تسابق الولايات المتحدة الأمريكية الزمن لأجل إبرام اتفاق السلام المزمع بين "إسرائيل" والإمارات ومحاولة استنساخه لدى العديد من العواصم العربية الأخرى المرشحة بقوة، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها نوفمبر المقبل، التي يواجه فيها الرئيس دونالد ترامب منافسة قوية من نظيره الديمقراطي جو بايدن.

وفي هذا الإطار تأتي جولة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى منطقة الشرق الأوسط، التي استهلها أمس بزيارة "إسرائيل" ومن المقرر أن تستمر 5 أيام، تشمل السودان والبحرين بجانب الإمارات، وهي التي أثارت الكثير من التساؤلات نظرًا لما انتابها من غموض.

الجولة التي جرى تنظيمها على عجل وبصورة مفاجئة -إذ لم تعلن الخارجية الأمريكية عنها إلا قبل ساعتين فقط من إقلاع الطائرة، فيما لم يسمح إلا لصحفية واحدة فقط بمرافقة الوزير، وهو أمر غير معتاد في مثل تلك الرحلات المهمة، هذا بخلاف ما أثير بشأن تجنب إقامة أي مؤتمرات صحفية خلال الزيارة- وضعت علامات استفهام لدى الكثير من المراقبين.

لم تكن جولة بامبيو هي الوحيدة من نوعها في هذا السياق، إذ من المتوقع أن يتبعها زيارة مماثلة يقوم بها مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، الأسبوع المقبل، يرافقهما فيها مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي روبرت أوبراين وعدد من المساعدين، وتهدف وفق المعلومات المتاحة إلى إشهار التحالف الإماراتي الإسرائيلي.

تأتي الزيارة بعد ساعات قليلة من إلغاء الإمارات لقاءً مرتقبًا مع أمريكا و"إسرائيل" بسبب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن صفقة المقاتلات "إف ـ 35"، إذ أشار إلى أن الاتفاق لم تشمل موافقته على صفقة الطائرات، وهو ما أثار غضب الحليف الإماراتي ووضعه في موقف حرج على المستوى الداخلي.

تمرير الاتفاق عربيًا

العنوان الرئيسي لجولة بومبيو "دعم الاتفاق بين أبو ظبي وتل أبيب" وترسيخ أركانه والحيلولة دون وجود أي عراقيل تحول دون تنفيذه على أرض الواقع، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى محاولة امتصاص غضب الإماراتيين بسبب تصريحات نتنياهو، وهي الطمأنة الوهمية كما يرى الكثيرون.

ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الحكومة الإسرائيلية مع وزير الخارجية الأمريكية، أمس الإثنين، في تل أبيب، أكد الأخير أن واشنطن ملتزمة بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، مشيرًا إلى أن إيران لن تحصل على سلاح نووي وستعمل بلاده على ضمان ذلك.

العديد من المصادر العبرية تشير إلى اتصالات مكثفة تجريها الإدارة الأمريكية من أجل ترتيب لقاء بين نتنياهو وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، قبل التوقيع على الاتفاق المزمع بينهما، في واشنطن الشهر المقبل، فيما توقع آخرون تأخر موعد التوقيع لحين تهيئة الأجواء التي تم تعكيرها بسبب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي أسقطت ادعاءات أبو ظبي بشأن مبررات التطبيع العلني.

ومن تل أبيب إلى العاصمة السودانية الخرطوم، في أول رحلة مباشرة بين البلدين، فمن المقرر أن يعقد وزير الخارجية الأمريكية اجتماعات مع أعضاء وقيادات السلطة الحاكمة في السودان، في محاولة لإقناعها بالانخراط بركب التطبيع، خاصة بعد تصريحات المتحدث باسم الخارجية التي أثارت حفيظة السودانيين وعلى إثرها تم إعفاؤه من منصبه.

لا شك أن الزيارة التي تعد الأولى منذ عقود لوزير خارجية أمريكا، ستحمل الكثير من المغريات على طاولة النقاش، والحديث عن أشكال الدعم التي يمكن أن توفرها واشنطن للسودانيين، ورفع العقوبات الاقتصادية، بجانب احتمالية التطرق إلى توسطها  لدى مؤسسات أممية مثل صندوق النقد الدولي لمساعدة البلاد.

الأوضاع في السودان ربما تكون مهيأة سياسيًا لهذه الخطوة، فقط سبق أن اجتمع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع نتنياهو في أوغندا، مطلع فبراير/شباط الماضي، هذا بخلاف ما تردد بشأن اجتماع محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع،  مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين بترتيب من أبو ظبي.

لكن في الجهة الأخرى فإن الموقف الشعبي والمدني ربما يكون مخالفًا إلى حد ما، وهو العقبة التي قد تؤخر هذه الخطوة حال الاتفاق على اتخاذها، حيث استبق التحالف الحاكم في البلاد (قوى الحرية والتغيير) الزيارة بعقد اجتماع مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، أبلغه فيها رفض أي تحرك باتجاه التطبيع في الوقت الحاليّ.

التحالف المدني الحاكم في بيان له أشار إلى أن قضية التطبيع ليست من قضايا حكومة الفترة الانتقالية المحكومة بالوثيقة الدستورية، مؤكدًا في بيان له على حق الشعب الفلسطيني في أراضيه وحقه في الحياة الحرة الكريمة، مطالبًا رئيس الوزراء بإبلاغ هذا الموقف إلى وزير الخارجية الأمريكي خلال الاجتماع المزمع عقده اليوم في الخرطوم.

