يواجه حفتر عديد الخيبات في الفترة الأخيرة

يواجه حفتر عديد الخيبات في الفترة الأخيرة

يبدو أن ليبيا قادمة على تحولات كبرى، فيها تتغير موازين القوى وتتأسس خريطة سياسية جديدة لا مكان فيها للواء المتقاعد خليفة حفتر، خاصة بعد أن خسر معاركه ضدّ حكومة الوفاق الوطني الشرعية واستبعد من مفاوضات السلام الدائرة في المغر، إضافة إلى فقدانه تدريجيًا الحاضنة الشعبية التي كان يرتكز عليها في الشرق الليبي.

بنغازي تنتفض

حفتر الذي كان يمني نفسه بالسيطرة على العاصمة طرابلس ومن ثم غرب البلاد، حتى يفرض رؤيته على المشهد السياسي القادم في البلاد، أصبح حاليا يبحث عن وسيلة تساعده في تأمين وجوده في مدن الشرق بعد نفض الأهالي أيدهم عنه نتيجة أسباب عدّة.

بنغازي التي تعتبر القاعدة الأبرز للمتمرّد خليفة حفتر، بدأ أهلها في الانتفاض عليه، حيث خرج المئات إلى الشوارع يوم أمس الخميس، مطالبين بإطاحة حكومة الشرق التي ترعى الانقلابي حفتر نتيجة تردّي الخدمات والأوضاع المعيشية في المدينة.

المطالبة بإسقاط الحكومة المؤقتة الداعمة والراعية له وحرق صوره خلال هذه الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، يؤكّد يقينا تراجع الحاضنة الشعبية للانقلابي خليفة حفتر

نشر ناشطون صور ومقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت قيام المئات من المتظاهرين بقطع الطرقات في بنغازي وإضرام النيران في إطارات سيارات، كما أظهرت الفيديوهات المتداولة هتاف المتظاهرين بشعارات عدة من قبيل: "ما نبو (لا نريد) غير كرامتنا فيها عشنا ولا (أم) متنا"، و”نوضي نوضي (ثوري ثوري) يا بنغازي سرقوا فلوسك فيش تراجي (ماذا تنتظرين؟)".

يضاف إلى ذلك، مقطع مصورآخر تضمن بيانا باسم شباب مدينة بنغازي، طالبوا فيه بـ"إسقاط جميع أجسام الدولة التي عجزت عن خدمة المواطنين"، حيث قال الشاب الذي تلا البيان "نحن شباب مدينة بنغازي، خرجنا للمطالبة بحقوقنا الطبيعية، وتحقيقا للعدالة الاجتماعية التي سقط في سبيلها آلاف الشهداء".

وشهدت هذه الاحتجاجات في مدن الشرق، حرق صور المتمرد خليفة حفتر، للدلالة على سخطهم ورفضهم لما يقوم به حفتر، حيث يرون أنه المتسبب الأول في الحالة "المزرية" التي وصلت لها البلاد.

تشهد مدينة بنغازي -الخاضعة لسيطرة الانقلابي حفتر- منذ أكثر من شهرين انهيارا في الشبكة الكهربائية، وأزمة حادة في الوقود، وذلك على خلفية استمرار مليشيات حفتر في إغلاق الموانئ والمنشآت النفطية منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، ما كبد ليبيا خسائر تجاوزت تسعة مليارات دولار.

وسبق أن حذرت المؤسسة الوطنية للنفط الشهر الماضي من انقطاعات أسوأ للتيار الكهربائي في شرق البلاد قائلة إن النقص ناتج عن الحصار الذي تفرضه ميليشيات حفتر على منشآت النفط والغاز منذ شهور، وقالت إن واردات الديزل اللازمة لتشغيل المحطات تسبب لها "صعوبات مالية بالغة".

وناشدت المؤسسة الوطنية للنفط حفتر وميليشياته لإنهاء الحصار الذي بدأ في يناير/ كانون الثاني وخفض الإنتاج بشدة مما أدى إلى انهيار شبه كامل لإيرادات الطاقة هذا العام، وهي المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في البلاد.

الاحتجاجات تعم مدن الشرق

هذه الاحتجاجات، وصلت أيضا إلى مدينة أجدابيا - إحدى أبرز المدن الليبية وأهمها-، حيث خرج العشرات من المواطنين أمام مقر البلدية، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية وتدني الخدمات في المدينة الصحراوية التي تسيطر عليها قوات حفتر منذ سنوات عدّة.

كما شهدت مدن البيضاء وجالو وزليتن، يوم أمس مظاهرات في الشوارع رفضا لأداء الحكومة المؤقتة التابعة لبرلمان طبرق وسوء الخدمات التي تقدّمها، وطالب المتظاهرين في مدينة البيضاء، بإقالة الحكومة الليبية برئاسة عبد الله الثني، بعد تردي الخدمات اليومية.

