انتهى السيد إلياس الفخفاخ بشكل غير متوقع وانهارت أحلام كثيرة علقت على شخصه وسياساته المعلنة منذ أعلن حكومته في نهاية شهر فبراير 2020، فهل تعمد الرجل أن يجمع بين ممارسة السلطة وممارسة التجارة مع الدولة لحسابه الخاص أم أن طاقم معاونيه أخطأ النصيحة؟ النتيجة واحدة، انتهى الرجل سياسيًا وسيكون من العسير عليه العودة من باب آخر في المدى المنظور.

لكن الفخفاخ لم يسقط وحده، إنه يجر معه الآن وفي لحظة اختيار كل الذين راهنوا عليه وأصروا على براءته من كل شبهة حتى اللحظة الأخيرة وسيدفعون بسقوطه ثمنًا سياسيًا كبيرًا قد لا يفلحون بدورهم في تحمل كلفته، هذا إن بقي المسار السياسي الحاليّ يتقدم طبقًا للدستور، حيث نلتقط في زوايا كثيرة أحاديث غير ديمقراطية منذرة بأمر جلل ونفزع بآمالنا إلى التكذيب.

سقوط أحزاب سياسية

الأحداث في تونس تتسارع بشكل دراماتيكي، لذلك فإن كل جزم بموقف أو خلاصة يعتبر عملًا متسرعًا لا ينير سبيل القارئ المتابع، لكن يمكن تقديم أفكار أولى وانتظار التفاعلات الجارية عن خليفة السيد الفخفاخ الذي سيظهر اليوم أو غدًا، لكن الثابت أن من كانوا عصب حكومة الفخفاخ لن يكون لهم نفس القيمة في حكومة خلفه، ونعني هنا حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحزب تحيا تونس (يوسف الشاهد).

أمامنا الآن خريطة سياسية جديدة يتشكل فيها صفان مختلفان وبينهما مناوشات عدائية يصعب معها توليف عمل سياسي قابل للبقاء، الصفان أفرزتهما انتخابات 2019 وظهرا في تشكيل حكومة السيد الحبيب الجملي التي ماتت في المهد لتعوضها حكومة الفخفاخ القائمة أصلًا على خلاف نتيجة الصندوق الانتخابي، فالحزب الأول منع من ترؤس الحكومة ومنعت عنه أهم الحقائب الوزارية، وكانت تنازلاته هي الباب الوحيد لنمر من الانتخابات إلى الحكومة. 

هذا الوضع غير الدستوري جعل الأحزاب الأضعف في البرلمان هي الأقوى في الحكومة خاصة أن عنصرًا آخر تدخل بثقله في التوليف تدخلًا غير دستوري هو الرئيس الذي لم يخف انحيازه لأطراف سياسية دون أخرى، وكان يمكن لهذا الوضع أن يستمر ويفرض خياراته خاصة أنه حصل رصيدًا اعتباريًا في مواجهة وباء كورونا، لكن الوضع تفجر من داخله بظهور قضايا تضارب المصالح الذي وقع فيه رئيس الحكومة.

من فجر الألغام تحت أقدام الحكومة ورئيسها وأنصاره المقربين؟ يقال كلام كثير هنا، لكن المعلومات لم تنكشف كلها، وستطوي الأحداث المتسارعة تفاصيل كثيرة لكن النتيجة ماثلة، الذين استقووا بالفخفاخ وبالرئيس يجدون أنفسهم من جديد بلا سند حكومي ويعودون إلى وضع ما قبل حكومتي الجملي والفخفاخ، أقلية برلمانية لا يسمح لها وزنها بفرض شروطها القديمة.

لقد حملهم الفخفاخ إلى هذا الوضع وزاد الأمر سوءًا أنهم رفضوا مواجهة الحقيقة، فإصرارهم على إنكار الشبهات حملهم المزيد من الكلفة وقد وصلوا متأخرين ليطلبوا من رئيس الحكومة إحالة مهامه إلى غيره، ليكون هناك تحقيق قضائي سليم، لم يستجب ولم يقدم لهم ورقة مناورة فزاد في تعميق أزمتهم.

