كوشنر مع ملك البحرين

"الثور فر من حظيرة البقر، الثور فر، فثارت العجول في الحظيرة، تبكي فرار قائد المسيرة، وشكلت على الأثر، محكمة ومؤتمر، فقائل قال: قضاء وقدر، وقائل: لقد كفر، وقائل: إلى سقـر، وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة، لعله يعود للحظيرة، وفي ختام المؤتمر، تقاسموا مربطه، وقسموا شعيره، وبعد عام وقعت حادثة مثيرة، لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة"، تلخص كلمات شاعر المقاومة العراقي أحمد مطر التي هجا بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات حين وقع اتفاقية سلام مع الكيان المحتل حال الأمة العربية اليوم بعد أن لحقت البحرين بالإمارات إلى حظيرة التطبيع.

ثلاثون يومًا أو أقل منذ الإعلان عن اتفاق العار الإماراتي الإسرائيلي ليستيقظ العرب على طعنة جديدة، لكنها تأتي هذه المرة من الجارة الخليجية البحرين، في تحول هو الأخطر على مر التاريخ العربي الحديث والمعاصر، فبينما احتاج الإسرائيليون عقودًا طويلةً وجهودًا مضنيةً وتنازلات جمة لإبرام اتفاقات سلام على استحياء مع القاهرة وعمان، ها هم وبأقل جهد ممكن يحققون انتصارات عظيمة في هذا المضمار عبر توقيع اتفاقيتي سلام في أيام قليلة ودون أي مقابل، على العكس سيجنون حصاد مكاسبه قريبًا جدًا، إن لم يكن قد حصلوا عليه مقدمًا.

ما حدث من البحرين لم يكن مستغربًا بالمرة، فكل المؤشرات تذهب في هذا الاتجاه، وما أقدمت عليه الإمارات ليس سوى فتح الباب أمام الدول المطبعة سرًا لإشهار تلك العلاقة الآثمة المستمرة لعقود طويلة وإن كانت مستترة خلف شعارات القومية  المزيفة والزود عن القضية الفلسطينية ورفع راية الوحدة العربية.

يبدو أن دول الخليج تتسارع نحو دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ولاية ثانية، ورغم ما يمارسه الرجل من حلب لثروات الخليج، فإن حكام تلك الدول يرون في بقائه ضمانة لاستمرارهم، وهو الذي كان قد ألمح إلى هذا الأمر قبل ذلك حين أشار إلى أنه لولاه لما استمر العاهل السعودي في منصبة لأسبوعين كاملين.

ورغم العلاقات المستمرة بين المنامة وتل أبيب التي تعود لمنتصف تسعينيات القرن الماضي، فما كان لها أن تقدم على هذه الخطوة إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر من السعودية، والدفع بطبيعة الحال من الجار الإماراتي، والتشجيع والدعم من القاهرة، والتصفيق الحاد من مسقط.

مسارعة البيت الأبيض للإعلان عن الاتفاق البحريني الإسرائيلي قبل أيام قليلة من موعد التوقيع على الاتفاق مع الإمارات، المقرر له 15 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، يحمل العديد من الرسائل ذات الصدى الواسع في العالم، فمشاركة دولتين عربيتين في حفل التوقيع على الاتفاق مع الكيان الصهيوني هو انتصار حقيقي يحسب لترامب وفريقه المعاون، وسيكون له تأثيره المتوقع في معركة نوفمبر القادم.

بهذه الخطوة تكون المملكة الصغيرة هي الدولة العربية الرابعة التي أعلنت موافقتها توقيع اتفاق سلام رسمي مع دولة الاحتلال، بعد مصر والأردن والإمارات، وإن كانت التقديرات تشير إلى أن قوس التطبيع ما زال مفتوحًا، متوقعًا أن ينضم إليه دول أخرى خلال الفترة المقبلة.

احتفاء غير مسبوق

"هذه لحظة تاريخية لتوسيع رقعة السلام في الشرق الأوسط، وفتح حوار مباشر وعلاقات بين المجتمعين فضلًا عن دفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين"، هكذا استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وملك البحرين حمد بن عيسى ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بيانهم المشترك المنشور على الحساب الرسمي لترامب بعد الاتفاق على التطبيع العلني.

