ملف جديد يطرحه "نون بوست" ضمن سلسلة ملفات تبرز دور المرأة في حياتنا من جوانب بعيدة عن تلك التي ترتبط بصورتها النمطية كسيدة منزل وطبيبة ومعلمة وممرضة وسكرتيرة، على أهمية هذه الأدوار لا تقليلًا منها بالطبع، ولكن -هذه المرة- كعالمة ورائدة ومبتكرة، تتقدم على الند تمامًا من الرجل في مجالات احتكرها مرارًا.

"رائدات مسلمات" ملف جديد نروي عبره حكاية سيدات يعشن معنا الآن، لا في كتب التاريخ، يواصلن -بلا هوادة- طبع بصمتهن في تخصصات علمية رائدة، ويجمعن بين أمومتهن والاعتناء بأسرهن مع حياتهن العلمية والعملية الثرّة، ويقدمن نماذج يُقتدى بها في العالمين.

حكاية اليوم عن حلم لفتاة صغيرة، كان الإيمان به كافيًا ليصبح حقيقة، البروفيسورة حياة سندي العالمة المسلمة التي تمسكت بحجابها ووقفت صامدة أمام كل محاولات التمييز والتشكيك، كانت مؤمنة بقوة العلم وقدرته على تغيير واقع البشر، فوضعت على عاتقها مسؤولية إيصال العلم للناس لإيمانها بأن العلم وُجد لإيجاد الحلول.

حياة السندي ضمن 100 امرأة مؤثرة حول العالم، وأول عربية مسلمة استطاعت أن تختص في مجال التكنولوجيا الحيوية biotechnology، واستطاعت تطويع العلم لخدمة الإنسان، فتوصلت إلى ابتكار شرائح صغيرة بحجم بصمة الإصبع لتوفر الفحوصات بطريقة سهلة وقليلة التكلفة ودقيقة لتخدم أكبر عدد من الناس في بلدان العالم الفقيرة والأماكن التي يتعذر فيها الوصول للمؤسسات الصحية.

ولإيمانها بقدرة النساء في الشرق الأوسط على التغيير، أصبحت سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للعلوم، محاولةً نقل تجربتها وإلهام الفتيات الشابات خاصة لتخطي العقبات والسعي للعلم.

ولدت حياة بنت سليمان بن حسن سندي عام 1967 في مكة المكرمة لأسرة محافظة على التقاليد العربية وملتزمة دينيًا، ورغم كون أسرتها كبيرة بعض الشيء ولديها سبعة أشقاء، حرص والدهم بشكل كبير على زرع محبة العلم والدراسة، ما ترك الأثر الكبير في شخصية حياة، "فقط بالعلم والدراسة يمكن للإنسان أن يصبح ما يريد" هذا جواب والد الدكتورة حياة عندما سألته ذات يوم في طفولتها المبكرة كيف يمكن أن تصبح أحد هؤلاء العلماء الذين تقرأ سيرتهم.

منذ نعومة أظفارها أحبت حياة العلوم والاستكشاف، وكان لها أبطالها الخارقون، فأحبت الرازي وابن سينا وابن الهيثم وأينشتاين وماري كوري، وتأثرت كثيرًا في طفولتها بالعلماء الذين قدموا خدمات كبيرة استفاد منها البشر عبر التاريخ، وتذكر من ضمن حديثها في ملتقى TEDx عندما كانت في الخامسة من عمرها كيف صنعت من كرسي قديم مكسور كهفًا خاصًا بها للتأمل، وكانت تقضي فيه ساعات اللعب مرتدية عباءة والدتها متخيلة نفسها أحد علماء المسلمين أو واضعة كيس كارتوني على رأسها، كأنها رائدة فضاء تمشي على سطح القمر، هذا الخيال الواسع وحب الاستطلاع خلق ملامح الحلم الذي سعت إليه في حياتها لاحقًا.

بعد إكمالها تعليمها الثانوي في مكة المكرمة، كان أمام حياة تحدٍ كبير وهو إقناع عائلتها بالسعي خلف حلمها الكبير والسفر إلى بريطانيا لإكمال تعليمها، لم تكن مهمة الإقناع سهلة، لكن لم يكن أمام عائلتها إلا الإيمان بحلمها الكبير.

عند الوصول إلى لندن كان بانتظارها تحدٍ أكبر، حياة التي لم تخرج خارج حدود بلدها وجدت نفسها وحيدة في البلد الغريب لا أحد يعبأ بتلك الفتاة الطموح بزيها الإسلامي ولغتها الإنجليزية الضعيفة، كادت أحلامها تهوي عندما رفضتها الجامعات البريطانية التي قدمت لها لعدم اعترافهم بشهادتها الثانوية التي حصلت عليها في السعودية وعدم كفاءتها باللغة الإنجليزية ووصفوها بالفتاة المجنونة ونصحوها بالعودة إلى بلدها.

حياة التي كانت شغوف بالعلم منذ الصغر لم تستسلم، وحاربت من أجل الحصول على فرصة تثبت فيها أن طموح الإنسان وإرادته لهما القدرة على التغلب على كل العقبات.

