محادثات سلام تاريخية بين الحكومة الأفغانية وطالبان

محادثات سلام تاريخية بين الحكومة الأفغانية وطالبان

بعد 19 سنة من انتهاء حكمها، رضيت حركة "طالبان" أخيرًا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية التي تعتبرها "عملية للأمريكان"، مفاوضات ثنائية تقام لأول مرة وتحتضنها العاصمة القطرية الدوحة للوصول إلى سلام شامل بين الطرفين، فهل تقدر قطر على إنهاء عقدين من الحرب بينهما رغم العقبات الكثيرة؟

من الرفض إلى القبول

هذه المفاوضات تعتبر الأولى من نوعها بين الجانبين، فطيلة السنوات الـ19 السابقة كانت حركة طالبان ترفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المسؤولين الأفغان، ذلك أنها ترى فيهم مجرد "عملاء" لأسيادهم في البيت الأبيض.

انطلاقًا من هذا، كانت طلبان تعتبر المباحثات مع الحكومة عملية عبثية لا جدوى منها، لذلك اختارت التفاوض مباشرة مع الأمريكان، ففي صيف سنة 2018، باشرت واشنطن وممثلون عن حركة طالبان محادثات سرية في الدوحة، في الوقت الذي كانت الحكومة الأفغانية تسيطر على 55% فقط من أراضي البلاد، حسب ما جاء في تقرير أمريكي.

هذا الحدث "التاريخي" الذي طال انتظره لسنوات عدة، يأمل الأفغان أن يفرز اتفاق سلام ينهي نحو عقدين من الحرب بين الحكومة وحركة طالبان

أخيرًا.. توصل الطرفان إلى اتفاق، ففي 29 من فبراير/شباط 2020، وقعت الولايات المتحدة وحركة طالبان اتفاقًا تاريخيًا في الدوحة يفتح الباب أمام انسحاب شامل للقوات الأجنبية من أفغانستان، ومفاوضات سلام غير مسبوقة بين الأطراف الأفغانية.

أمام هذا التطور المهم، قررت طلبان قبول التفاوض مع الحكومة، وفي نهاية مارس/آذار ومطلع أبريل/نيسان، التقى وفد من طالبان في كابول بممثلين عن الحكومة للمرة الأولى منذ 18 عامًا، للبحث في تبادل الأسرى، وهو شرط مسبق للمفاوضات.

بعد ذلك بشهر، أعلنت حركة طالبان وقفًا أوليًا لإطلاق النار، تزامنًا مع نهاية شهر رمضان، ثم آخر في يوليو/تموز تزامنًا مع عيد الأضحى، كبادرة حسن نية وتعبير منها على سعيها الجاد لإنجاح مفاوضات السلام المرتقبة.

مع ذلك، شهدت انطلاقة المفاوضات الفعلية تأجيلًا متكررًا، ومع الانتهاء من ملف تبادل الأسرى المثير للجدل، جلس "الأخوة الأعداء" على طاولة الحوار وجهًا لوجه لبحث سبل انهاء الحرب بينهما وإحلال السلام في هذا البلد المنهك.

يذكر أن الحكومة الأفغانية أفرجت مؤخرًا عن 400 أسير من طالبان كانت ترفض إطلاق سراحهم من جملة 5 آلاف معتقل تم الاتفاق على الإفراج عنهم سابقًا، فيما أطلقت حركة طالبان دفعة جديدة من الأسرى لديها من أصل 1000 معتقل كانت الحكومة تشترط إطلاق سراحهم لبدء المفاوضات.

لا غالب ولا مغلوب

هذا الحدث التاريخي الذي طال انتظره لسنوات عدة، يأمل الأفغان أن يفرز اتفاق سلام ينهي نحو عقدين من الحرب بين الحكومة وحركة طالبان، حيث عانت البلاد في تلك الفترة ونتج عنها دمار شبه كامل لأفغانستان.