واشنطن في البيان أعربت عن امتنانها وشكرها لملك البحرين لاستضافته ورشة "السلام من أجل الازدهار" في المنامة في 25 من يونيو 2019، لدفع عملية السلام في المنطقة، مؤكدة أن المنامة وتل أبيب ستستمر جهودهما نحو المزيد من التواصل لوضع حلول للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

البيان أكد كذلك أن ملك البحرين قبل دعوة الرئيس الأمريكي للانضمام إلى "إسرائيل" والإمارات في حفل "التوقيع التاريخي" على اتفاق التطبيع بين "إسرائيل" والإمارات في 15 من سبتمبر في البيت الأبيض، حيث ستوقع البحرين أيضًا "إعلان السلام"، وهو التحول الذي لم تشهد المنطقة مثله منذ عقود طويلة.

الصحف البحرينية احتفت بهذه الخطوة بصورة هائلة، حيث اعتبرت الاتفاق خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار بالمنطقة، فيما عنونت معظم الصحف والمواقع الإخبارية البحرينية مانشتاتها الرئيسية بالخطوة التي وصفتها بـ"التاريخية"، مرفقة إياها بصورة تجمع نتنياهو بجانب صورتي ترامب وحمد بن عيسى.

صحيفة "الوطن" وصفت الاتفاق بأنه "خطوة تاريخية لتحقيق السلام وأن الهدف الرئيسي من الاتفاق هو نشر السلام والدفاع عن قضايا ومصالح الأمة ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه، فيما ثمنت صحيفة "البيان" هذه الخطوة وتداعياتها، لافتة إلى أن "السلام العادل والشامل خيار إستراتيجي".

من السرية للعلن

لم يكن اتفاق السلام المزعوم بين البحرين و"إسرائيل" سوى تتويج رسمي لما يزيد على عشرين عامًا من التطبيع غير المعلن، كانت المنامة فيها أحد أكبر المدافعين عن التقارب مع الكيان الصهيوني، وهو ما توثقه عشرات اللقاءات والاجتماعات السرية التي جرت بين مسؤولي البلدين خلال تلك الفترة.

البداية كانت مع العام الأول للقرن الحادي والعشرين، حين بدأ ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة دبلوماسيته السرية لإقامة محادثات مع مسؤولين إسرائيليين خلال قمتي المنتدى الاقتصادي العالمي عامي 2000 و2003، وبعد 4 أعوام تقريبًا كان أول لقاء يجمع بين وزيري خارجية البلدين في الأمم المتحدة عام 2007 لتتوالى بعد ذلك اللقاءات الرسمية وإن كانت على أراض محايدة.

ففي 2009 التقى الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز وملك البحرين في نيويورك على هامش مؤتمر للمنظمة الأممية، وفي العام ذاته سافر وفد بحريني رسمي لتل أبيب لاستعادة مجموعة من المواطنين المحتجزين لدى سلطات الاحتلال، كانوا ضمن نشطاء مؤيدين للفلسطينيين على متن سفينة احتجزتها البحرية الإسرائيلية في أثناء محاولة كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

وأمام تلك الهرولة نحو التقارب مع الكيان الصهيوني أقر البرلمان البحريني مشروع قانون في أكتوبر/تشرين الأول 2009 لحظر أي اتصال مع "إسرائيل"، لكنه لم يبصر النور في ظل رفض الحكومة له، الأمر الذي أثار حينها حالة من الجدل ودفع بالبعض إلى توقع إبرام اتفاق قريب جدًا مع "إسرائيل".

وكان العام 2016 هو بداية التخلي شيئًا فشيئًا عن التقارب السري بين البلدين، حيث شهد أول تصريحات سياسية رسمية معلنة، وذلك حين أشاد وزير خارجية البحرين السابق الشيخ خالد آل خليفة بالرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بعد وفاته، في بيان مفاجئ، أثار العديد من الانتقادات الحادة على منصات السوشيال ميديا وقتها.

وفي العام التالي مباشرة كان أول ظهور إسرائيلي رسمي داخل المملكة حين سمح لوفد إسرائيلي بالمشاركة في مؤتمر للاتحاد الدولي لكرة القدم في المنامة، تلاها السماح لسائق إسرائيلي بالمشاركة في سباق سيارات، هذا بخلاف مشاركة بعض الوفود البحرينية في حملات مجتمعية إسرائيلية مثل التي كانت في 2017 حين سافر وفد بحريني لتل أبيب للترويج لـ"التسامح والتعايش"، في وقت كان يتأجج الغضب العربي تجاه مصير القدس المحتلة.

