شهد وسط بيروت يوم السبت (8/8/2020) احتجاجات واسعة ومواجهات دامية بين آلاف اللبنانيين وشرطة مكافحة الشغب على خلفية الانفجار الكارثي الذي حصل في مرفأ العاصمة يوم الثلاثاء (4/4/2020) ودمر جزءًا كبيرًا من أحيائها، وقد جاءت تلك التحركات الشعبية تحت عنوان التشييع الرمزي للضحايا الذين سقطوا بالانفجار وفاق عددهم 150 قتيلًا، وتحولت إلى حركة احتجاج واسعة طالبت الطبقة السياسية كلها بالرحيل عن السلطة، لكن من دون إعلان برنامج واضح ومتفق عليه لتسيير أمور وشؤون البلاد، ومن دون الحديث عن الآليات التي سيتم من خلالها الانتقال إلى مرحلة جديدة تلي رحيل الطبقة السياسية فيما لو رحلت. 

يكشف زخم وحجم الاحتجاجات عن وصول الناس إلى مرحلة فقدت فيها الثقة بالسلطة السياسية وكل متفرعاتها بشكل كامل، فالناس الذين خرجوا إلى شوارع المدن في الـ17 من أكتوبر/تشرين الأول من العام 2019 مطالبين برحيل السلطة وبانتخابات نيابية مبكرة، هالهم حجم الانفجار والأضرار التي نجمت عنه، وعجْز وفشل السلطة والحكومة في معالجة أي من الأزمات التي تعصف بالبلد بعد أن كانوا قد أعطوا هذه الحكومة (حكومة حسان دياب) فرصة مئة يوم لإثبات حياديتها واستقلاليتها وكفاءتها وحلها للأزمات، ولذلك عادوا إلى الشارع وقرروا العمل والضغط من أجل إسقاط الطبقة السياسية وليس الحكومة فقط. 

السلطة تتنازل

من الواضح أن السلطة في لبنان تعيش حاليًّا حالة إرباك واضحة حيال الكارثة التي حلت ببيروت ودمرت مرفأها وبعض أحيائها، فالرواية الرسمية لما جرى - إلى الآن - ما زالت تحمل الكثير من التناقضات والشكوك، فمرة يجري الحديث عن مفرقعات، ومرة أخرى عن نترات الأمونيوم، ومرة ثالثة لا يتم استبعاد العامل الخارجي دون تحديد ماهيته وشكله، ومرة رابعة يتم العودة عن كل ذلك، وهكذا.

فهي روايات تعكس حجم التخبط والضياع، وعدم الوضوح في مقاربة الملف، حتى إن التحقيق الذي بدأته السلطة هو تحقيق إداري وليس قضائيًا، في وقت لا يثق الشارع والعديد من القوى السياسية بالحكومة حتى لو كان بعضهم جزءًا من السلطة، وهو ما جعل العديد منها يطالب بتحقيق دولي. 

الإعلان من دياب شكل تنازلًا أوليًا من السلطة لحساب المحتجين الذين يتحركون بالشارع

وأمام هول الكارثة ومشهد عودة التحركات الاحتجاجية إلى الشارع من جديد، وبفعالية أكثر زخمًا، وبتأييد خارجي عبرت عنه السفارة الأمريكية في بيروت من خلال بيان أصدرته عصر يوم السبت في أعقاب المواجهات الدامية، وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي أعلن أيضًا أن بإمكان الشعب اللبناني الاعتماد على الاتحاد.

وأمام ارتفاع سقف مطالب المحتجين وصولًا إلى المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية ورحيل كل الطبقة السياسية، وأمام اقتحامهم لعدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية في بيروت واستقالة بعض النواب من المجلس النيابي وحتى بعض الوزراء من الحكومة، لم تجد السلطة أمامها إلا أن تقدم تنازلًا تستوعب من خلاله حركة الشارع وتمتص غضب الناس، وقد خرج رئيس الحكومة الحاليّة، حسان دياب، في مؤتمر صحفي مباشر وتعهد بالمضي قدمًا بالتحقيق من أجل كشف كل الحقائق المتصلة بالانفجار ومحاكمة كل متورط أو متسبب به مهما علا شأنه وكائنًا من كان، كما أعلن تقديم مشروع قانون إلى المجلس النيابي لإجراء انتخابات نيابية مبكرة من دون الحديث عن شكل القانون الانتخابي الذي قد تجري عليه الانتخابات، وألْمح إلى أنه يعطي القوى السياسية، ومن بينها المشاركين معه بالسلطة، مهلة شهرين للاتفاق وإلا فإنه سيتقدم باستقالته من رئاسة الحكومة. 

