على غير عادته كان ظهور السبسي على قناة نسمة البارحة سريعا كرر فيه جملة ظهرت في المرة الأولى على أنها زلة لسان ولكنه عاد إلى تكرارها أكثر من ثلاث مرات مرددا:"أمام النهضة أن ترضخ إلى مطالب المعارضة قبل نهاية الأسبوع وإلا ستكون تونس مهيئة إلى سيناريو مصر".

ورغم أن هذه الكلمات شديدة الوضوح، فإنها لم تلقى صدًى يليق بخطورتها وفداحتها، فالسيناريو المصري هو انقلاب عسكري دموي يروح ضحيته الآلاف ما بين جرحى وقتلى وتدمر فيه مكونات المشهد السياسي بالكامل لتبقى مقاليد الحكم بأيدي جنرال راغب في الحكم أو جنرال يحركه مجهولون، وأما البيئة المهيَّأة لسيناريو مصر فهي الفوضى والارتباك و"التوحش".

وسأفترض في هذا التحليل أن قيادة الجيش التونسي محيّدة وغير منخرطة في أية ولاءات لأشخاص أو تيارات أو أوامر خارجية.. عندما يقول السبسي أن السيناريو المصري سيكون ممكنا في تونس فلا يمكن أن نفترض في أكبر مخضرمي السياسة في تونس جهلا بأن الجيش التونسي لا تاريخ له مع الحكم ولا مع السعي إلى السلطة وكان ولازال منشغلا في شؤونه مبتعدا قدر الامكان عن السلطة، ولا جهلا بأن الجيش المصري تاريخيا كان دوما صانعا ومحركا ومقررا للسياسة المصرية ورفض التفريط في السلطة منذ استقلال مصر وحتى اليوم.

وعندما يقول السبسي بأن تونس ستصبح مهيأة للسيناريو المصري فيجب أن لا نستهين بهذا القول، ويجب أن نفهم أن هناك من سيهيئ الظروف اللازمة ليجبر الجيش التونسي على السير في طريق شقيقه المصري، ويجب أن ندرك أيضا أن الجيش التونسي وإن كان غير راغب في إفساد الديمقراطية الناشئة في تونس فإنه غير مستعد للاضرار بأولوياته في سبيل الحفاظ عليها.

وفي عقيدة الجيش التونسي وغيره من جيوش المنطقة سنجد أن الأولوية الأولى تكون دوما للحفاظ على الأمن والاستقرار وعلى وحدة الجيش وعلى سلامة التراب الوطني من أي تدخل أجنبي، ولن نجد للديمقراطية أو لإرادة الشعوب أي مكان بين هذه الأولويات، ففي اللحظة التي ستجد فيها قيادة الجيش نفسها مخيرة ما بين الديمقراطية وسلامة ما يسمى بالأمن القومي فإنها ستقدّم طبعا مهمتها الأساسية وهي الحفاظ على الأمن القومي وستلقي بالديمقراطية عرض الحيطان والجبال والبحار.

وإن أقررنا بأن تونس كما قال السبسي غير مهيئة بعد للسيناريو المصري، فعلينا أن نعي جيدا أن تهييئها ليس بالأمر الصعب، فالبارحة كشفت وزارة الداخلية عن محادثة بين منتسبين لتنظيم أنصار الشريعة التابع لتنظيم القاعدة يناقشون فيه طرق تنفيذ سلسلة من الأعمال التخريبية لإحداث الفوضى ولتهيئة البلاد لحالة "التوحش" التي ستمكنهم لاحقا من "الانقضاض" على الدولة وتحقيق حلم "الإمارة الاسلامية".

هذا بالإضافة إلى مخططات أخرى تحدثت وزارة الداخلية عن احباطها، وهنا يجب أن نعلم أنه في حال نجاح هكذا مخططات فإن الجيش وقيادته ستكون مجبرة على استلام زمام الأمور أولا ثم على تسليم الحكم لمن يتمتع بنفوذ داخلي على مستوى الدولة العميقة وعلى نفوذ خارجي وهو الأمر الذي يحضى به السبسي من خلال توغله طيلة العقود الماضية في الدولة التونسية، ومن خلال علاقاته الدولية المتشعبة خاصة مع الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط ومع الجزائر.