من مباراة نادي الميادين ضد نادي كلجبرين في دوري نبع السلام

تصوير: سعد الحاج

لم تكن رحلة تهجير أبناء المنطقة الشرقية إلى الشمال السوري تشبه غيرها من رحلات تهجير السوريين من جنوب ووسط سوريا، فمعظم رحلات التهجير تمت عبر اتفاقيات عسكرية مع جيش الاحتلال الروسي وتشابهت بنودها غالبًا، خاصة في ما يخص نقل المهجرين عبر حافلات النقل الداخلي إلى مناطق تهجيرهم في الشمال السوري، فيما بات يعرف بظاهرة "الباص الأخضر" نسبة للون معظم حافلات النقل الداخلي المستخدمة في النقل.

أما بالنسبة لأهالي الشرقية فالمشهد كان مختلفًا تمامًا، فالأهالي الذين كانوا يعيشون تحت احتلال تنظيم داعش لم يكونوا يمتلكون "ميزة" التفاوض مع الغزاة، فاضطروا للخروج من مناطقهم تحت جحيم طائرات روسيا هربًا من جحافل مليشيات إيران وقوات نظام الأسد، وفوق الألغام التي زرعها التنظيم، متوارين عن دورياته التي نشرها لمنع المدنيين من مغادرة المنطقة، وانتهاء بقوات قسد التي استقبلتهم بالحواجز ومخيمات الاعتقال، في رحلة قطعها بعض أبناء المنطقة مشيًا على الأقدام.

ومنذ العام 2017 بات أبناء الشرقية في منطقة ريفي حلب الشمالي والشرقي، يشكلون أكبر مجتمع من المهجرين فيها، متوزعين على مدن وبلدات المنطقة، ومحاولين بدء حياة جديدة تمكنهم من تدبر معيشتهم.

نادي الميادين الرياضي - التأسيس الثاني

أما بالنسبة لسامر مهيدي المحمد من أبناء مدينة الميادين التابعة لمحافظة دير الزور شرق سوريا، فقد أخذ على عاتقه مهمة مختلفة عن بدء حياة جديدة خاصة به، حيث عمد أبو ماريا - كما يعرفه أبناء مدينته - إلى تجميع الرياضيين من أبناء نادي الميادين الرياضي المؤسس عام 1975م، والنازحين في مدينة الباب شرقي حلب كبداية، ليعيدوا تأسيس ناديهم مطلع نوفمبر/تشرين الثاني بعد فترة انقطاع عاشها النادي منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011.

صورة

سامر مهيدي المحمد (أبو ماريا) في أثناء تغطية إحدى مباريات نادي الميادين
 

آنذاك كانت الملاعب الوحيدة الموجودة في المنطقة هي ملاعب كرة القدم السداسية الترابية، لذلك كانت اللعبة الأولى التي بدأها النادي لعبة كرة القدم ضمن الملاعب السداسية، بأول تشكيلة للنادي معتمدة على لاعبين لعبوا في عدد من الفئات العمرية ضمن النادي سابقًا أو حتى في أندية الأحياء الشعبية في مدينتهم قبل النزوح، حيث بدأوا يستأجرون ساعات ضمن بعض الملاعب على أطراف مدينة الباب، للتدريب ورفع اللياقة البدنية للاعبين بعد سنين انقطاع، معتمدين على تبرعات رمزية كان يدفعها بعض أبناء المدينة المهجرين.

وفي أول بطولة شهدتها المنطقة لأندية كرة القدم (6 لاعبين) بتنظيم من وحدة تنسيق الدعم ACU، على ملعب الشيخ علوان السداسي في مدينة الباب، تمكن الميادين من حصد اللقب، بعد فوزه في المباراة النهائية على نادي مارع الرياضي (3 - 2)، ثم ولثلاثة بطولات تلتها نظمها أصحاب المنشأة أنفسهم، مع بطولة خامسة أقيمت في ملعب الفيحاء ذاع صيت (نادي الميادين الرياضي) في المنطقة الذي تمكن من تصدرها جميعها.

صورة

بطولة الملاعب السداسية الرابعة التي حصدها نادي الميادين
 

يذكر أبو ماريا أن اللباس الذي اشتراه النادي للّعب في البطولة الأولى كان من "البالة"، وهي أسواق اللباس المستعمل التي تنتشر اليوم في الشمال السوري بشكل كبير نظرًا لسوء الأحوال المعيشية، حيث يكرر أبو ماريا عبارة "الغيورون والمحبون" عندما يتحدث عن أبناء المدينة الذين يجمعون للنادي تبرعات بسيطة تساعده على الاستمرار.

أعادتني عبارة أبو ماريا تلك لأيام الطفولة التي كنت أشاهد فيها إداريي النادي يجولون أسواق مدينة الميادين مرورًا بأصحاب المحلات والأعمال التجارية لجمع التبرعات لنادي المدينة الفقير، على غرار عشرات الأندية السورية التي كان تمويلها يأتي غالبًا من تبرعات شبيهة، ربما باستثناء بعض الأندية الكبرى التي تملك استثمارات تمولها.