بعد الإنجازات العلمية التي حققتها، تسعى الدكتورة حياة إلى مساعدة المبتكرين الشباب من خلال تأسيسها مؤسسة تدعم الابتكار

ورغم بعدها عن الأهل وإقامتها في مجتمع له ثقافة مختلفة تمامًا، فإنها حاربت تلك الوحدة بالدراسة وحفظ القرآن، وفي خلال سنة استطاعت حفظ القرآن وإتقان اللغة الإنجليزية والخضوع لاختبار أهلها لدخول كلية الصيدلة في King's College London.

خلال سنوات دراستها في كلية الصيدلة، استطاعت حياة سندي إجراء أبحاث عن أحد العقاقير المستخدمة في علاج الربو، فاستطاعت تطوير هذا العقار بتقليل آثاره الجانبية، كما حصلت على جائزة الأميرة آن Princess Anne's Award عن أبحاثها التي أجرتها عن التحسس وهي لا تزال طالبة.

بعد إكمالها دراسة الصيدلة عام 1995، استمرت حياة سندي في المضي قدمًا نحو شغفها، فالتحقت بجامعة كامبريدج لدراسة الدكتوراة في تخصص الـBiotechnology، رغم كل أشكال الضغوطات والتمييز التي تعرضت لها كونها مسلمة من بلد عربي وبلباس إسلامي، تلك المحاولات التي كانت تهدف لزعزعة ثقتها بمعتقداتها، جعلتها ذات إصرار أكبر على إيصال رسالة للمجتمعات الغربية مفادها أن العلم لغة عالمية بعيدًا عن الدين والعرق واللون والجنس.

حياة سندي

الدكتورة حياة سندي في محاضرة لها على منصة PopTech عام 2009 في بلدة كامدن الأمريكي. مصدر الصورة فلكر بوب تك.

فلسفة الدكتورة حياة سندي قائمة على أن العلم وُجد لإيجاد الحلول وخدمة الإنسان، وعملت على ترجمة هذه الفلسفة من خلال إيصال العلم للجميع وأنشأت بذلك أول مؤسسة غير ربحية "التشخيص للجميع" مع جامعة هارفارد Diagnostics For All (DFA) التي تسعى إلى تسخير التكنولوجيا لإنتاج طرق تشخيص مبتكرة منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام مخصصة بالأساس لخدمة بلدان العالم النامي، حيث لا يستوجب استخدامها الخبرة أو وجود مؤسسات صحية أو مقدمي رعاية طبية.

تقدم هذه المؤسسة مجموعة من الفحوصات مثل فحص وظائف الكبد عن طريق قطرة دم واحدة الذي يظهر نتائج دقيقة خلال 15 دقيقة فقط، والأبحاث التي يتم تطويرها عن المناعة وعدد من اللقاحات مثل لقاح الكزاز والحصبة الممول الذي تؤسسه بيل وميليندا غيتس، وأبحاث أخرى لإنتاج رقائق دقيقة يمكنها إحداث ثورة في مجال كشف الأمراض المعدية التي باستطاعتها كشف الحمض النووي للفيروسات، ما يمكنها من إجراء فحوصات دقيقة وسهلة الاستخدام ومنخفضة التكلفة.

كما طورت البروفيسورة حياة سندي مجسًا متعدد الاستعمالات magnetic acoustic resonator sensor MARS ذا حجم أصغر من ذي قبل ودقة أعلى يصنع من ألياف زجاجية ومواد أخرى رخيصة جدًا يستطيع كشف الأمراض بالصدى الناتج عن مجال مغناطيسي ولا يحتاج إلى تلامس أو ما شابه.

بعد الإنجازات العلمية التي حققتها، تسعى الدكتورة حياة إلى مساعدة المبتكرين الشباب من خلال تأسيسها مؤسسة تدعم الابتكار "معهد التخيل والبراعة" عام 2011 في الشرق الأوسط هدفه إنشاء نظام بيئي لريادة الأعمال والابتكار الاجتماعي العلماء والتقنيين والمهندسين في الشرق الأوسط وخارجه، بالإضافة إلى محاولاتها دعم الشباب من خلال مشاركتها كزميل في مؤسسة poptech التي تدعم الأفكار والأبحاث الرائدة التي اعتبرت الدكتورة حياة سندي أحد العلماء الذين بإمكانهم تغيير شكل الحياة على كوكب الأرض.

"لا يكفي أن تكون ذكيًا وامتلاك الموارد لابتكار اختراق حقيقي لتغيير حياة الناس. نحن بحاجة إلى توجيه العلم إلى هذه القضايا من أجل إحداث التأثير"، هذه الكلمات جزء من رسالة الدكتورة حياة سندي التي تطمح من خلالها أن تحدث الفارق في حياة البشر، وتحاول أن تسهم كسفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة في مجال العلوم بمنح الأمل وإحداث التغيير في مجتمعات الشرق الأوسط.