وتسارعت وتيرة التقارب حين أيّد وزير الخارجية البحريني حق "إسرائيل" في "الدفاع عن نفسها" بعدما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه قصف عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية في سوريا، في موقف علني نادر لمسؤول عربي، وكان ذلك في مايو/أيار 2018، وبعدها بعام واحد فقط شهدت العلاقات بين البلدين تقاربًا ملحوظًا، حيث عقدت العديد من اللقاءات على رأسها ورشة المنامة التي عقدت في يونيو/حزيران 2018 تحت رعاية الولايات المتحدة لتمرير صفقة القرن.

ثم جاء الإعلان عن اتفاق التطبيع الإماراتي المفاجئ في 13 من أغسطس/آب الماضي لتبادر البحرين بالترحيب بتلك الخطوة التي وصفتها بـ"التاريخية" لتفتح المملكة بعد ذلك أجواءها الجوية للرحلات الإماراتية القادمة من وإلى "إسرائيل" في تحرك كان إيذانا رسميًا بانضمام المنامة لركب التطبيع الإماراتي، وهو ما كان.

طعنة جديدة للقضية الفلسطينية

قوبل هذا الاتفاق بتنديد واستنكار فلسطيني، حيث اعتبرت السلطة الفلسطينية ما حدث بأنه "خيانة للقدس والأقصى والقضية الفلسطينية"، معتبرة في بيان لها أن هذه الخطوة دعمًا لتشريع جرائم الاحتلال الإسرائيلي البشعة ضد الشعب الفلسطيني، وأنها "تشكل نسفًا للمبادرة العربية للسلام وقرارات القمم العربية والإسلامية والشرعية الدولية".

القيادة الفلسطينية أكدت في بيانها "بأنها لم ولن تفوض أحدًا للحديث باسمها، كما تؤكد أن السلام والاستقرار في المنطقة لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية كافة، ونيل الشعب الفلسطيني استقلاله في دولته ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، بعاصمتها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين على أساس القرار الأممي 194، وواهم من يعتقد أن هذه التنازلات التي تأتي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني سوف تخدم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

الفصائل الفلسطينية هي الأخرى أدانت هذا الاتفاق، لافتة إلى أنه ومعه الاتفاق الإماراتي يعكسان حالة من الإصرار على "تصفية القضية الفلسطينية"، حيث قال المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" حازم قاسم: "انضمام هذه الدول لمسار التطبيع يجعلها شريكة في صفقة القرن (الأمريكية)، التي تشكل عدوانًا على شعبنا"، وأضاف "هذا المسار بالتأكيد يشكل ضررًا بالغًا على القضية الفلسطينية، ودعمًا للاحتلال والرواية الصهيونية".

واعتبرت حركة الجهاد الإسلامي أن تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" يعتبر "سقوطًا سياسيًا جديدًا"، فيما أشار المتحدث باسمها داود شهاب، أن الاتفاق هو بمثابة "إعلان يعكس الوصاية الأمريكية على البحرين التي يتصرف ملكها وحكومتها بتعليمات وأوامر أمريكية"، متهمًا الجامعة العربية برعاية مخطط التطبيع.

ضوء أخضر سعودي

الأيام القليلة الماضية شهدت العديد من التطورات خلف الكواليس التي سارعت بشكل كبير في الإقدام على هذه الخطوة، وهو ما كشفه موقع "أكسيوس" الأمريكي الذي أشار إلى أن هذا التطور جاء في أعقاب حصول المنامة على "ضوء أخضر" من السعودية الذي ما كان يمكن لها أن تقدم عليه دون موافقة الرياض.

وفي استعراضه لأبرز ما جاء في كواليس الاتفاق، أضاف المعلق السياسي باراك رافيد، كاتب التقرير، أن الزيارة التي قام بها صهر وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر، إلى المنامة، مؤخرًا، كان لها دور مؤثر في دفع المملكة للموافقة على تطبيع كامل مع "إسرائيل".

ولفت إلى أن الإذن الذي حصلت عليه المنامة من السعودية ساعد في موافقتها على التوقيع، قبل موعد التوقيع على الاتفاق مع الإمارات، على اعتبار أن هذه الخطوة تخدم أهداف ترامب، وذلك رغم الانتقادات الحادة التي وجهت لتلك الخطوة، منوهًا أن الاتصالات التي جرت بين الأمريكيين وكلّ من البحرين والسعودية، وانتهت بموافقة المنامة على التوقيع لم تستغرق إلا 29 يومًا فقط.