هذا الإعلان من دياب شكل تنازلًا أوليًا من السلطة لحساب المحتجين الذين يتحركون بالشارع، الذي قد يتبعه تنازلات أخرى إذا ازداد حجم الضغط على هذه السلطة، غير أنه قد يتحول إلى مادة لامتصاص الغضب ثم بعد ذلك العودة إلى ممارسة السياسة ذاتها على قاعدة التراجع خطوة من أجل التقدم خطوتين. 

الشارع مفكك ومتخبط

في مقابل تنازل السلطة والقبول بمبدأ إجراء انتخابات نيابية مبكرة نجد أن المحتجين، وعلى الرغم من فعالية الحركة الاحتجاجية وغضب الناس المؤيد لها، فإنهم لا يملكون تصورًا واحدًا للمرحلة المقبلة أو لإدراتها، وهذا ما يترك فراغًا تستفيد منه السلطة والقوى المتحكمة بها، وقد عبر - بإحدى الطرق عن ذلك - الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي زار لبنان وأشار إلى ضرورة أن يكون هناك عقد سياسي جديد بين اللبنانيين، وهو ما فُسر وفُهم على أنه إعادة تعويم السلطة بطريقة من الطرق لأن البديل عن ذلك - بنظر الفرنسيين - غير ناضج بعد. 

مشكلة المحتجين أنهم يطالبون برحيل الطبقة السياسية ولكنهم لا يطرحون الآليات التي تحفظ البلد خلال المرحلة أو الفترة الانتقالية، فضلًا عن أن بعضهم يريد استقالة الحكومة فقط، وبعضهم يريد استقالة المجلس النيابي وتقديم موعد الانتخابات، ومنهم من يريد قانون انتخاب جديد، ومنهم من يريد المحافظة على قانون الانتخاب المعمول به، ومنهم من يريد استقالة رئيس الجمهورية، ومنهم من لا يقبل المس بالرئاسة الأولى، وكل هذا التباين بين قوى الشارع، وغياب أي طرح موحد أو رؤية واضحة للمرحلة المقبلة، سواء لناحية إدارة الدولة أو لناحية السياسة الخارجية أو الموقف من الملفات الحساسة، يجعل حركة الشارع - على عظمتها وحجمها - غير ذات فعالية سياسية بل حتى يمكن القول إنها مفككة، وكما قلنا، فإن ذلك يعطي فرصة لقوى السلطة والطبقة السياسية للمناورة والإفلات من تقديم التنازلات. 

أفق الانتفاضة بات مرهونًا باعتبار التوازنات والمصالح الدولية والإقليمية وصراعاتها

أفق الانتفاضة الشعبية

بعد الانفجار الكارثي الذي حل ببيروت، وبعد زيارة الرئيس الفرنسي إلى لبنان، وبعد الحديث عن تدويل التحقيق ومعه الملف اللبناني أو رفض ذلك من قوى محلية وإقليمية، فإنه يمكن القول إن المشهد قد خرج من أيدي اللبنانيين، طبقةً سياسيةً وسلطةً ومحتجين.

بعد العرض الذي قدمه الرئيس الفرنسي بضرورة إجراء عقد سياسي أو اجتماعي أو ميثاقي جديد في لبنان أصبح أي تحرك رهن هذا السقف وفي خدمته أو معارضته، وبالتالي فإن تحقيق النتائج من أي حراك أو تحرك بات مرتبطًا بالاعتبارات الدولية والإقليمية، وخاضعًا لمصالح تلك الاعتبارات والجهات التي بات تأثيرها في لبنان أكثر من اللبنانيين أنفسهم، وبالتالي فإن أفق الانتفاضة بات مرهونًا باعتبار التوازنات والمصالح الدولية والإقليمية وصراعاتها، وهكذا يكون لبنان قد تحول أكثر من أي وقت مضى إلى ساحة تضاف لتلك الساحات التي تجري فيها تلك الصراعات المتعددة الأوجه والفاعلين.