لازالت ردود الأفعال تحاول اختراق غموض الموقف ومعرفة السبب الحقيقي خلف تفجير مرفأ بيروت، الذي يعادل عُشر القوة التفجيرية للقنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية بحسب تقديرات أمنية، غير أن هناك مواقف ترتبت على ماحدث، وأصبحت تمثل تفجيرات آخرى لاتقل في تأثيراتها على قواعد لعبة السياسة في المنطقة، وخاصة تمرير حزب الله تبرئة إسرائيل من المسئولية عن الحدث، واعتماد رواية تل أبيب التي نفت مسئوليتها من قريب أو بعيد.  

تبرير ناعم لإسرائيل .. ما السبب ؟ 

الانفجار الذي أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف، مع تقديرات مبدئية لخسائر مادية بلغت حوالي 4 مليارات دولار، وحسب الروايات الرسمية انفجر حوالي  2750 طنا من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة بشكل غير آمن في مستودع بميناء بيروت لمدة ست سنوات بعد تفريغها من سفينة حُجزت في عام 2013، ورغم المكاتبات العديدة إلى القضاء لتصدير المادة الكيميائية أو بيعها لضمان سلامة الموانئ، إلا أن الطلب لسبب غير مبرر قضائيا حتى الآن، لم يتم الفصل فيه، حتى حدثت الكارثة. 

من أول لحظة للإنفجار البشع، كانت إسرائيل هي المتهم الأول باستهداف الميناء وتنفيذ ضربة ضد إيران وذراعها السياسي والعسكري حزب الله اللبناني، ودعمت السوشيال ميديا العربية من المحيط للخليج هذه الفرضية، واتهمت الكيان الصهيوني بالوقوف خلف الكارثة، ولم تكترث بنفي مسؤول عسكري إسرائيلي كبير لوكالة رويترز الاتهامات في الساعات الأولى للإنفجار قائلا بوضوح:  لا علاقة لنا بالحادث.

ما قاله المسئول العسكري، تبعه تدوينات متتالية من أفيخاي أدرعي، المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي، أعلن فيها التضامن مع لبنان بإضاءة مبنى بلدية تل أبيب بألوان العلم اللبناني، مرورا بتقديم عروض للمساعدة في الجهود الإنسانية والطبية، إلا أن كل هذه المحاولات بائت بالفشل لإقناع الشارع العربي ببراءة إسرائيل.

 

 

رفض الرأي العام العربي للرواية الإسرائيلية له مبرراته، خاصة أنها تورطت كثيرًا في أحداث غامضة من نفس النوع، ولهذا فالشك هو في مصداقية إسرائيل حتى يثبت العكس، هو الأنسب للعرب حتى يعرفوا المسئول الحقيقي عن هذه المأسأة، خاصة أن الغالبية يعرفون جيدا عدم مجازفة إسرائيل باستدراج الحزب القوي لحرب صفرية، ولكن المفاجأة الكبرى في اعتماد حزب الله نفسه للرواية الإسرائيلية ونفي مسئوليتها عن الانفجارات . 

تهرّب الحزب من توفير أي إجابات على كل الأسئلة التي طرحت عليه، بشأن مسئولية إسرائيل عن الانفجار الذي وقع، خاصة أن هناك اتهامات من مستويات سياسية لبنانية رفيعة المستوى لتل أبيب بالوقوف خلف ما حدث، وعلى رأس هؤلاء إيلي الفرزلي نائب رئيس مجلس النواب اللبناني.

photo

لكن حزب الله ينفى بشكل واضح أن يكون الانفجار استهداف إسرائيلي للموقع، وهو تفسير سياسي قبل أن يكون أمنيًا، ولاسيما أن جهات التحقيق لازالت تحاول الوصول إلى فك اللغز، ومن هو صاحب المكسب الحقيقي في بقاء الشحنة لأعوام متتالية في ميناء بيروت، ورفض تحريكها إلى أي مكان آخر !