سقوط خيارات وأفكار 

نموذج السيد الفخفاخ مثل سلفه الشاهد هو نموذج من نماذج أو تقليعة الفتيان الذهبيين (Golden boy)، يقدمهم الإعلام للناس على أنهم خبرات فعّالة في مجالات الحكم والحوكمة لأنهم حصلوا تكوينًا في جامعات أجنبية ومارسوا الإدارة في شركات كبرى أو مخابر علمية ذات صيت عالٍ بما ينتهي غالبًا إلى تحقير الخبرة التونسية ويضعها في موضع الدونية، كما أنه يقدم نفسه كنقيض عملي احترافي للشخصية السياسية المحترفة الفاقدة للتكوين العلمي مرة باسم التكنوقراط ومرة باسم ترذيل السياسة وإعلاء الخبرة الفنية.

رغم هذا السقوط، فإننا ما زلنا نلتقط خطابات جاهلة تمجد هذه النماذج وتقترحها من موقع الاعتراض الدائم على الحزب الذي لديه طاقم سياسي لإدارة البلد

هذا النموذج ظهر دومًا مع المواسم الانتخابية بعد الثورة، ووجدت فيهم الأحزاب الصغيرة الفقيرة إلى القاعدة الشعبية حلًا لمواجهة الحزب الذي يملك أن يقدم شخصية سياسية للحكم، فحكومة التكنوقراط في تونس حتى الآن كانت بالقوة حكومة مواجهة حزب النهضة الذي يقدمه الصندوق فلا يحكم (نموذج مهدي جمعة هو خلاصة سياسية).

سقط هذا النموذج بسقوط الفخفاخ وانطفاء أنوار الشاهد الذي كشف أنه ليس أكثر من تاجر مناصب يوزعها على شلته وأرقامه الاقتصادية تدينه وقد ترك خلفه أزمات لا يمكن حلها منها أزمة الوعود الكاذبة التي أطلقها في الجنوب بتشغيل لا تقدر عليه أعتى الحكومات.

رغم هذا السقوط فإننا ما زلنا نلتقط خطابات جاهلة تمجد هذه النماذج وتقترحها من موقع الاعتراض الدائم على الحزب الذي لديه طاقم سياسي لإدارة البلد، لكنه حديث في الوقت الضائع، فسقوط الفخفاخ هو سقوط الفتيان الذهبيين وأطروحة الخبير المتعلم في جامعات غربية.

سقوط شعار مقاومة الفساد

مجريات انكشاف الفخفاخ أسقطت شعارات مقاومة الفساد، فقد تألفت أحزاب على أساس من هذا الشعار ونالت أصواتًا كثيرة وفي مقدمتها حزب التيار، وكان لقاء مقاومي الفساد مع الفتى الذهبي وعدًا بتصفية جيوب الفساد والتقدم على مسار دولة قوية وعادلة، لكن تبين أن حاميها حراميها، والأعلى صوتًا ضد الفساد رفض مواجهة حقيقة مفزعة أنه مشترك مع مشبوه ومصر على بقائه في الحكم. 

فقد الناس بسرعة ثقتهم في مقاومي الفساد (الثمن سيدفع قريبًا) وزاد سقوطهم في تعميق الفجوة بين الناس والطبقة السياسية (الكذابة)، من يمكن أن يعيد شعار مقاومة الفساد إلى الساحة؟ هذه إحدى الخسارات الكبيرة التي جرها الفخفاخ وحزامه السياسي المقرب على البلد، يمكن للفساد أن يمد رجله وأن يفرض شروطه بل يمكنه المزايدة على كل من يجرؤ أن يعلن مشروعًا سياسيًا قائمًا على مقاومة الفساد.

لقد سقطت مصداقية طبقة سياسية شابة وطموحة بسرعة غير متوقعة وانكشف قصور فهمها لما يجري بالبلد لأن منطلقها قام على سوء نية سياسية تجاه شريك حكم، فكان البحث جاريًا عن ملفات فساد لحزب النهضة فظهرت الملفات عند الفخفاخ.

نقف هنا وننتظر حكومتنا القادمة بلا شعارات مثقوبة وندعو أن لا تتحول كوابيس الرئيس إلى حقيقة، فنحن نصر حتى اللحظة على التداول في الشأن العام ضمن سياق ديمقراطي، لكن تلميحات الرئيس إلى تفجير الدولة من الداخل دون تفصيل يجمدنا من الخوف على تجربتنا وعلى البلد برمته.

نتمنى أن يكون خطاب التخويف مجرد صرف نظر عن المسؤولية في اختيار الفخفاخ، فالخسارة الكبرى هي خسارة من اختاره ويرفض تحمل كلفة الاختيار، وهو ما نؤجل الحديث فيه إلى ورقة لاحقة.