ومعمارية ليبني لك بناءً تسكن فيه وتضمن ألا يقع عليك في أي لحظة؟؟

يمكننا أن نعتبر هذا القرار جرس إنذار للأفراد لأخذ فكرة تعلم المهارات بجدية، وللجامعات لتغيير مناهجها وتطويرها بشكل مستمر لتكون ملائمة للوظائف الحاليّة والمتغيرة بكثرة، لكن لا أعتقد أن يومًا سيأتي دون يكون هناك جامعات ولن تكون يومًا الكورسات والدورات المتفرقة وغير الممنهجة بديلًا للشهادة الجامعية من الناحية العلمية وتجعل من يحضرها يكون قادرًا على إمساك مبضع والقيام بعملية جراحية على أي جسد أو نفس بشرية.