طوال عقود من الزمن ظلت التوقعات المتعلقة بحلول الإنسان الاصطناعي محل البشر حبيسة كتابات الفلاسفة وخيالات الفنانيين وعقول العلماء، وكلما تقدمت التكنولوجيا وازداد الاعتماد عليها في تسيير حياتنا زادت التوقعات وأصبحت أكثر واقعية، وها نحن مع استمرار نضج الذكاء الاصطناعي نشهد نموًا متطابقًا في التطور للروبوتات البشرية وتطبيقات الإنسان الرقمي في العديد من جوانب الحياة المعاصرة.

على الرغم من أن أقدم شكل من أشكال الإنسان الاصطناعي أنشأه ليوناردو دافينشي عام 1495 وكان عبارة عن بذلة ميكانيكية مدرعة يمكن أن تجلس وتقف وتمشي، فإن الروبوتات البشرية اليوم أصبحت أكثر قربًا من البشر، فقد شهدت السنوات الماضية العديد من محاولات تطوير إنسان اصطناعي يحاكي البشر في تصرفاتهم ويشبههم في الشكل الخارجي ويؤدي مهام شديدة الصعوبة لا يؤديها إلا إنسان حقيقي.

ويعد مشروع سامسونج Neon أحدث هذه المحاولات لتطوير إنسان اصطناعي يؤدي المهام البشرية حيث يطابق السلوك الإنساني والهوية البصرية للبشر، ويمكنه إظهار العواطف والتمتع بالذكاء البشري، وحسب سامسونج فإن "إنسان نيون" لا يمكن تمييزه عن البشر الحقيقيين.

ما هو مشروع نيون (Neon)؟

حسب سامسونج فإن نيون الذي طورته مختبرات سامسونج للتكنولوجيا والبحث المتقدم المعروفة باسم "STAR Labs" هو عبارة عن صور رقمية معالجة بالحاسوب تهدف إلى محاكاة المظهر والعواطف الإنسانية الحقيقية، فهو رفيق نابض بالحياة، وله شخصيته الخاصة ويمكنه التحدث والتصرف مثل البشر، كما يمكنه أيضًا أن يتذكر ويتعلم ويتقن التصرفات البشرية بأكملها.

صورة

حسب المدير التنفيذي لشركة نيون Pranav Mistry فإن شخصيات نيون أشبه بنا ويمكن القول إنها كائنات حية أيضًا مستقلة ولكنها افتراضية، يمكنها إظهار العواطف والتعلم من التجارب، ووفقًا لرؤية المؤسس فإنهم يشبهون أنواعًا جديدة من الحياة مرتبطة ببعضها البعض ولكنها مختلفة عن البشر.

كيف تعمل شخصيات نيون (Neon)؟ 

تعمل شخصيات نيون بواسطة تقنية "CORE R3"، التي تقول سامسونج إنها مستوحاة من التعقيدات في الطبيعة وتعمل على خلق شخصيات رسومية نابضة بالحياة وتتعلم من البشر، وتعمل التقنية من خلال ثلاثة مبادئ أساسية:

  • سرعة الاستجابة: حيث تكون سرعته في الاستجابة للأوامر ميكروثانية أو جزء من مليون جزء من الثانية الواحدة.
  • الواقعية: حيث تظهر بهوية بصرية لا تختلف عن هوية الإنسان بل تتطابق تمامًا بحيث لا نستطيع تفريقها عن البشر.
  • الاستجابة للعواطف الإنسانية مثل الابتسام والبكاء والفرح والحزن والأحاديث والتعبيرات الأخرى.