 

في جالو، أصدر شباب مدينة بعد خروجهم في مظاهرة بيانا أعلنوا فيه رفضهم لمنظومة الفساد وتردي الخدمات اليومية من انقطاع الكهرباء ونقص السيولة والوقود وضعف الخدمات الصحية والتعليمية. أما في زلتين، فقد أشعل متظاهرون الإطارات في الشوارع احتجاجا على انقطاع الكهرباء المستمر، وغياب السيولة وتردي الخدمات.

بالتزامن مع ذلك، تشهد مدينة هون الخاضعة لسيطرة حفتر احتجاجات شعبية لذات الأسباب المتعلقة بسوء الخدمات وتنامي الانتهاكات الممارسة في حق سكان المدينة مثل ما حدث في منطقة الجفرة بما فيها ودان وسوكنة وزلة.

فقدان الحاضنة الشعبية

المطالبة بإسقاط الحكومة المؤقتة الداعمة والراعية له وحرق صوره خلال هذه الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، يؤكّد يقينا تراجع الحاضنة الشعبية للانقلابي خليفة حفتر في مدن الشرق بعد أن كان يفتخر ويتعلل بها لخوض معاركه ضدّ قوات الحكومة المعترف بها دوليا وصاحبة الشرعية الوحيدة في البلاد.

يتبين أيضا من خلال سحب بعض القبائل أو جزء منها لتأييدها المطلق لحفتر، على غرار ما حصل في قبيلة البراعصة التي تعيش في منطقة الجبل الأخضر، حيث كانت في بداية عملية "الكرامة" سنة 2014، داعمة لحفتر، ثم انشق عنه الكثير من أبنائها منهم العقيد فرج البرعصي، آمر المنطقة العسكرية بالجبل الأخضر.

يبدو حفتر الآن مرتبكًا أكثر من أي وقت مضى، فالتحولات الحاصلة في المشهد الليبي لها أن تقصيه من المشهد العام ككل

نفس الأمر بالنسبة إلى قبيلة العواقير، فبعد أن شكّل أبناؤها خزانًا بشريًا لمعارك خليفة حفتر منذ إطلاقه عملية الكرامة منتصف عام 2014، وكذلك في حروبه المتتالية في بنغازي وأجدابيا والهلال النفطي ودرنة، سحبت تأييدها عنه في الأشهر الأخيرة.

كذلك حدث مع قبيلة العبيدات التي يتركز وجودها في مدينة القبة وطبرق وبنغازي والبيضاء والجبل الأخضر، حيث أعلن أبناؤها مساندتهم لعقيلة صالح رئيس برلمان طبرق عندما أعلن حفتر نفسه حاكمًا على ليبيا، ويُعتبر اللواء سليمان محمود، القائد العسكري المجاهر بعدائه لحفتر ومستشار وزارة الدفاع في حكومة الوفاق، أبرز أبناء القبيلة وقاداتها.

وترى هذه القبائل – التي تمثّل العمود الفقري للمدن الشرقية- أنها تحملت فاتورة باهظة نتيجة دعمها للعمليات العسكرية التي يقودها حفتر ضد حكومة الوفاق، حيث فقدت الكثير من خيرة أبنائها وشبابها من أجل نزوات المتمرد حفتر والجهات الأجنبية –العربية والغربية- الداعمة له.

تغييرات كبرى

يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى بالنسبة إلى الانقلابي خليفة حفتر، فبعد الدعوات القضائية المرفوعة ضدّه أمام محاكم بولاية فرجينيا على مقربة من العاصمة واشنطن (باعتباره مواطنًا يحمل الجواز الأمريكي)، والخسائر العسكرية الكبرى التي تكبدتها ميليشياته والمرتزقة العاملين معه، وإقصائه من مفاوضات السلام في المغرب، ها هو الآن يفقد حاضنته الشعبية في مدن الشرق.

 

يبدو حفتر الآن مرتبكًا أكثر من أي وقت مضى، فالتحولات الحاصلة في المشهد الليبي لها أن تقصيه من المشهد العام ككل، حيث خرجت الأوضاع عن سيطرته بعد أن كان يتبجح بالسيطرة على مفاتيح الملف الليبي كاملة، وفق العديد من المتابعين للشأن الليبي.

حفتر الذي كان يسعى للسيطرة على التراب الليبي بقوة السلاح، وبمساعدة بعض الحلفاء الدوليين على رأسهم فرنسا وروسيا والإمارات ومصر، يعاني الآن لأجل الحفاظ على مكانه في الخارطة المستقبلية للبلاد، حتى وإن كان هامشيا فجميع المؤشرات تؤكّد قرب نهايته.