حرق المتظاهرين لسيارة شرطة في مصر

طالب آلاف المحتجين الذي خرجوا في مظاهرات في عدد من المحافظات المصرية، أمس الأحد وفجر اليوم، برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتعبير عن حالة الغضب والاحتقان التي وصلوا إليها جراء سياسات النظام المتعبة خلال السنوات الماضية.

التظاهرات التي خرجت من الإسكندرية شمالًا وحتى أسوان جنوبًا، تعد تطورًا نوعيًا في مسار الاحتجاجات الشعبية رغم القبضة الأمنية المشددة التي تحكم سيطرتها على المشهد خلال الفترة الأخيرة، لا سيما في ظل حالة الاستنفار المشددة التي شملت معظم شوارع مصر.

وتناقلت القنوات الفضائية المعارضة ومنصات السوشيال ميديا العديد من الصور ومقاطع الفيديو لبعض التظاهرات التي خرجت في عدد من القرى والنجوع، تضمنت مواجهات عنيفة أحيانًا مع قوات الأمن التي أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفرقة المتظاهرين في بعض المناطق.

ورغم أن هذه التحركات جاءت في ظاهرها استجابة لدعوة التظاهر التي أطلقها مقاول الجيش السابق محمد علي، تكرارًا لدعوات العامين الماضين، فإن الأمور حملت الكثير من الرسائل والدلالات التي تفوق في مضامينها فكرة الاستجابة لمثل هذه الدعوات الإلكترونية.

التحرك.. مكسب

كثير من المحللين والمراقبين للمشهد المصري كانوا يعتقدون أن الخروج للتظاهر والاعتراض أيًا كانت سوءات الوضع وعورات النظام باتت فكرة بالية ودربًا من الخيال، متوهمين أن الشعب كفر بالثورة وإفرازاتها وذلك لما وجده من تداعياتها على حياته المعيشية في الوقت الراهن.

وسعت السلطات بشتى السبل لتصدير حالة الإحباط لدى الشارع بشأن نجاح أي من مثل تلك التحركات، فضلًا عن التحذيرات المتتالية للرئيس المصري في أكثر من مناسبة بعدم السماح لتكرار ما حدث في يناير 2011 مهما كان الثمن، وهي الرسالة التي فسرتها الأجهزة بالدفع نحو المزيد من الترهيب.

وعليه فإن خروج البعض ولو كانوا عشرات في حزم تظاهرية في عدد من المناطق يعد مكسبًا سياسيًا كبيرًا في المسار الاحتجاجي الشعبي، ويعيد الحالة الثورية إلى الأضواء مرة أخرى بعدما ظن الكثيرون أنها باتت أحد الطقوس البالية في الأزمان الغابرة.

ليس المقاول وحده

العزف المتكرر سواء من الإعلام الداعم للنظام أم اللجان الإلكترونية على منصات السوشيال ميديا بتضييق الخناق على سيناريوهات التعاطي مع تلك التظاهرات كونها ليست إلا استجابة لدعوات المقاول محمد علي، الشريك القديم للقوات المسلحة المصرية في مشروعاتها، هو في حقيقته عزف لتشويه الحراك.

والقارئ لخريطة التظاهرات التي خرجت بالأمس وديموغرافيتها التفصيلية يجد أنها لم تكن فقط استجابة لدعوات هذا أو ذاك، غير أن هناك عاملًا مشتركًا بين الجميع، التنديد بالنظام وسياساته، ومن ثم الخروج تعبيرًا عن حالة الاحتجاج والغضب التي تخيم على المشهد.

الكثير من الأسباب كانت وراء استجابة الناس للتظاهر، فبعيدًا عن فكرة إسقاط النظام، وهو الشعار الثوري التقليدي، فإن نسبة كبيرة ممن خرجوا كان الدافع لهم سياسات النظام وقرارات الحكومة الأخيرة بعيدًا عن فكرة الدعم أو المعارضة لنظام السيسي.

الشعارات المرفوعة حملت الكثير من الدلالات والرسائل لا سيما المتعلقة بقانون التصالح الذي يهدد حياة الملايين من المصريين، خاصة بعد موجات الإزالة التي نفذتها الأجهزة التنفيذية وأودت بالعشرات في الشوارع بلا مأوى، وما أقره القانون الجديد من رسوم إضافية على المواطنين أرهقت كاهلهم المثقل بطبيعة الحال بموجات لا تتوقف من الضغوط الحياتية الناتجة عن الارتفاع الجنوني في كل أسعار السلع والخدمات وزيادة الضرائب وتراجع الحد الأدنى للحياة الكريمة.

والمتابع للشارع المصري خلال الأيام الماضية يلحظ وبشكل واضح تصاعد موجات الغضب ضد النظام، وهو ما تجسد في التصدي الشعبي لبعض القرارات الحكومية جراء إجراءات الإزالة والهدم، تمثلت في التصدي لقوات الشرطة بالأسلحة كما حدث في الصعيد أو رشقهم بالحجارة كما حدث في محافظة البحيرة.

بؤر ثورية جديدة

اعتاد المتظاهرون منذ ثورة يناير وما تلاها من حراكات متباعدة الارتكان إلى الأماكن ذات الرمزية الثورية، كميدان التحرير ومحيطه والميادين العامة في المحافظات الإقليمية، وهي الساحات التي شهدت الإرهاصات الأولى للثورة قبل 9 أعوام.