وتعاني أفغانستان من حرب مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2001، حين أطاح تحالف عسكري دولي تقوده واشنطن بحكم طالبان، بزعم ارتباطها بتنظيم القاعدة الذي تبنى هجمات 11 من سبتمبر/أيلول 2001 بالولايات المتحدة.

وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أكد في افتتاح المحادثات أن اتفاق السلام الأفغاني يجب أن يكون على أساس لا غالب ولا مغلوب، مشيرًا إلى أن السبيل الوحيد لإنهاء الصراع في أفغانستان هو وقف إطلاق النار والبدء في الحوار.

هذه المفاوضات الأفغانية/الأفغانية ستشمل عددًا من القضايا البارزة، وأهمها مناقشة القانون الأساسي للدولة الأفغانية

بالتزامن مع ذلك، أكد رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان الملا عبد الغني برادر في كلمته بافتتاح المفاوضات، سعي الحركة لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد، وأنه يجب الأخذ في الاعتبار مصالح كل أطياف الشعب، مشددًا على أنه لا بد أن تكون أفغانستان دولةً مستقلةً.

بدوره، شكر رئيس لجنة المصالحة الأفغانية عبد الله عبد الله حركة طالبان على استجابتها لجهود السلام، مؤكدًا أن الشعب الأفغاني يأمل في نجاح مفاوضات السلام وإنهاء الحرب وإقامة نظام دستوري يحقق الاستقرار في البلاد، مشيرًا إلى أن الصراع الحاليّ لا منتصر فيه، والجميع خاسرون إذا لم يستجيبوا لإرادة الشعب.

ويرى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيون، أن الأفغان لديهم فرصة تاريخية لبدء مسار جديد للبلاد، مشيرًا إلى أن المفاوضات الشاملة فرصة لتجاوز الانقسامات لتحقيق سلام دائم يحقق مصالح الشعب الأفغاني، فالخيار الأمثل في أفغانستان وفق بومبيون، هو تداول السلطة، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى لفرض نظامها على أحد.

قضايا شائكة

هذه المفاوضات الأفغانية/الأفغانية ستشمل عددًا من القضايا البارزة، وأهمها مناقشة القانون الأساسي للدولة الأفغانية والجيش الأفغاني، خاصةً القوات الخاصة فيه، كما ستشمل أيضًا وقف إطلاق النار في البلاد وكيفية إدارة الحكومة وتشكيلها وضرورة حلها وإنشاء حكومة مؤقتة تقود المباحثات بين الأفغان.

كما ستشمل المفاوضات أيضًا، علاقات أفغانستان مع الدول المجاورة لها، خاصةً حل المشاكل الحدودية مع باكستان وإيران، وأيضًا أزمات المياه وعلاقات البلاد الاقتصادية مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وبحث الاتفاقات التي وقعتها الحكومة الأفغانية مع الدول الأجنبية.

فضلًا عن ذلك، من المنتظر أن تشمل مفاوضات السلام، شروط وقف إطلاق نار دائم في البلاد وحقوق المرأة والأقليات ونزع سلاح عشرات الآلاف من مقاتلي طالبان والمليشيات الموالية لأمراء الحرب، بعضهم متحالف مع الحكومة.

سعي قطري لإنجاح المفاوضات

تسعى قطر جاهدة لإنجاح هذه المفاوضات بعد أن قادت لأشهر جهود الوساطة بين الطرفين، وتعتبر الدوحة وسيط "النهايات السعيدة"، خاصة أنها نجحت في وضع نهايات سعيدة لكثير من الأزمات والمشاكل في السنوات الماضية، في الوطن العربي والقارة الإفريقية، آخرها اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.

هذا النجاح القطري يرجع إلى العديد من الأسباب منها الإمكانات الدبلوماسية والعلاقات القطرية القوية مع الأطراف المختلفة وسياسة الأبواب المشرعة، بالإضافة إلى الأهمية التي توليها الدوحة لهذا الجانب، وتباينت الوساطة القطرية، سواء على الصراعات بين دول متنازعة أم جماعات ومجموعات سياسية أم جماعات مسلحة أم قوى معارضة.

