تزداد مخاطر انتشار حزب العمال الكردستاني في العراق يومًا بعد آخر، يرافق ذلك زيادة حالة التوتر بين العراق وتركيا، إثر العمليات العسكرية المتكررة التي تشنها تركيا ضد الحزب في العراق وآخرها استهداف أنقرة بطائرات مسيرة ضباط في قوات حرس الحدود العراقي في الـ12 من أغسطس/آب الحاليّ.

"نون بوست" يفتح ملف إمكانات العراق في مواجهة حزب العمال على أراضيه وما يتخلله من عقبات، فضلًا عن المحددات الدولية والإقليمية.

الإمكانات العراقية

يمتلك العراق قوة عسكرية كبيرة بـ14 فرقة عسكرية للجيش، فضلًا عن الشرطة الاتحادية والمحلية وجهاز مكافحة الإرهاب وقوات هيئة الحشد الشعبي وقوات البيشمركة الكردية، إلا أن هذه القوة وبحسب كثير من المراقبين لن تستطيع مواجهة حزب العمال لاعتبارات سياسية وإستراتيجية وأمنية وحتى إقليمية. 

يكشف تقرير لصحيفة القدس العربي نُشر في يونيو/حزيران 2019 أنه وقبل أيام من نشر التقرير أقدم مقاتلو حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة (إرهابيًا)، على رفع أعلامه فوق ثلاثة جسور في مدينة كركوك شمال العراق، قبل أن يهاجموا مقابر شهداء التركمان هناك ويحرقوا الأعلام العراقية والتركمانية.

كما هددت عناصر الحزب بمهاجمة مقرات الجبهة التركمانية العراقية، ليمنع بعدها الحزب افتتاح مركز شرطة جديد في منطقة القحطانية في سنجار غرب الموصل وطرد منتسبيه بعد تهديدهم بالقتل، فيما يمنع مقاتلو الحزب عودة النازحين من المخيمات إلى مناطقهم الأصلية في سنجار.

يضيف تقرير الصحيفة أن أخطر فعل للحزب كان إعلان القيادي فيه، رضا آلتون، بأن حزبه سيحول شمال العراق إلى ساحة حرب ضد تركيا وحلفائها، مؤكدًا بالقول: "لن نعترف بعد الآن بأي حدود، وسنشن حربًا مفتوحة على مواقع ومصالح تركيا وحلفائها في إقليم كردستان العراق"، بحسب الصحيفة. 

من جهته، أكد النائب في البرلمان العراقي أرشد الصالحي أن وجود حزب العمال على الأراضي العراقية فيه ضرر على العراق وتركيا، مشيرًا إلى أن الحزب يجند الرجال والنساء في مدينتي السليمانية وسنجار، ووجوده في كركوك يخرِّب الانسجام بين المكونات فيها، داعيًا الدولة إلى محاسبة الكتل السياسية في مجلس النواب التي لا تزال تدعم وجود حزب العمال في العراق.

وجود دعم أمريكي وغض طرف إيراني عن حزب العمال الكردستاني يقوض أي عملية عسكرية عراقية ضد العمال الكردستاني في الوقت الحاضر

فيما اعتبر النائب البرلماني حسين العقابي وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار خطأ عراقي وصفه بـ(الجسيم)، لافتًا إلى أن الحكومة ملزمة بإخراج حزب العمال من العراق بقوة السلاح، إذا لم يخضع للتفاوض للخروج.

وعن قوة السلاح وإمكانية استخدامه عراقيًا في مواجهة الحزب داخل العراق، يؤكد الباحث في الشأن الأمني حسن العبيدي أن العراق لن يستطيع بدء حرب ضد حزب العمال لاعتبارات كثيرة، أولها أن أكثر المناطق التي ينتشر فيها الحزب تتبع إقليم كردستان، وبالتالي، فالقوات العراقية الاتحادية التابعة لبغداد لن تستطيع دخول الإقليم لمواجهة الحزب ما لم توافق حكومة أربيل على ذلك. 