لكن الأمر هذه المرة تغير نسبيًا، فلم يعد ميدان التحرير الذي تحول إلى ثكنة عسكرية القبلة التي يستهدفها المحتجون، وهو التطور الذي لم يكن في حسبان السلطات الحاكمة، حيث خرج الغاضبون من القرى والنجوع والمناطق النائية من المحافظات.

وبينما كانت عربات الشرطة والجنود المدججون بالسلاح والقناصة على منصات بنايات ميدان التحرير بالقاهرة والشوارع الرئيسية في العواصم الرئيسية الأخرى، كان المتظاهرون يهتفون ضد النظام في قرى مركز الصف بالجيزة وجزيرة الوراق بالقاهرة والمعمورة بالإسكندرية والقناطر الخيرية بالقليوبية والخزان وغرب سهيل بأسوان.

الانتقال من المركز للأطراف يزيد الحراك الثوري زخمًا جديدًا، ويشتت انتباه وتركيز محاولات السيطرة عليه ووأده مسبقًا كما كان يحدث في التظاهرات التي تستهدف التحرير، وهو ما يعكس رؤية جماهيرية مختلفة تمامًا لتطورات المشهد ربما يكون لها تداعياتها المستقبلية.

استنفار يعكس القلق

رغم مزاعم التهوين والتقليل من شأن ما حدث بالأمس، والعزف المنفرد على أوتار أن مثل تلك الدعوات ما عادت تؤثر في الشارع المصري بحسب خطاب الداعمين للنظام، فإن القراءة المتأنية للتعامل مع تلك الدعوات يفند تمامًا تلك الادعاءات شكلًا ومضمونًا.

جولة واحدة داخل ميدان التحرير والشوارع الرئيسية في القاهرة والجيزة والإسكندرية توحي لك كأنك في حالة حرب حقيقية، الميدان تحول إلى ما أشبه بثكنة عسكرية، فمشهد السيارات أمام مجمع التحرير وعلى ناصية شارع محمد محمود وفي عبد المنعم رياض تعيد الأذهان إلى ثورة يناير.

كما أشارت بعض وسائل الإعلام إلى استباق أجهزة الأمن هذه الاحتجاجات بشن حملة اعتقالات شملت رموزًا سياسية، من بينهم المفكر السياسي اليساري أمين المهدي وعدد من النشطاء، هذا بخلاف خطاب الهجوم الموحد ضد التظاهرات والداعين لها والمؤيدين، بجانب حملة الدعم الممنهجة لمؤازرة الرئيس المصري التي جاءت تحت شعار "كلنا معك" و"لست وحدك".

حالة الاستنفار تلك تعكس بشكل كبير حجم قلق السلطات، حتى إن كان قلقًا طبيعيًا من باب "الاحتياط" فإنه يكذب الطرح الإعلامي والسياسي المقلل من قيمة تلك الاحتجاجات وتأثيرها على الساحة، وهي النقطة التي تعد مؤشرًا قويًا على أن الروح الثورية والاحتجاجية لدى الشارع لم تمت كما زعم الكثيرون.

فشل إستراتيجية التخويف

كان التخويف والترهيب هو السلاح الأكثر حضورًا في تفسير غياب الزخم الثوري عن الشارع طيلة السنوات الماضية، وهو الإجابة الأكثر إقناعًا بشأن تساؤلات ارتكان الغاضبين لأسرة الصمت ومقاعد الاستسلام، فالتنكيل المتواصل والاعتقالات المستمرة هي النتيجة المتوقعة للتعبير عن الرأي.

لكن تظاهرات الـ20 من سبتمبر الحاليّ رغم قلتها، فإنها دليلًا واضحًا على فشل إمبراطورية الخوف التي بناها النظام على مدار سنوات طويلة، ولعل تزايد أعداد المشاركين ساعة تلو الأخرى يعكس هذه النتيجة بشكل كبير، حيث وجد المصريون في تلك الاحتجاجات فرصة لكسر هذا الحاجز الذي جثم على صدورهم طويلًا.

الخروج العشوائي للمتظاهرين غير المؤدلجين في معظمهم يشير إلى أن أطياف المعارضة بشتى أنواعها باتت خارج نطاق الخدمة، سواء كانت المعارضة الشكلية أم الحقيقية، في الداخل كان أو الخارج، فما حدث هو استجابة الناس لواقعهم المعيشي المتردي.

الشعارات المرفوعة في معظمها شعارات تعكس كفر الشعب بالسياسات التي أرهقت معيشتهم وأثقلت كاهلهم، بعيدًا عن الهتافات الرنانة التقليدية التي كانت تشير إلى فصيل هنا أو تيار هناك، فالعشوائية هنا كانت السمة الأبرز وهي الوقود الأكثر حضورًا في المشهد.

من غير الموضوعي تضخيم ما حدث وتحميله فوق طاقته، كما أنه من المبالغ فيه التهويل مما يمكن أن يسفر عنه من نتائج، لكن في الوقت ذاته لا يمكن النظر إليه على أنه حراك نسبي مؤقت وانتهى، فالرسائل المقدمة والدلالات التي عكستها التفاصيل تشير إلى أن الأمر ربما يكون مختلفًا عما سبقه، حيث الكرة الآن في ملعب المواطن غير المسيس، وهي الورقة التي ستجعل من احتواء حالة الغضب مسألة شاقة للنظام الحاليّ.