شهد "سوق الفلاحين" في البيرة إقبالًا غير مسبوق من الفلاحين والمستهلكين هذا الصيف

شهد "سوق الفلاحين" في البيرة إقبالًا غير مسبوق من الفلاحين والمستهلكين هذا الصيف

ترجمة وتحرير نون بوست

"في سوق الفلاحين أبيع منتجاتي وأغلفها بحب" هذا ما قاله سعد داغر فلاح فلسطيني في سوق الفلاحين بالضفة الغربية حيث حاول النشطاء خلق مساحة مربحة للفلاحين لبيع منتجاتهم بينما يخلقون في الوقت نفسه روابط اجتماعية مع مجتمعاتهم.

يقول داغر: "إنني سعيد كفلاح لأنني أمنح المستهلكين الفلسطينيين أفضل ما أنتجه، لقد زُرع بحب وبيع بحب"، تهدف المجموعات الشعبية الفلسطينية إلى دعم الفلاحين المحليين لزراعة وحماية أرضهم من خلال سوق الفلاحين - وهو سوق أسبوعي بدأ في عدة مدن فلسطينية - وسط مخططات إسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.

بالنسبة للفلاحين الفلسطينيين، فالطريقة العادية لتسويق منتجاتهم هي بيعها للوسطاء الذين يبيعونها بدورهم للأسواق الكبرى والمتاجر، عادة ما يحصل الوسيط على النسبة الأكبر من الربح بينما يحصل الفلاح صاحب المنتج الحقيقي على نسبة قليلة جدًا وفي بعض الأحيان يخسر المال.

يقول داغر "في السوق التقليدي يبيع الفلاح للتاجر الذي يسعى للحصول على أقل سعر من الفلاح وأعلى سعر من المستهلك"، تؤكد عائشة منصور - متطوعة في مبادرة "شراكة" التي تساهم في تنظيم سوق الفلاحين بمدينة البيرة وسط الضفة الغربية - أن السوق التقليدي حوّل الزراعة إلى مهنة غير مجدية ماديًا.

سوق الفلاحين
الفلاحون يجلسون بجوار عنبهم ومنتجاتهم الطازجة الأخرى

حيث تقول: "في السوق التجارية الحرة اليوم يجد الفلاحون المحليون صعوبة في التنافس والحصول على سعر عادل لمنتجاتهم، فأسواق الضفة الغربية تمتلئ بالمنتجات الرخيصة من "إسرائيل" لإلحاق الضرر بالمنتجات المحلية".

عجز الفلاحين عن التسويق لمنتجاتهم تركهم غير قادرين على الزراعة في المقام الأول، ونتيجة لذلك أهمل بعضهم الزراعة وبالتالي أهملوا أراضيهم مما جعل من الصعب على الفلسطينيين حماية أراضيهم من التجاوزات الإسرائيلية.

استخدمت السلطات الإسرائيلية قوانين الأراضي المختلفة للاستيلاء على الأراضي الزراعية الفلسطينية وأبرزها قانون يعود صدوره إلى عام 1858 يسمح لهم بمصادرة الأراضي الفلسطينية غير المزروعة وتسليمها للمستوطنين اليهود أو استخدامها لأغراض عسكرية.

يقول رامي مسعد - متطوع مع منتدى الشراكة الشبابية الذي ينظم السوق في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية -: "على النقيض من ذلك، توفر أسواق الفلاحين منصة لصغار الفلاحين لتسويق منتجاتهم مباشرة للمستهلكين بسعر عادل وأفضل بشكل كبير، في بيئة تسمح بالتفاعل الاجتماعي مع المنتجين".

يعتقد المنظمون أن هذا النجاح يرجع إلى حقيقة أن الأسواق الجديدة توفر بديلًا للطرق التقليدية لبيع المنتجات

ويضيف: "يساهم السوق في تقوية مرونة الفلاحين وتوسيع عملهم من خلال قناة تسويقية دائمة تجعل الزراعة ملائمة ماديًا وتشجعهم على الحفاظ على الأرض وزراعتها وحمايتها من المصادرة، إن دعم الفلاحين للبقاء في مزارعهم وزراعة المزيد من القطع هو الأداة الرئيسية لمحاربة بناء المستوطنات غير القانونية على الأراضي الفلسطينية".

روابط اجتماعية

بدأ أول سوق للفلاحين الفلسطينيين منذ سنوات في البيرة، لكن هذ الصيف شهد حضورًا غير مسبوق من المستهلكين والفلاحين، مما ألهم النشطاء لبدء أسواق مشابهة في مدن فلسطينية أخرى مثل رام الله وبيرزيت ونابلس.

يعتقد المنظمون أن هذا النجاح يرجع إلى حقيقة أن الأسواق الجديدة توفر بديلًا للطرق التقليدية لبيع المنتجات، فهي تجمع معًا من يطمحون لتحقيق نموذج بديل للاستهلاك والإنتاج في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني - خاصة قطاع الزراعة - من مشكلات عديدة نظرًا للاحتلال الإسرائيلي وجائحة كوفيد-19.

يأمل جمال نجوم الفلاح من بلدة العوجة في غور الأردن أن ينتشر سوق الفلاحين في جميع المدن الفلسطينية لقدرته على بيع منتجاته في موقع متميز وسط مدينة البيرة، يقول نجوم: "لقد شجعني سوق الفلاحين لأنه يكافئ جهودي ماليًا في زراعة التمور، سوف أبقى في أرضي وأحاول زيادة المساحة المزروعة في الموسم المقبل".