أما محطة البحرين، فلن يجد بومبيو أي مشقة في عبورها بنجاح، فالأجواء هناك مهيأة تمامًا لعقد عشرات الاتفاقات وليس اتفاقًا واحدًا، فحميمية العلاقات بين المنامة وتل أبيب خلال السنوات الماضية، وحجم التنسيق بينهما يتجاوز في مضمونه بنود أي اتفاق مهما تضمن من نقاط لتعزيز أواصر التعاون.

وتعد تلك المحطة بمثابة تحصيل حاصل، حيث قطع البحرينيون أشواطًا طويلة على درب التطبيع، شملت السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والسياحة والثقافة، لكن ربما إرجاء السعودية لخطوة التطبيع العلني لحين إقامة دولة فلسطينية، وفق البيان الصادر عن خارجية الرياض، ربما يفرمل المنامة عن الهرولة نحو استنساخ الاتفاق الإماراتي مؤقتًا.

دعم ترامب

لم يكن إقرار الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي هو الهدف الأوحد للزيارة حتى إن كان شعارها الأساسي، إذ إن دعم حملة ترامب الرئاسية ومحاولة الترويج لما يعتبره إنجازًا يضاف لرصيده في معركته القادمة أمام بايدن كان على رأس أولويات أهداف الزيارة.

تزامن الجولة مع مؤتمر تسمية ترامب مرشحًا للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية القادمة، أثار تحفظ الكثير من الساسة داخل الولايات المتحدة لا سيما بين الديمقراطيين الذين رأوا في ذلك خلطًا واضحًا بين السياسة والدبلوماسية وهو ما يتعارض مع الأعراف السائدة في أمريكا.

وتعد السياسة الإيجابية لترامب تجاه "إسرائيل" التي نجح في تحقيق ما لم يقدم عليه أسلافه، سواء بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو نقل السفارة الأمريكية هناك -، هي السلاح الأكثر فاعلية الآن للحصول على أصوات اليمين المسيحي والإنجيليين، بجانب الدعم المتوقع من اللوبي اليهودي في البلاد.

ومن المتوقع أن ينتهز وزير خارجية ترامب تلك الزيارة لإيصال رسالة واضحة للحزب الجمهوري وأنصار الرئيس داخل بلاده، فعامل الزمن ضاغط، وحاجة الرئيس ملحّة لتحقيق أي إنجاز، خاصة إن كان من هذه النوعية التي تلقى الترحيب الداخلي حتى من بين خصومه السياسيين.

يعلم ترامب جيدًا تأثير اعتراف دولة عربية جديدة بـ"إسرائيل" وتوقيع اتفاق سلام معها، خاصة أن الطرف العربي يهرول بنفسه لإنجاز هذه الخطوة وهو من يمهد لها، فتحرك كهذا سيرفع من رصيده الانتخابي بلا شك، وهو ما أقلق الديمقراطيين رغم ترحيبهم بمثل تلك الجهود.

السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز في تعليقه على جولة وزير الخارجية أشار إلى "حرص وزراء الخارجية عادة على تجنب خلط الدبلوماسية بالسياسية الداخلية"، مضيفًا في تغريدة له على تويتر: "هذه وصمة عار على السياسة الخارجية لأمتنا وعلى العملية الانتخابية".

فيما اتهمت المديرة التنفيذية للمجلس اليهودي الديمقراطي في أمريكا، هالي سويفر، ترامب بـ"تسييس" العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مضيفة بيان لها أنه يستخدم "إسرائيل" لتسجيل نقاط سياسية، من أجل توظيفها في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الرأي ذاته ذهبت إليه الدبلوماسية الأمريكية ويندي شيرمان التي عملت مساعدة لوزير الخارجية في عهد باراك أوباما وعلقت على الزيارة بقولها إن الخطة لتسجيل الخطاب في القدس "غير مسبوقة وخطأ"، مضيفة في تغريدة لها: "في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط من وضع أمني صعب يجب ألا تكون القدس جزءًا من أدوات المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري. ويجب ألا يقوم وزير الخارجية بومبيو بتشويه سمعة وزارة الخارجية".

وبحسب المحللين فإن بومبيو من خلال جولته تلك يريد أن يجعل من القدس المحتلة منطلقًا لمخاطبة المؤتمر القومي للحزب الجمهوري، في خرق واضح للتقاليد التي تمنع الخلط بين ما هو دبلوماسي وحزبي، حسبما أشارت إزابيل كيرشنر، في تقريرها المنشور في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

وقد قابلت الخارجية الأمريكية تلك الانتقادات الموجهة إليها ببيان أشارت فيه أن الخطاب سيكون بصفته الشخصية، موضحة أنه "لن يتم استخدام أي مصدر من مصادر الخارجية ولا طاقمها في التحضير لتعليقاته أو حتى الترتيب لظهوره. ولن تتحمل وزارة الخارجية التكلفة فيما يتعلق بظهوره".

ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة حالة سيولة دبلوماسية لتعزيز جهود التطبيع وتوسعة دائرته إلى أقصى حد، لتفتح اتفاقية العار الإماراتية الطريق أمام هرولة عربية في هذا المضمار في ضوء المغريات المقدمة من جانب والضغوط الممارسة من جانب آخر، وهي التحركات التي ستصب في المقام الأول في صالح دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال.