صورة من الأرشيف للأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الدولة بوزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية، على اليسار، وهو يستمع إلى خالد الفاتح، وزير الطاقة والصناعة السعودي

ترجمة وتحرير نون بوست

إن أوبك في حالة صراع في هذه الأيام. في الواقع، منذ أن وُضع حد لحرب الأسعار الكارثية بين روسيا والمملكة العربية السعودية بعد خمسة أسابيع، لم يقم الكارتل بتصحيح مساره فحسب، متحديا جولة أخرى من التعليقات التي تشير إلى تفككه، بل يبدو أنه أصلح أسواق النفط العالمية التي تواجه انهيارا للطلب لم يسبق له مثيل، في وقت يتزامن مع عيد ميلاد أوبك الستين.

في حال تمرّد أعضاء منظمة أوبك، فهناك من ردهم إلى الطريق الصحيح فجأة. لا يغش أعضاء أوبك في الحصص فحسب، لكنهم يبالغون في الامتثال للإجراءات، أو يعدون بذلك. وبقيادة المملكة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين الذين ينتجون مليون برميل في اليوم أقل من حصصهم، ورد أن التزام عشرين دولة من دول أوبك بلس باتفاق تخفيض الإنتاج إلى 9.7 مليون برميل بلغ 108 بالمئة  خلال شهر حزيران /يونيو.

في الوقت الراهن، عادت العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا إلى التوافق. لقد واجهت أسعار النفط ضربة موجعة. ولكن خلال يوم الجمعة، وصلت أسعار النفط إلى سعر 43 دولارا للبرميل. يبدو الأمر كما لو أن المملكة العربية السعودية تطالب "بارتفاع الأسعار"، بينما يجيب باقي دول أوبك بلس "إلى أي مدى؟". 

لسائل أن يسأل كيف وصلنا إلى هنا؟ في الواقع، اضطلع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورا فعالا في دفع السعوديين إلى وضع حد لحرب أسعار التي جدت خلال شهر نيسان/أبريل وتزامنت مع تفشي فيروس كورونا الذي دمر الطلب على النفط. ومنذ ذلك الحين، تشير التطورات إلى أن قيادة الكارتل كانت تتبع سياسات أكثر قسوة وأكثر كفاءة. إن بصمات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، "الشاب الذي على عجلة من أمره" واضحة، وكذلك بصمات أخيه غير الشقيق، وزير النفط الجديد الأمير عبد العزيز. وأثبت ما يعرف باسم "التكنوقراط الملكي"، مدى صرامته. في الحقيقة، هذه ليست القيادة السعودية الحذرة التي نشأنا معها.

القائد اللطيف لم يعد موجودا

في الماضي، كانت المملكة العربية السعودية تنتظر وصول البيانات بشأن الغش، ثم تصعد ببطء الضغط الذي ينتقل من الدبلوماسية الهادئة إلى التشهير العام والتهديدات ومن ثم شن حرب أسعار كملاذ أخير. لكن في الوقت الراهن، قبل أن يحصل على أرقام الإنتاج لشهر حزيران/ يونيو، تخطى الأمير عبد العزيز التفاصيل المعتادة وذهب مباشرة إلى التهديد بحرب أسعار شاملة أخرى.

علاوة على ذلك، صرح الأمير عبد العزيز أنه على دول أوبك بلس غير الملتزمة دفع حصة الغش "والتعويض" عن عدم امتثالهم السابق. وهذا يعني أنه ينبغي عليهم إجراء تخفيض بحوالي 1.25 مليون برميل في اليوم، التي لم يخفضوها خلال الأشهر السابقة. في هذا الإطار، أوضح الأمير عبد العزيز: "نحن لا نسمح على الإطلاق بعدم الامتثال". وصدقوا أولا، لقد نجح ذلك.

من جهة أخرى، لم يجبر السعوديون أنغولا ونيجيريا والعراق على الالتزام بالامتثال لحصصهم فحسب، ولكن بإجراء تخفيضات معززة كتعويض عن عمليات غشهم السابقة. كانت أنغولا تفرط في الإنتاج بحوالي 90 ألف برميل يوميا خلال شهر أيار/ مايو، ونيجيريا بحوالي 175 ألف برميل، والعراق بمقدار 600 ألف برميل يوميا. كما دفعت روسيا كازاخستان، التي كانت تفرط في الإنتاج بمقدار 125 ألف برميل في اليوم ، إلى الامتثال إلى الاتفاقية ذاتها.

العصا والجزرة والتهور

تتبع الرياض سياسة العصا والجزرة، غير أن قسوة المملكة العربية السعودية الحالية تتناقض مع سياستها المتبعة مع بغداد لاسيما بعد تعيينها سفيرا جديدا وملحقا تجاريا في سفارتها التي أعيد افتتاحها حديثا - حيث وقع إغلاقها لمدة 25 سنة -  بالإضافة إلى تقديم جملة من وعود بشأن قروض والاستثمارات، تشمل تطوير تمويل حقل غاز عكاس.