مرطبات
يحيي جمال نجوم الزبائن بمرطبات من سوق الفلاحين

يوفر السوق مساحة للفلاحين الذين يعيشون في المناطق الريفية في المنطقة "ج" - الجزء الواقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي من الضفة الغربية (نحو 64%) - للتفاعل مع المستهلكين الفلسطينيين الذين يعيشون في المدن في المنطقة "أ"، إنهم لا يبيعون منتجاتهم فقط لكنهم يشاركون قصصهم وتجاربهم مع المستهلكين مما يخلق روابط قد تؤدي إلى أشكال أخرى من الشراكة والتعاون.

تعتقد ريناد شقيرات - مديرة مركز خليل السكاكيني الثقافي الذي ينظم سوق الفلاحين في رام الله - أن وجود الأسواق في المدن علامة على أن هناك أشخاصًا يهتمون بوعي بجودة ومصدر ما يستهلكونه.

تقول شقيرات: "هذه المبادرات لا تساهم فقط في دعم الفلاحين بإقصاء الوسطاء بل توفر أيضًا منصة لمجتمعنا للحصول على منتجات صحية خاصة الفواكه والخضراوات".

يقول كمال أمين - مواطن من رام الله -: "هذا السوق مساحة يتحدث فيها الناس مع الفلاحين ويستمعون لقصصهم والتحديات التي يواجهونها"، مؤكدًا "أشتري من الفلاحين لدعمهم، من واجبنا أن ندعم المنتج الوطني القادم من مناطق تخضع لتهديد الاحتلال الإسرائيلي".

يشير المنظمون بفخر إلى أن السوق مبادرة شعبية خالصة ولا تموله أي جهات أجنبية

يؤمن أمين بضرورة مساعدة الفلاحين لبناء قدراتهم والقدرة على منافسة المنتجات المزروعة في المستوطنات الإسرائيلية لاستعادة السيادة الغذائية الفلسطينية، ويضيف: "يجب أن نعود لأمنا الأرض لأنها تقدم لنا الحلول، جميع المنتجات هنا غير كيميائية ولا تسبب السرطان، كما أنها محلية وهذا ما نبحث عنه".

يعتقد داغر الذي جاء من قرية بني زيد شمال رام الله أن الأسواق التقليدية لا تضع الفلاحين في تواصل مباشر مع المستهلكين والمزارعين الآخرين، ويضيف: "لكننا هنا نبني العلاقات، إنها مساحة اجتماعية فريدة التقي فيها مع أقراني وأتحدث معهم وأتبادل البذور والتجارب واكتشف المشكلات المشتركة وكيف أتعامل معها".

موارد محلية

يشير المنظمون بفخر إلى أن السوق مبادرة شعبية خالصة ولا تموله أي جهات أجنبية، تقول منصور: "فلسفتنا قائمة على حقيقة أن الأنشطة والتدخلات يجب أن تتم بموارد محلية، لذلك رفضت منظمة "شراكة" المساعدات لدعم أنشطتها ونظمت سوق الفلاحين الأسبوعي من خلال شركاء محليين ومصادر قليلة، من خلال التجربة فالمشروعات التي تعتمد على المساعدات وقتها قصير وغير دائمة".

يقول نجوم إنه ينتج التمور العضوية دون استخدام أي مواد كيميائية ويجلبها طازجة للسوق حيث يوجد الكثير من الناس المهتمين بشراء هذه المنتجات لأنها طبيعية، في الوقت نفسه يرى داغر أن سوق الفلاحين فرصة لتقديم الزراعة البيئية التي قام بتكييفها في مزرعته البشرية حيث ينتج الطماطم والباذنجان والكوسة وغيرهم من المنتجات.

السوق
فلاحة تبيع الخبز التقليدي في السوق

تقول هيفاء زيتون - طاهية من القدس - إنها تشتري دائمًا من سوق الفلاحين لدعم الفلاحين الفلسطينيين، كما أنها تثق في منتجاتهم أيضًا حيث وصفتها بأنها ممتازة وخالية من الكيماويات المضرة.

وتضيف: "أحب أيضًا أن أدعم ربات المنازل اللاتي يعملن في إنتاج الطعام سواء بزراعة أراضيهن أم تربية أغنامهن، إنهن يصنعن جبنة ولبنة رائعين وأسعارهن في متناول اليد".

يهدف المنظمون أيضًا إلى أن يصبح السوق حدثًا صديقًا للبيئة بتشجيع عدم استخدام البلاستيك خاصة فيما يتعلق بصناديق العرض وأكياس التسوق، إنهم يشجعون المشترين على إحضار الحقائب القماشية معهم أو شراء أكياس ورقية تباع في السوق، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يأتي الفلاحون من مناطق قريبة للحد من التلوث الذي تسببه وسائل المواصلات.

الأهم من ذلك أن المنتجات التي تباع في السوق موسمية ويتم إنتاجها بطريقة تقليدية وطبيعية، يأمل المنظمون في أن يساعد ذلك في بناء الوعي بالحاجة إلى التخلص من النفايات والاهتمام بالبيئة.

يعتقد النشطاء أن تحويل الزراعة لعمل مربح بتسويق المنتجات سيشجع الفلاحين على زراعة المزيد من القطع الزراعية في المناطق المستهدفة، ومع انتعاش السوق بالفعل في بعض المدن الفلسطينية، بدأت مدن أخرى مثل بيت لحم وجنين بالاستعداد لإطلاق أسواقهم في الأسابيع القادمة.

المصدر: ميدل إيست آي