وتسعى قطر إلى الاستثمار في هذا النجاح لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الأفغانية المتصارعة، خاصة أنها سبق أن استضافت مرات عديدة جلسات مفاوضات بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية في إطار جهود إحلال السلام في أفغانستان.

ورعت الدوحة في مايو/أيار 2015 جولة مفاوضات بين ممثلين عن الحركة ومسؤولين أفغان بهدف إنهاء الحرب الدائرة، وفي سبتمبر/أيلول 2016 جرت مفاوضات أخرى بين الطرفين لم تعلنها قطر بشكل رسمي.

ترامب حريص على نجاح المفاوضات لأسباب انتخابية، فهو يسعى إلى تحقيق نجاح في السياسة الخارجية قبل الاستحقاق الانتخابي القادم

كما استضافت الدوحة في شهر يوليو/تموز من العام الماضي حوارًا أفغانيًا/أفغانيًا، برعاية قطرية/ألمانية، وبمشاركة 60 شخصية من حركة طالبان والحكومة الأفغانية والمعارضة والمجتمع المدني، بصفاتهم الشخصية.

ونجح الحوار بالخروج بورقة تفاهمات أكدت ضرورة حماية المدنيين وتجنيبهم الآثار المترتبة على الصراع العسكري والعمل على عودة المهجرين ورفض تدخل القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية الأفغانية، كما شددت على الحفاظ على استقلال أفغانستان وإجراء الإصلاحات اللازمة في بنية الحكومة الأفغانية ومنع استخدام لغة التهديد والانتقام.

آمال ضعيفة

رغم كل هذا، يبقى الأمل في نجاح المفاوضات محدودًا، فطالبان التي تدخل المفاوضات في موقف تفاوضي أقوى من أي وقت مضى منذ إخراجها من الحكم تصر على فرض شروطها وعدم التنازل عن "إسلامية" الدولة، وألا سبيل بالتضحية برؤيتها للإسلام من أجل مصالح شخصية.

في مقابل ذلك، تصر الحكومة الأفغانية التي تعاني من خلافات شخصية وخصومات مستمرة منذ فترة طويلة، على عدم العودة إلى النموذج الطالباني والحفاظ على الوضع الراهن المدعوم من الغرب لجمهورية دستورية كرست "علمانية" الدولة الأفغانية.

من المنتظر أن يشكل نظام الحكم في أفغانستان والهيكل السياسي للدولة والمعتقلين، أهم الملفات الخلافية في هذه المحادثات التي تجمع بين حركة طالبان والعديد من الفصائل والأحزاب الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة.

الانتخابات الأمريكية حاضرة

لكن أمام كل هذا نلاحظ إصرارًا أمريكيًا على إنجاح هذه المفاوضات مهما كانت النتيجة، فالرئيس ترامب حريص على نجاحها لأسباب انتخابية، فهو يسعى إلى تحقيق نجاح في السياسة الخارجية قبل الاستحقاق الانتخابي القادم في البلاد حتى يرجح كفته على حساب منافسه جون بايدن.

ويسعى الرئيس الأمريكي لإنجاح المفاوضات حتى يتمكن من سحب جنوده من أفغانستان في أسرع وقت ممكن، وسبق أن نص اتفاق الدوحة الأول في 29 من فبراير/شباط الماضي، على أن واشنطن يجب أن تكون قد أخلت جميع رجالها من أفغانستان بحلول مايو 2021.

ولا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تسحب جنودها من هناك وتنهي أطول حرب تخوضها - التي بدأت قبل ما يقرب من 20 عامًا -، في حال لم يتوصل أطراف النزاع إلى حل ينهي الصراع بينهم.