جمود موقف الحزب تجاه إسرائيل

رغم تبدل المواقف خلال الساعات الماضية، وتوقع البعض حدوث تصعيدات محلية وإقليمية على خلفية تفجير المرفأ، إلا ان موقف حزب الله البارد تجاه إسرائيل لايزال محل تساؤلات وكالات الأبناء المحلية والعالمية، ولهذا تعددت التفسيرات وجميعها يؤكد على حقيقة واحدة: "حزب الله لايريد الذهاب إلى حرب إقليمية جديدة"، ولا يريد استفزاز إسرائيل، أو التلويج حتى بمسئوليتها عن ما جرى سواء كان ذلك حقيقيا أم لا حتى يثبت العكس. 

البحث في خلفيات الموقف يجعلنا نتأمل في تصريح لوكالة المخابرات الأمريكية التي تؤكد أن حزب الله يعرف جيدا أن إسرائيل على علم بتمركز شحنات السلاح الخاصة به، والتي كانت تأت إليه أحيانا من مرفأ بيروت ويتم تخزينها هناك، وتزعم الوكالة أن معظم العمليات التي تحدث الميناء كانت تحت سيطرة غير رسمية لحزب الله.

photo

حزب الله من جانبه ينفي هذه الرواية، بل ويستهزأ بها، ويستشهد بتفسيرات المسؤولين المعنيين على المستويين السياسي والأمني والذين يؤكد أغلبهم أن الكارثة ناتجة عن انفجار مواد حساسة مخزنة منذ سنوات، فضلا عن نفي إسرائيل نفسها مسئوليتها عن ما حدث.

يؤكد الحزب أن المرفأ منطقة مفتوحة ومزدحمة وتعمل تحت مراقبة جميع أجهزة المخابرات العالمية، وبالتالي سيكون لديها القدرة على اختراقها، ومن البديهي أن لا يكون لمنظمة عسكري أي وجود فيها، فضلا عن أن الإمدادات تصل للحزب عبر سوريا وهو أمر يعلمه الجميع، وربما ذلك هو سر قصف إسرائيل المستمر لمخازن الأسلحة التي تشتبه فيها بالأراضي السورية، أو القوافل التي تنقل عبرها الصواريخ الدقيقة الى مستودعات الحزب بلبنان. 

لكن الروايات المخابراتية الأجنبية تقلل كثيرًا من تبريرات الذراع الإيراني، لاستبعاد مسئوليته عن تطويع مرفأ بيروت لمصلحته، فالميناء هو الشريان البحري الرئيسي الذي يخدم تجارة النفط وحركات الركاب والبضائع ذات الصلة في بلاد الشام والخليج، وتمركز الميناء في وسط المدينة والتماس مع أهم أحياءها، لم يستثنيه من تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت من منتصف السبعينات وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي.

كانت بيروت أنذاك ولاتزال المكان الذي يفيض بالتوترات الطائفية والانقسامات العميقة، كما كان وسط المدينة جوهر قتال المليشيات، وتعتبره إسرائيل دائما مقر تأهيل صواريخ دقيقة الهدف، وهي أزمة أثارتها  قبل عامين واتهمت حزب الله بإقامة منصات الصوريخ في المناطق الآهلة ببيروت وضواحيها، وحذروا من أي عمل قد تعتبره مبرراً لضرب العاصمة. 

كشفت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن حزب الله يضع نقاط إطلاق الصواريخ في منشآت مدنية ومؤسسات تعليمية ومصانع بالقرب من العاصمة بيروت ووادي البقاع وجنوب لبنان، وهذه النقاط من أكثر المناطق السكانية اكتظاظًا بالسكان، وزعمت أن الحزب ينشر حوالي 600 صاروخ من طراز فاتح 110 وهي صواريخ متوسطة المدى ويصل مداها إلى 300 كيلومتر. 