صورة

اللباس الموحد الأول لنادي الميادين الذي حصد به أولى بطولات المنطقة
 

الدوري التصنيفي الأول - الباب

في العام 2018 وبعد تأسيس المجالس المحلية في المنطقة وترميم الملاعب الرياضية التي تسمح بلعب فرق بـ11 لاعبًا، بدأت المكاتب الرياضية التابعة لها إعلان تسجيل الأندية تحضيرًا للدوريات التصنيفية التي ستحدد بها مستوى الأندية التي ستوزعهم على درجتين، ثم وفي أواخر العام نفسه انطلق الدوري التصنيفي الأشد منافسة في المنطقة بمدينة الباب، كونها شكلت أكبر تجمع سكاني في المنطقة كمدينة، ضامة عددًا كبيرًا من مجتمعات المهجرين، إضافة إلى اتساع المنطقة التي تتبع لها إداريًا.

شارك نادي الميادين - أو صقور الفرات كما يحلو لمشجعيه تسميته - في الدوري التصنيفي، منافسًا عددًا من الأندية، متمكنًا بصعوبة من إحراز لقب الدوري بعد تساوي النقاط بينه وبين نادي الباب ومتفوقًا عليه بعدد الأهداف.

صورة

فرحة لاعبي نادي الميادين بعد إحرازهم هدفًا
 

إلا أن أكثر ما يميز هذه البطولة لم تكن المنافسة الشرسة فقط بين الأندية، وإنما الحضور الجماهيري المميز لجل الأندية، وبشكل خاص لنادي الميادين الذي ملأ مشجعوه المدرجات في كل مبارياته، فكان أبناء المنطقة الشرقية المهجرون في مدينة الباب يجتمعون في المدرجات هاتفين له كهتافاتهم لأنديتهم سابقًا.

صورة

جمهور نادي الميادين في أثناء الدوري التصنيفي بمدينة الباب 2018 - 2019

الألعاب الأخرى

لم يقتصر نشاط نادي الميادين الرياضي على لعبة كرة القدم وفريقه المميز فيها، الذي تمكن من إحراز لقب كل بطولة شارك فيها حتى الآن، بل افتتح النادي ألعاب (الشطرنج وتنس الطاولة والسباحة والكرة الطائرة)، فأحرز المركز الثالث ببطولة تنس الطاولة التي أقيمت في مدينة الباب، أما في بطولة الكرة الطائرة الوحيدة التي أقيمت في المنطقة فقد تمكن النادي من إحراز بطولتها، نظرًا لضم فريقه لاعبين ومدربين مميزين لعب بعضهم ضمن صفوف المنتخب السوري سابقًا.

وحتى اليوم، ورغم عدم تكرار بطولات أخرى في المنطقة، فإن الفريق يكمل تدريباته في مدرسة ضمن بلدة قباسين التي تبعد عن مدينة الباب 10 كيلومترات، يقطعها الفريق مرتين أسبوعيًا للحفاظ على مستواهم بتمويل ذاتي أيضًا.

صورة

فريق الكرة الطائرة - نادي الميادين الرياضي

دوري نبع السلام

تضم منطقة ريفي حلب الشمالي والشرقي اليوم 3 مناطق أساسية هي (الباب - إعزاز - عفرين) وكل من هذه المناطق تتبع إحدى الولايات التركية الجنوبية إداريًا، وهو ما سبب غياب تشكيل اتحاد رياضي عام في المنطقة يدعم الأندية أو يشرف على تنظيم الرياضة فيها، حيث تقيم كل منطقة دوريًا خاصًا بها للدرجة الأولى، واختار نادي الميادين المشاركة فيها ضمن دوري "نبع السلام" المقام في منطقة إعزاز وريفها، متمكنًا مؤخرًا من الحصول على لقبه بفارق 8 نقاط عن أبرز منافسيه.

حيث كان من المفروض أن يحصل الفائز على معسكر تدريبي داخل الأراضي التركية، لكن جائحة كورونا التي ضربت العالم أجلت هذا المعسكر، كما فعلت في مختلف بلدان العالم.

تضم منطقة ريفي حلب الشمالي والشرقي عشرات الفرق والأندية التي أسسها المهجرون إلى المنطقة، وتعتمد جميعها على دعم ذاتي في تمويل نفسها، كما تضم أيضًا فرقًا أخرى من أبناء المنطقة الأصليين التي يعتبر وضعها المادي أفضل نسبيًا، لكن المنطقة ككل تعاني من ضعف في رعاية العمل الرياضي فيها، رغم الخبرات الكبيرة التي تضمها من مدربين ولاعبين دوليين سابقين، أو حتى من مواهب واعدة تحتاج رعاية أفضل.