ويضيف العبيدي "حتى لو دخل الجيش العراقي لكردستان، فمن الصعوبة بمكان أن يستطيع الجيش مواجهة مقاتلين متمرسين في حرب العصابات وفي مناطق جبلية شديدة الوعورة".

أما فيما يتعلق بالقوات الكردية النظامية (البيشمركة) فيبدو أنه من المستحيل أن تجازف أربيل بوضعها الاقتصادي والأمني والاستثمارات لمحاربة مقاتلي الحزب الذين لم تفلح الدولة التركية طيلة العقود الماضية في مواجهتهم داخل أراضيها. 

من الناحية السياسية، يؤكد المحلل السياسي العراقي علي حسين الجبوري أن وجود دعم أمريكي وغض طرف إيراني عن حزب العمال الكردستاني يقوض أي عملية عسكرية عراقية ضد العمال الكردستاني في الوقت الحاضر، وفيما يتعلق بالحكومة العراقية وموقفها، يعتقد الجبوري أن استمرار غض الطرف عن حزب العمال وجرائمه في سنجار وقتله عددًا من الجنود العراقيين في سنجار يضعها أمام مسؤولية كبيرة، معبرًا عن استغرابه من صمت بغداد على انتهاكات الحزب.

المحددات الإقليمية والدولية

يشير العديد من المراقبين إلى أن حزب العمال الكردستاني ما كان له أن يستمر في صراعه مع تركيا ووجوده في العراق وسوريا طيلة السنوات السابقة لولا وجود موقف دولي وإقليمي يساعد الحزب في ديمومة صراعه مع أنقرة. 

الحكومة العراقية لم تحسم موقفها من وجود مقاتلي الحزب في كثير من مناطقها ومدنها، ما يعطي الدولة التركية الذرائع للاستهدافات المتكررة لمقاتلي الحزب

أضاف المحلل السياسي علي حسين الجبوري "من غير المستبعد أن يكون للضغط الخارجي سواء كان الأمريكي أم الإيراني دور في تخفيف حدة لهجة بغداد تجاه حزب العمال بعد مقتل عدد من الجنود العراقيين في سنجار العام الماضي"، مبينًا أن القضية تحتمل تفسيرات أخرى كخشية السلطات العراقية من حدوث خسائر كبيرة في حال نشوب الصراع.

يقول الباحث السياسي رياض العلي في حديثه لـ"نون بوست" إن ملف حزب العمال الكردستاني في العراق معقد للغاية، إذ إن دولًا كثيرةً إقليميةً ودوليةً تستمر في دعمها لحزب العمال من أجل استخدامه ورقة ضغط ضد أنقرة، ويضيف العلي "أي عملية عسكرية عراقية ضد حزب العمال الكردستاني لن تتم إلا بموافقة أمريكية أولًا وإيرانية ثانيًا، وبالتالي فالقرار العراقي وموقف الحكومة العراقية لا يزال متغاضيًا عن وجود مقاتلي حزب العمال في العراق". 

من ناحية أخرى، يبدو أن الكتل السياسية العراقية المنضوية تحت قبة البرلمان العراقي غير متفقة على كيفية التعامل مع حزب العمال الكردستاني، إذ أكد رئيس لجنة تقصي الحقائق في محافظة نينوى النائب البرلماني أسامة النجيفي في مؤتمر صحفي عقده منتصف العام الماضي عقب إكمال تقرير اللجنة، أن البرلمان تجاهل خلال جلسته توصيات اللجنة بشأن وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار، موضحًا أن مجلس النواب اختار عددًا من فقرات تقرير اللجنة والتصويت عليها بشكل منفرد، وبين النجيفي خلال تصريحه الصحفي أن من بين التوصيات التي لم يصوت عليها مجلس النواب تلك المتعلقة بإخراج حزب العمال الكردستاني من العراق.

هو ملف معقد ذلك الذي يتعلق بوجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في العراق، فمن الواضح أن الحكومة العراقية لم تحسم موقفها من وجود مقاتلي الحزب في كثير من مدنها، ما يعطي الدولة التركية الذرائع للاستهدافات المتكررة لمقاتلي الحزب داخل الأراضي العراقية.