تعتمد شخصيات نيون على تقنية "CORE R3" التي تستفيد من التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي وتقنية "CGI" التي جعلت الصور البشرية الرقمية بالتأكيد نابضة بالحياة بشكل متزايد، وتعتبر هذه التقنيات جوهر المشروع في الأساس، حيث استفادت "CORE R3" منهما في إنشاء تعبيرات وحركات ومربعات حوار جديدة بشكل مستقل عن البيانات التي يتم التقاطها، فتمكنت من إنشاء شخصيات بشرية افتراضية مثل موظفي الاستقبال والمستشارين الماليين والمدرسين ومقدمي الرعاية الصحية والمذيع التليفزيوني والنجم السينمائي والقائمة تطول.

صورة

هل شخصيات نيون (Neon) مساعدات شخصية؟

قد يظن البعض أن نيون مجرد بوت محادثة ChatBot أو مساعدات شخصية، لكن سامسونج نفت ذلك وأعلنت أنها تريد أن تكون أكثر واقعية وإنسانية وليست مجرد مقدمي خدمة أو للإجابة عن التساؤلات، خاصة أن بوتات المحادثة تشوبها بعض العيوب خاصة عند دمجها مع الصور الرمزية، مما يؤدي لبطء المحادثة والتوقف المتكرر ومحدودية الأداء.

أما بالنسبة للمساعدات الشخصية مثل سيري من أبل ومساعد جوجل وأليكسا من أمازون وغيرها فرغم تطورها الكبير في السنوات الماضية تظل مجرد تطبيقات يتم دمجها في أنظمة الحواسيب والهواتف، ورغم اعتمادها على الصوت البشري في أداء مهامها، فإن غياب الصورة يفقدها بعض الحميمية في التعامل مع المستخدم، على عكس شخصيات نيون التي تتمتع بميزات المساعدات الشخصية وتستفيد من التطورات الهائلة التي طرأت أخيرًا عليها، لكن تتمتع بصورة بشرية ويمكنها التعامل معنا كبشر حقيقيين وتستطيع أن تفهم ما نريد بسهولة.

هل يمكن تخصيص شخصيات نيون (Neon)؟

على عكس الألعاب مثل The Sims أو حتى ملصقات Memoji من أبل على أجهزة آيفون وأيباد لن تتمكن من اختيار شكل النيون الخاص بك أو تخصيصها كما تريد، حيث ستصل إلى شاشاتك مطورة بالكامل ولن تتمكن من تغييرها، فالمعنى الضمني أن الشركة تريد إبقاء التركيز أكثر على التفاعلات التي لديك مع نيون وأقل على الجوانب السطحية مثل المظهر.

وحسب سامسونج فإنك عندما تبني صداقة جديدة فسوف يكون تركيزك على تلك الصداقة وليس على شكل الصديق، فالهدف من شخصيات نيون أن تكون أكثر من مجرد مساعد شخصي لك ولكن صديق بالمعنى الحرفي للكلمة.

شخصيات نيون ومخاوف الخصوصية

رغم أن شركة سامسونج ترى أن هذه التقنية تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة والأمان، فإن مخاوف الخصوصية تتزايد خاصة مع المساعدات الصوتية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ومن هذا المنطلق تدعي سامسونج أن الخصوصية جوهر تصميم الذكاء الاصطناعي، وتقول الشركة إن كل معالجة للغة تحدث على الجهاز وجميع سجلات التفاعل مع النيون تبقى خاصة، وتؤكد أنها لن تشارك معلوماتك الشخصية أبدًا دون إذنك.

مثل صديق حقيقي ترتبط ذكريات التفاعل بنيون واحد محدد، وإذا كنت تتفاعل مع نيون جديد، فلن تتمكن من المتابعة من حيث توقفت مع النيون السابق، أنت تبدأ من جديد، كما لو كان شخصًا جديدًا تقابله.

ما زال المشروع  في بداياته، ولم تعط سامسونج تفاصيل أكثر عن المشروع وهل سيتوافر كتطبيق أم سيتم دمجه داخل الأنظمة، ومع ذلك فإن المشروع يعتبر تطورًا كبيرًا في الوقت الحاليّ ولمحة لما سيكون عليه مستقبل التكنولوجيا والإنسان الاصطناعي.