خلال افتتاح منتدى الأعمال الجزائري التركي بالعاصمة الجزائرية، الذي ترأسه رئيس الوزراء الجزائري السابق عبد العزيز جراد رفقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في يناير/كانون الأول الماضي، قال جراد إن أرقام التبادل الاقتصادي والتجاري بين بلاده وتركيا لا تعكس قدرات البلدين، معبرًا عن عدم رضاه على ما تم تحقيقه من تبادلات اقتصادية بين الجانبين.

ويجمع متتبعون للمشهد الاقتصادي في البلاد، على أن نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة أبقى العلاقات الجزائرية التركية الاقتصادية مكبلة ومحدودة، خاصة في فترة الوزيرين الأولين السابقين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال.

في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي بريش عبد القادر، في تصريح لـ"نون بوست" إن: "النظام السابق كان مرتهنًا لخدمة المصالح الفرنسية وكان حريصًا على جعل السوق الجزائرية سوقًا مفتوحةً للمصالح الفرنسية، ويحول دون الانفتاح على أي جهة أخرى، ويبدي مقاومة لتنويع الشركاء وخاصة الشريك الصيني والتركي".

تركيا تقلق أوروبا والصين

تحولت تركيا إلى مصدر قلق بالنسبة إلى فرنسا التي كانت قبل سنة 2013 المسيطرة على مفاصل الاقتصاد والاستثمار الجزائري، إضافة إلى الصين التي صنفت في المركز الأول كأهم شريك اقتصادي للجزائر عام 2017، بحسب تقرير صادر عن المركز الجزائري للإعلام والإحصاء التابع للجمارك الجزائرية.

التوسع التركي في المجال الاقتصادي والتجاري في الجزائر، معطى تؤكده وتثبته الأرقام التي تنشرها بين الحين والآخر المديرية العامة للجمارك الجزائرية، حيث صنفت تركيا في خانة أهم مموني وزبائن الجزائر خلال سنة 2019 إلى جانب كل من الصين وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا.

يقدر عدد المؤسسات التركية النشطة في الجزائر بـ988 مؤسسةً توظف أكثر من 30 ألف عامل

بينما تبلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وتركيا نحو 4 ملايين دولار، وهو الرقم الذي اعتبره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "غير الكافي حتى إن كان محترمًا"، وأعرب عن أمله أن يرتفع إلى 5 مليارات دولار، وكان ذلك خلال زياراته الأخيرة إلى الجزائر مطلع 2020.

بالإضافة إلى كل ما سبق، فتستحوذ الشركات التركية العاملة في الجزائر على استثمارات كبرى تقدر بمليار دولار وهو ما جعلها تشكل أهم مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحسب ما كشفه عبد الكريم منصوري مدير الوكالة لتطوير الاستثمار في الجزائر.

كما يستحوذ مشروع مركب النسيج "سيدي خطاب" بمحافظة غليزان (الواقعة على بعد 300 كيلومتر غرب الجزائر العاصمة)، على نصيب الأسد من الاستثمارات التركية في الجزائر، وتبلغ قيمته الاستثمارية 155 مليار دينار أو ما يعادل 1.35 مليار دولار، وأقيم هذا المشروع على أساس شراكة بين المجمع الصناعي للنسيج والألبسة الجزائري والمجمع التركي "تايبا".

ومن بين المشاريع الكبرى التي جسدتها تركيا على أرض الجزائر مجمع الحديد والصلب "توسيالي الجزائر" بمحافظة وهران (تبعد بنحو 430 كيلومترًا عن العاصمة الجزائرية)، وتبلغ قدرة إنتاجه مليون طن سنويًا، وساهم في استرجاع النفايات الحديدية وقلص فاتورة الواردات بنسبة كبيرة.

كما يقدر عدد المؤسسات التركية النشطة في الجزائر بـ988 مؤسسةً توظف أكثر من 30 ألف عامل، تشتغل معظمها في إنتاج مواد التنظيف والأجهزة المنزلية كأدوات ومستلزمات المطابخ.

خطط التعاون والتوسع

تسعى تركيا اليوم إلى إقامة منطقة تبادل حر مع الجزائر، تضمن توسيع الاستثمارات وتدفق السلع، خاصة بعد إلغاء القاعدة الاستثمارية 49/51 في قانون المالية الساري حاليًّا، التي فرضتها الحكومة الجزائرية في قانون المالية التكميلي لعام 2009 التي تعني امتلاك الشريك الجزائري عمومي أو خاص نسبة 51% من أصول أسهم الاستثمار المراد إقامته في الجزائر.

وكشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في كلمته خلال ختام أشغال منتدى رجال الأعمال الجزائري التركي الذي انعقد في 26 من يناير/كانون الأول الماضي، أنه تطرق لموضوع إنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا خلال لقاء جمعه بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

حماس تركيا لا يقتصر على المجال الاقتصادي فقط، بل امتد إلى المجالين الدفاعي والعسكري

وشدد أردوغان على ضرورة الشروع دون أي تأخير في مفاوضات لإنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا، وأبدى أسفه لعدم وجود منطقة تبادل حر بين البلدين رغم العلاقات التاريخية التي تربطهما، وكشف أنه تم التحادث بين الوزراء بشأن الموضوع وسيتم اتخاد إجراءات في هذا الشأن بشكل سريع.

وذكر أن من شأن منطقة التبادل الحر أن تزيل العقبات بين المستثمرين من البلدين لإنجاز مشاريع مشتركة سواء في الجزائر أم تركيا.

التعاون ليس اقتصاديًا فقط

حماس تركيا لا يقتصر على المجال الاقتصادي فقط، بل امتد إلى المجالين الدفاعي والعسكري، مستغلة اهتمام الجزائر بصفقات التسليح، حيث أنفقت الجزائر عام 2019، ما يناهز 10.3 مليار دولار على شراء الأسلحة وهو أعلى رقم في شمال إفريقيا ويمثل 44% من إجمالي النفقات العسكرية بالمنطقة.

وكشفت تقارير إعلامية أن الجزائر أظهرت اهتمامها بالمعدات العسكرية تركية الصنع على غرار العربات المدرعة من طراز "كيربي" وهي مركبات مقاومة للألغام ومحمية من الكمائن إضافة إلى مركبات فوران والطائرات دون طيار وأنظمة المراقبة والرادات وغيرها.

وكشف الرئيس التركي، لدى حلوله بالجزائر مطلع العام الحاليّ، أن بلاده حققت نتائج رائعة في الصناعات العسكرية، وقال إنها أصبحت من بين 4 دول في العالم في صناعة الطائرات بأسلحة وبغير أسلحة وكذا البواخر والبحرية والمروحيات، وأكد بالمقابل حرص بلاده على التعاون في مجال الصناعات العسكرية مع الجزائر.

مستقبل واعد

وبالنظر إلى تلك المعطيات، فمن المتوقع أن يتضاعف حجم التجارة والاستثمار بين البلدين في ظل النظام الجديد، إذ يقول البروفيسور عبد القادر في تصريح لـ"نون بوست" إنه تم تسجيل تقارب بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره التركي أردوغان، ويشير إلى الزيارات المتبادلة التي جمعت بينهما منذ مجيء تبون إلى السلطة مثل اللقاء الذي انعقد في ألمانيا والزيارة الأخيرة التي قام بها أردوغان إلى الجزائر.

ومن المرتقب أن يحل وزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم بتركيا ضيفًا لمناقشة مختلف جوانب العلاقات الثنائية بين البلدين.

العلاقات بين البلدين تحكمها مئات الشركات التركية العاملة في الجزائر في مجالات مختلفة ورغبة قيادات البلدين في تطويرها

ويؤكد المتحدث أن المرحلة القادمة ستشهد تعزيز الشراكة الاقتصادية المبنية على قاعدة رابح - رابح، وبإمكان الجزائر الاستفادة من الاستثمارات التركية خاصة في مجال تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة وفي مجال الصناعة التحويلية وقطع الغيار والأجهزة المنزلية.

من جهته يقول الإعلامي والمحلل السياسي أحسن خلاص في تصريح لـ"نون بوست"، إن السلطة الحاليّة تتجه نحو اختيار معسكرات معينة مثل الصين وروسيا وتركيا وحتى فرنسا في وقت سقط الاتحاد الأوروبي من أجندتها، حيث أعلن رئيسها عبد المجيد تبون إعادة تقييم الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي الذي ينص على دخولها في منطقة تبادل تجاري حر مع التكتل اعتبارًا من الأول من سبتمبر/أيلول القادم، وتزامن هذا القرار مع استئناف التجارة الحدودية مع مالي والنيجر بعد توقفها لسنوات لأسباب أمنية ومع الترخيص مجددًا لتجارة المقايضة بمحافظات الجنوب.

وبذلك فإن واقع العلاقات بين البلدين تحكمه مئات الشركات التركية العاملة في الجزائر في مجالات مختلفة، إضافة إلى رغبة قيادات البلدين في تطويرها خاصة أن الرئيس الجزائري تبون كون علاقات متينة مع الأتراك منذ أن كان وزيرًا للسكن.