تهريب ذهب إفريقيا للإمارات يؤجج النزاع داخل القارة

"كميات كبيرة من الذهب تغادر إفريقيا دون قيدها في سجلاتنا.. والإمارات تتربح من البيئة غير الخاضعة للتنظيم في إفريقيا".. بهذه الكلمات الصادرة في 26 أبريل/نيسان 2019، كشف كبير المستشارين في مجال التنمية الصناعية بالاتحاد الإفريقي، فرانك موجيني، النقاب، عن الدور الإماراتي الواضح في نهب ذهب القارة الإفريقية بالطرق غير المشروعة.

المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط، كشف اليوم 25 يوليو/تموز 2020 فتح السلطات السويسرية تحقيقًا رسميًا في كواليس نهب الذهب من مناطق النزاع والتوتر السياسي والأمني في القارة الإفريقية وفي مقدمتها السودان وغانا وتنزانيا وزامبيا، وتهريبه إلى الإمارات.

المجهر أوضح أن مثل تلك الجرائم تعد واحدة من أخطر الأزمات التي تواجهها تلك الدول التي تعاني بطبيعة الحال من غياب الاستقرار، لما لتلك الممارسات من تداعيات سلبية على اقتصادها الوطني وحرمان تلك الشعوب من أحد أبرز موارد النقد الأجنبي، ما يعمق الوضع المتأزم ويقلل فرص الحل.

استندت السلطات السويسرية في خطوتها تلك لنتائج تحقيقين لمنظمتين غير حكوميتين في سويسرا، كشفا عن تحويل دبي إلى بوابة كبيرة لنقل ذهب مناطق التوتر في إفريقيا إلى مصاف التكرير السويسرية، لافتة إلى أن شركة "ميتالور" (METALOR) - وهي إحدى كبريات المصافي السويسرية المتخصصة في تكرير وصقل الذهب - تعهدت بعدم استيراد هذا المعدن من دبي بسبب استحالة تتبع مصدره، حسبما أشار المجهر الأوروبي.

التهريب غير المشروع للذهب الإفريقي ليس تهمة جديدة على دبي، فسجلات الإمارة مليئة بالعديد من الصفحات الخاصة بهذا النوع من التجارة الحرام، الذي يؤكد يومًا تلو الآخر أن دبي التي طالما يتباهى حكامها بأنها مركز للتجارة العالمية تحولت في المسار الموازي إلى حاضنة للأعمال المشبوهة وقبلة لجرائم الفساد وغسيل الأموال التي تتم تحت عباءة البيزنس والاستثمارات، بحسب التقارير الدولية.

نهب ذهب إفريقيا

تعرضت القارة الإفريقية ولا تزال لحملات نهب ممنهجة لمواردها الاقتصادية والبشرية، سواء على أيدي الاستعمار الغربي القديم أم الغزاة الجدد، بداية من تصدير العبيد قديمًا ومن بعدهم المرتزقة، وصولًا إلى تهريب موارد القارة وثرواتها الطبيعية.

وعلى درب القوى الاستعمارية القديمة كبريطانيا وبلجيكا وفرنسا، المستنزفة لمقدرات القارة، سارت أبو ظبي لتعيد عملية الاستنزاف مرة أخرى رغم انتهاء الاستعمار التقليدي قبل عدة قرون، وذلك عبر استغلال النزاعات الموجودة داخل بعض الدول لتهريب ذهبها إلى الأسواق في أوروبا والولايات المتحدة.

ذهب

في أبريل/نيسان 2019 نشرت وكالة "رويترز" تحقيقًا استقصائيًا فضح وجود عمليات تهريب كبيرة للذهب الإفريقي عن طريق الإمارات، لافتة إلى أن جزءًا كبيرًا من حجم العنصر المهرب يتم تصديره للأسواق الخارجية فيما يتم الاتجار بالباقي داخل السوق الإماراتية.

التحقيق الذي استند إلى البيانات المسجلة على "كومتريد" (وهي قاعدة بيانات إحصاءات التجارة الدولية للأمم المتحدة) عام 2016، واستمر إعداده قرابة 15 شهرًا، كشف أن حجم تجارة الذهب المهرب للدولة الخليجية بلغ نحو 15.1 مليار دولار، طبقًا لبيانات جمركية رسمية، منوهًا أن معظم تلك الكميات التي تم تهريبها لم يتم تسجيلها في سجلات صادرات الدول الإفريقية، ما يعني أنها غادرت بلدانها دون دفع الضرائب المستحقة لسلطاتها.

لم تكن الإمارات المنفذ الوحيد لتلك الكميات المهربة من الذهب، حيث شاركها في هذا الدور دول أخرى مثل الصين وسويسرا، لكن دبي كانت القبلة الأكثر حضورًا والأكبر حجمًا من حيث نصيبها من إجمالي المهرب، بحسب التحقيق الذي استند إلى "نفي شركات التعدين الصناعية في إفريقيا، إرسالها ذهبًا إلى الإمارات، على أساس أن وحدات التنقية بها غير معتمدة لدى رابطة سوق لندن للمعادن النفيسة، التي تتولى وضع المعايير للصناعة في الأسواق الغربية" كأحد الأدلة الثبوتية على خروج المعدن بصورة غير رسمية.

التحرك السويسري للتحقيق في النهب الإماراتي لذهب المناطق التي تشهد نزاعات داخل إفريقيا، خطوة ليست بالجديدة، لكنها تفند وبشكل كبير الادعاءات الإماراتية بتبرئة ساحاتها من تلك الاتهامات

تغذية النزاع في مناطق التوتر

التجارة الحرام في الذهب الإفريقي تتجاوز حاجز التربح المادي عبر تصديره للأسواق الأوروبية والأمريكية إلى ما هو أخطر من ذلك، حيث امتدت إلى مناطق الصراع داخل القارة، وهي المسألة التي تحظرها القواعد الدولية خشية ما يترتب عليها من تغذية لتلك النزاعات التي قد تصل إلى حد الحروب الأهلية.

العديد من الشواهد التي ساقها تحقيق الوكالة الإنجليزية يكشف الأبعاد الخفية وراء تهريب الذهب من المناطق التي تشهد نزاعات دموية، البداية كانت من ليبيا وتحديدًا في الفترة التي تلت اندلاع الثورات العربية في 2011، حيث تم تهريب ذهب بقيمة 3 مليارات دولار، تراوحت كميته بين 50 و55 طنًا.

وفي جنوب السودان كان الوضع أكثر خطورة، حيث استغلت دبي الحرب المستعرة داخل هذا البلد للحصول على موارده الذهبية بطرق غير شرعية عن طريق بعض الفصائل المتناحرة، وهو ما عبر عنه العديد من المسؤوليين السودانيين، متهمين دبي بالحصول على النصيب الأكبر من حصيلة التهريب.

وفي الفترة من (2012-2014) تم كشف كميات كبيرة من الذهب المستخرج بطرق غير شرعية في ليبريا والكونغو الديمقراطية، عن طريق شركة "كالوتي" الإماراتية التي تمتلك نحو 50% من سوق تكرير الذهب في دبي، علمًا بأن هذه ليست المخالفة الأولى لتلك الشركة، إذ سبق أن تورطت في عمليات تهريب الذهب من المغرب إلى داخل الدولة الخليجية.

الملف برمته عُرض على القضاء البريطاني في 2017، حين اكتشف فريق من مؤسسة "إرنست ويونغ" أن الذهب المهرب للإمارات يتم استيراده من بعض دول القارة على أنه فضة، وذلك لتجنب القيود المفروضة في تلك الدول ومنها المغرب على تصدير الذهب، هذا بجانب العديد من الأدلة الأخرى على تورط دبي في عمليات أخرى من هذا القبيل.

تهريب الذهب يؤجج النزاع في إفريقيا

التجارة غير الشرعية للذهب وتهريبه يؤججان الصراع في إفريقيا

في 12 من يونيو/حزيران الماضي كشف التقرير السنوي للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي، استحواذ دبي على نصيب الأسد من عمليات تهريب الذهب من الكونغو الديمقراطية، وهو ما يحرم الكونغوليين من العوائد الضريبية التي كانوا سيحصلون عليها لو تم التصدير بالشكل القانوني.

التقرير أوضح كذلك أن حصيلة تهريب الذهب لدبي تذهب لصالح الصراع الدائر شرقي البلاد، ما يقلل جهود الاحتواء والمصالحة، فتوفير الدعم والتمويل اللازم لشراء السلاح من القبائل المتناحرة، يزيد من تأزم الوضع ويجعل دبي شريكًا أساسيًا في تأجيج الصراع.

يذكر أن حجم صادرات الكونغو من الذهب - رسميًا - 39 كيلوغرامًا تقريبًا، في حين يبلغ حجم الإنتاج الرسمي أكثر من 333 كيلوغرامًا، وفقًا لإحصاءات رسمية هناك، تذهب معظمها في أيدي بعض التيارات السياسية المتصارعة التي تستخدمها في تسليح قواتها ضد الفصائل الأخرى.

التحرك السويسري للتحقيق في النهب الإماراتي لذهب المناطق التي تشهد نزاعات داخل إفريقيا، خطوة كما قلنا سابقًا ليست بالجديدة، لكنها تفند وبشكل كبير الادعاءات الإماراتية بتبرئة ساحاتها من تلك الاتهامات التي توثقها التقارير الدولية المختلفة، تلك التي أكدت أن التجارة غير المشروعة باتت أحد المصادر الأساسية لاقتصاد الدولة.

إحصاءات التجارة الدولية للأمم المتحدة"كومتريد" خلال الفترة من 2006 إلى 2016 كشفت تزايد حجم وقيمة الذهب المستورد من دول إفريقيا للإمارات من 18% إلى ما يقرب من 50% ذلك وفق التقارير الرسمية للدولة الخليجية، بخلاف ما لم يتم إعلانه رسميًا، فيما جاءت القارة الإفريقية على رأس الأسواق المنعشة لتجارة أبو ظبي الحرام، ولو كان ذلك على حساب استقرار دول وشعوب تعاني من ويلات الحروب وتفاقم الأزمات الداخلية لديها.