التقرير ذكر كذلك أن إبرام اتفاق مع "إسرائيل" كان رغبة بحرينية، وأن المنامة سارعت لتنفيذ هذه الخطوة بحسب رافيد، الذي أشار إلى أنه بعد ساعات قليلة من الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي في الـ13 من أغسطس/آب الماضي، اتصل مسؤول بحريني كبير بكل من كوشنر والمبعوث الأمريكي إلى المنطقة آفي بيركوفيتش، ليبلغهما برغبة المملكة في الانضمام لقافلة المطبعين.

وأوضح الموقع الأمريكي أن هذا الاتصال كان نقطة الانطلاق نحو مباحثات مباحثات ماراثونية جرت الأيام الماضية بين كل من البحرين والولايات المتحدة و"إسرائيل" برعاية سعودية غير معلنة، كان الهدف منها لحاق البحرين بركب الإمارات قبل الـ15 من سبتمبر الحاليّ، وهو الموعد المحدد لتوقيع الاتفاق رسميًا.

ومن ضمن الكواليس التي استعرضها الكاتب الأمريكي أن كوشنر خلال زيارته الأخيرة للمنامة اصطحب معه نسخة من التوراة اشتراها من الولايات المتحدة، وقدمها هدية لملك البحرين، لافتًا إلى أنه داخل القاعة التي تم فيها اللقاء بين المسؤولين الثلاث، كوشنر وبيروكفيتش وملك البحرين، كان الأخير يحمل كتاب التوراة بيديه، بحسب "أكسيوس".

الرأي ذاته ذهب إليه الكاتب الأمريكي دافيد إنياتوس الذي اعتبر أن اتفاق التطبيع البحريني الإسرائيلي مؤشرًا على مباركة سعودية، لافتًا في مقال بصحيفة "واشنطن بوست" أن هذا الاتفاق ما كان له أن يحدث لو لمن يكن بدعم وتحفيز سعودي، منوهًا أن "السعوديين مارسوا تاريخيًا ما يرقى إلى مستوى الفيتو على السياسة البحرينية" فيما يتعلق بالعلاقة مع دولة الاحتلال.

وألمح إلى أن الصمت السعودي حيال الخطوة البحرينية في حقيقته إعلان بالموافقة، وإن لم يتم التصريح بها علانية لحسابات أخرى، وأن الموافقة التي أبداها السعوديون على السماح للطائرات التجارية القادمة من وإلى "إسرائيل" بالمرور فوق الأجواء السعودية هو جزء من تلك الموافقة.

الصحيفة الأمريكية ترى أن المباركة السعودية لكل من اتفاقي الإمارات والبحرين وتدخلها لمنع إصدار بيان إدانة لمثل تلك التحركات داخل الجامعة العربية خلال اجتماعها الأخير الذي جرى على مستوى وزراء الخارجية، مؤشرات تشير إلى أن "التطبيع السعودي في نهاية المطاف أمر حتمي، إن لم يكن وشيكًا"، حسب المقال.

من الواضح أن انفراط حبات سبحة القومية العربية لن يقف عند حاجز البحرين والإمارات، وأن المخطط لتصفية القضية العربية الأم (القضية الفلسطينية) يسير على قدم وساق كما خطط له ترامب وحليفه نتنياهو، في ظل مناخ مؤهل تمامًا لتحقيق "إسرائيل" في غضون أشهر قليلة ما لم تحققه على مدار عقود طويلة.

ربما يحقق ترامب انتصارًا مؤقتًا لدعم الكيان الصهيوني عبر إذابة جليد العداء العربي معه، وفتح أسواق العرب أمام المحتل ليجني حصاد دعم أنظمة ديكتاتورية لا هم لها إلا الزود عن كراسيها ولو على حساب أشلاء وحقوق شعب بأكمله، لكن التاريخ خير شاهد أن الشارع العربي جيلًا خلف جيل سيظل مؤمنًا بالقضية الفلسطينية التي يرى فيها عنوان كرامته، ولعل 40 عامًا كاملة منذ توقيع كامب ديفيد لم تغير في نظرة المصريين الذين - رغم الضغوط عليهم - ما زالوا يعتبرون دولة الاحتلال العدو الأول والأخير للعرب جميعًا، حتى وإن تلاقت الأنظمة في فراش واحد.