أكدت إسرائيل أن الحزب يخطط لإطلاق هذه الصواريخ نحو أهداف مدنية وتجمعات سكانية إسرائيلية، من داخل أو خارج وسط بيروت، واللافت أن الحزب لم يرد سواء هو أو إيران على التفاصيل التي نشرت من خلال مركز ألما الإسرائيلي للأبحاث وثيق الصلة بالجيش الإسرائيلي. 

ربما هناك شيء من المخاوف الإسرائيلية من «وسط البلد» كان حقيقيا، فهو مركز التأثير السياسي في البلاد، وكان أول المنصات الجغرافية التي توجهت إليها الاحتجاجات العامة التي اندلعت في لبنان للاعتصام بها منذ أشهر، لتطهير الطبقة السياسية والمناداة بنظام أكثر عدالة وشفافية من النظام الحالي وبعض الثوار احتلوا العمارات المحيطة، ما شكل تهديدات أمنية خطيرة .  

يمكن القول أن حزب الله قد يكون مقتنعًا حقا بان إسرائيل لم تدخل فعلا في الأزمة وهي ليست المسئولة عنها، وإن كان جديدا عليه عدم استثمار الأزمات لجرها لعراك كلامي على الأقل، ولاسيما أن كل الأصابع تشير إليها وتتوقع مسئوليتها عنها، ولكن إذا نظرنا بشكل براجماتي بحت، سنجد أن الحزب فعل ما هو في صالحه.

الحزب الآن في حاجة إلى إبعاد نفسه عن أي شبهة يمكن أن تعود عليه، حال استدراج إسرائيل إلى نزال سياسي أو عسكري، مع أن هذه الفرضية في أي ظرف آخر، كانت ستصبح مصباح علاء الدين الذي يعيد له التفاف الجماهير اللبنانية والعربية حوله، وخاصة أنه يعاني من تراجه شعبيته بما يشكل خطورة على مستقبله. 

تمرير الحزب للرواية الإسرائيلة، يعني طرديا أنه ليس مسئولا عن محتويات المخزن الذي تعرض للانفجار ـ أو للتفجير، ما ينفي عنه عمليا الاتهامات الغربية التي تطارده دائما، باستخدام المرفأ لإدخال أسلحة وذخائر غبر بواخر قادمة من إيران، رغم تواضع الاحتمال الأخير في أي تحليل أمني أو سياسي رصين، فالبحر الأبيض المتوسط يقع تحت الرقابة الدائمة والمكثفة للأساطيل الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، ولايمكن تجاوز كل هؤلاء بهذه البساطة.

photo

يمكن القول أن نفي حزب الله، لن يحمي إسرائيل لبنانيًا وعربيًا وحتى دوليا من الاتهام بالوقوف خلف هذه الكارثة التي عمقت من جراح لبنان وأهله في أصعب وقت يمر بتاريخ البلاد حتى يثبت العكس، ورغم محاولة الحزب تفادي مواجهة محتملة مع إسرائيل إلا أن احتمالات الصدام العسكري تفرض نفسها على الأجواء الساخنة والمعقدة للغاية، وقد يُدفع إليها دفعًا من أقطاب الداخل التي ضاقت به، أو بمؤامرة من الخارج. 

الشاهد في الأمر أن الحزب أصبح محاصرا من الجميع، ومهما كانت مناوراته مع إسرائيل لتفادي الصدام، لن يتجاوز حقائق الواقع، فالخليج يرفض مّد يده إلى لبنان بالمال كما كان دائما، بسبب تربع الحزب على مقعد السلطات الثلاث، ومن مصلحة الدول المعادية لإيران خنق الحزب حتى يتبخر ذاتيًا بضغط من الشارع اللبناني، القوى السياسية المناوئة له، وأميركا ترامب تريد تدميره كليا، وإسرائيل تنظر اللحظة الفارقة !