من غير الواضح ما إذا كان هناك وعود قد ساهمت في تغيير رأي أنغولا ونيجيريا. ولكن، بالتأكيد كانت هناك تهديدات، حيث أن الأمير عبد العزيز حذر مؤخرا وفود كلا البلدين التابعين لأوبك قائلا "نحن نعرف من هم عملائكم". وفي بداية شهر تموز/ يوليو، لم ترفض أنغولا إجراء تخفيضات تعويضية فحسب، بل رفضت أيضا التوقف عن الغش. وبعد بضعة أيام، أصبحت لواندا ضمن المجموعة بأكملها. وفي أواخر شهر حزيران/يونيو، اتصل ولي العهد السعودي بالرئيس النيجيري بخاري، وتعهدت أبوجا بالامتثال الكامل لهذا الشهر.

قد تكون أنغولا ونيجيريا قد تأثرتا ببساطة بتهور السعودية الظاهر في شهر نيسان/ أبريل، عندما شنت حرب أسعار فورية. هذا وقد زادت المملكة من حدة تهديدها بزيادة كبيرة في الإنتاج، أين وصل إلى 12 مليون برميل في اليوم، في الوقت الذي أدى فيه فيروس كورونا إلى انهيار الطلب العالمي على النفط. في الواقع، كان كل منتج للنفط على هذا الكوكب مذعوراَ، وليس فقط المتقاعسين من أوبك. وقد يكون هذا الاندفاع هو بمثابة عصا ذات مسامير، والتي تدعم مطالب تعويضات الأمير عبد العزيز.

تغير المناخ يعزز تطبيق نظام الحصص

إن الصورة الأكبر تجعل الغش أقل جاذبية. في الواقع، يميل منتجو النفط الذين لا تتوافق معهم السعودية إلى التعثر. على سبيل المثال، تمكنت ليبيا من إنتاج 90 ألف برميل في اليوم  فقط في أيار/ مايو وسط حرب أهلية، أي خمسة بالمئة فقط من 1.8 مليون برميل في اليوم أُنتجت في سنة 2010، بعد أن بدأت المملكة العربية السعودية وأبو ظبي وروسيا في دعم المتمردين الليبيين بقيادة خليفة حفتر.

بالإضافة إلى ذلك، تأثرت فنزويلا وإيران، المنافستان في منظمة أوبك السعودية، من الخروج الكامل تقريبا بنتائج كارثية متساوية. ويرجع هذا الخلل إلى الانقطاعات في العقوبات الأمريكية الصارمة بالنسبة لفنزويلا بالإضافة إلى سوء الإدارة الداخلية. أما  قطر فقد انسحبت تمامَا من الكتلة.

إن التدخل المباشر له هدف مزدوج لا يتمثل فقط في معاقبة الأنظمة المتمردة، ولكن كذلك مكافأة الحلفاء بجزء من الحصة في السوق. ترقب منظمة أوبك لتصبح أكثر صرامة مع بدء العمل المناخي في التآكل بسبب الطلب على النفط، كما أن تطبيق نظام الحصص أصبح أكثر حرجا.

يواجه نجاح أوبك على المدى القريب في إدارة السوق العديد من حواجز بما في ذلك مواصلة ارتفاع الأسعار، وإحياء إنتاج الصخر الزيتي الأمريكي. إن التخفيضات الحالية لأوبك جديرة بالملاحظة، إذ أنها بدأت في سنة 2017. وبصرف النظر عن الانقطاع الدائم في نيسان/ أبريل، يمكن أن تكون التخفيضات سارية طوال سنة 2022، مع تخفيضات مُدارة على طول الطريق بينما ينتعش الطلب على النفط من قيود السفر الناجمة عن الفيروس.

مثل كل شراكة، واجهت مجموعة أوبك وأوبك بلس منذ أمد طويل صعوبات كبيرة في فرض القانون وفي التعامل مع المستفيدين المجانيين. بالنسبة للرياض، فإن فوائد الانضباط جلية. هناك حاجة ماسة لارتفاع أسعار النفط لتمويل رؤية ولي العهد محمد لتحديث المملكة، في حين أن الانضباط الجيد من قبل المتخاذلين يسمح للجميع بمشاركة المصاعب داخل أوبك لكي لا تضحي السعودية بمفردها.

هل وجدت المملكة العربية السعودية أخيرا "الوصفة السحرية؟" أم أن انضباط اليوم، الذي هو نتيجة أكبر هبوط في الطلب على النفط، سيتلاشى إلى جانب الفيروس؟ من السابق لأوانه الجزم، لكن استعداد المملكة العربية السعودية الجديد للتصرف يجب أن يدفع الكسالى في أوبك إلى التفكير مرتين في الغش. ولكن في نهاية المطاف، الكثير من حرب الأسعار من شأنها أن تقوض مهمة أوبك الشاملة المتمثلة في زيادة القدرة على التنبؤ والحد من تقلب السوق. في أسواق النفط، "القليل" من الجنون يحدث تأثيرا كبيرا.

المصدر: فوربس