حكاية اليوم عن امرأة تلعب خمسة أدوار بشكل يومي، استطاعت بهمتها اللامتناهية أن توّفِق بين مسؤوليات الأم ومتطلبات الأسرة وعملها كعالمة ومربية مبادرات مجتمع وناشطة نسوية، رنا الدجاني التي لا تعرف المستحيل، بابتسامتها المشرقة وتفاؤلها وإصرارها استطاعت أن تخلق التغيير في مجتمعها وتلهم النساء أن الإرادة لا تعرف العقبات والأحلام ربما تؤجل لكن لا تموت.

رنا الدجاني العالمة الأردنية المتخصصة في بيولوجيا الخلية، واحدة من أقوى النساء المسلمات وأكثر النساء الملهمات في العالم العربي والإسلامي التي تعتبر مرجعية عالمية في الأمراض الوراثية في الأقليات وساهمت في إحداث الفارق في المجتمعات بإطلاقها الحملات والمبادرات الاجتماعية، نحكي اليوم عن حياتها وعلمها.

رغم شهرتها كعالمة أردنية، فإن رنا الدجاني تنحدر من عائلة مختلفة الجنسيات، فوالدها باسم محمد ربحي الدجاني فلسطيني الجنسية ووالدتها سورية الجنسية.

كان لنشأة الدكتورة رنا الأثر الواضح على حياتها ونبوغها، فقد كانت لعائلتها طقوس خاصة لدفعهم نحو العلم والاطلاع منها منع والدتهم اقتناء تلفاز في المنزل ليستثمروا أوقاتهم بالقراءة، وبتلك البيئة التي نشأت بها مع أخواتها السبع أحبت رنا القراءة كثيرًا وكانت العائلة تقضي أمسيتها بالنقاش وفسح المجال لرنا وأخواتها للتساؤل وإشباع فضولهم المعرفي، رنا الطفلة شُغفت بالعلوم وكانت تلك بداية حكايتها.

أكملت رنا الدجاني تعليمها الثانوي بمعدل عالٍ يؤهلها لدخول كلية الطب، وبالفعل دخلت كلية الطب لكنها لم تجد نفسها فيها، فآثرت الانتقال إلى كلية تقربها من شغف الطفولة، ملتحقة بكلية العلوم في الجامعة الأردنية لتكمل البكالوريوس والماجستير من نفس الجامعة عام 1992.

بعد إكمالها دراسة الماجستير، لاقت الدكتورة رنا العديد من الصعوبات لإكمال الدكتوراه منها عدم توافر التخصص في الأردن بالإضافة إلى غياب الإمكانية المادية التي تؤهلها للسفر والدراسة.

لسنوات في انتظار الحلم، عملت الدكتورة رنا معلمة بأكاديمية عمان ومحاضرة في جامعة فيلادلفيا حتى تسنى لها السفر إلى الولايات المتحدة مع زوجها - الذي كان الداعم الأكبر لها، حيث تخلى عن وظيفته في سلاح الجو الأردني ليتسنى له السفر مع زوجته لتلتحق بحلمها - وأطفالها مكملة دراسة الدكتوراة في جامعة أيوا تخصص البيولوجيا الجزيئية عام 2005.

بعد إكمالها الدكتوراة عادت الدكتورة رنا إلى الأردن لتعمل أستاذة مساعدة في الجامعة الهاشمية، واستطاعت أن تؤسس بتلك الجامعة مركزًا للدراسات والأبحاث تحت إشرافها عام 2011.

تركزت أبحاث الدكتورة رنا حول فهم الإشارات بين الخلايا ودراسة الارتباط على مستوى الجينوم فيما يتعلق بمرض السكري والسرطان والخلايا الجذعية، كما كرست قسمًا من أبحاثها لدراسة الوراثة في بعض الأقليات التي تعيش بالأردن (السكان الشيشان والشركس) وتعتبر أبحاثها مرجعية في هذا المجال. 

استطاعت الدكتورة رنا بعد ذلك أن تحصل على منحة فولبرايت للدراسة في مركز الخلايا الجذعية قسم الوراثة وتستمر بالتدرج والتميز الأكاديمي كباحث زائر في معهد فارادي التابع لجامعة كامبريدج وأستاذ زائر في مركز علاج الخلية في جامعة الأردن.

كما عملت في برنامج AMENDS بجامعة ستانفورد ومستشارة في مجلس Fetzer الاستشاري للعلوم الطبيعية وباحثة زائرة في جامعة ريتشموند ومستشاراة لشركة Alpha Sights.

خلق التغيير

غالبًا ما تردد الدكتورة رنا في المقابلات والمحاضرات التي تظهر فيها عبارة: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" التي نقلتها من البعد النظري إلى بعد التطبيق والعمل بها، فهي تؤمن أن العلم يجب أن يسخر لخلق التغيير في المجتمعات والعلماء بحكم علمهم ومهاراتهم يجب أن يصنعوا المبادرات التي تؤهل الناس في المجتمعات لخلق التغيير.

ساهمت الدكتورة رنا الدجاني في تأسيس أكاديمية العالم الإسلامي للعلماء الشباب الإيسيسكو التي تهدف إلى تقوية قدرات المنظومات التربوية وتحسين مؤشراتها وتحفيز التنمية الثقافية الشاملة لشعوب العالم الإسلامي.

موقفها الداعم للمرأة

رنا الدجاني اختيرت كواحدة من أقوى 100 امرأة عربية في مجلة CEO Middle East وواحدة من أقوى 100 عربي في العالم في فئة "العباقرة" من مجلة أريبيان بزنس وواحدة من 100 امرأة مؤثرة في العالم الإسلامي وأحد 20 عالمة مؤثرة تسعى إلى دعم المرأة وتأهيلها لتؤدي دورًا رياديًا.

أسست الدكتورة رنا "شبكة دعم وإسناد المرأة" وهي مبادرة تهدف إلى دعم النساء في مختلف المجالات وإيجاد المجاميع الداعمة والمقدمة للنصح بهدف إيجاد الحلول للمشكلات التي تواجهها المرأة.

photo

كما ألفت الدكتورة رنا الدجاني كتابها "الأوشحة الخمس إذا استطعنا عكس مصير الخلية، فلماذا لا يمكننا إعادة تعريف النجاح؟"، هذا ما تقوله الدكتورة رنا في كتابها الذي يعتبر ثورة ودعوة للعمل وجزء من سيرة ذاتية عن الأدوار الخمس (الأوشحة) التي تؤديها في حياتها بشكل يومي، فهي الأم والمربية والعالمة ورائدة المبادرات الاجتماعية والناشطة النسوية، مسلطة الضوء على العقبات والتحديات التي تواجه المرأة في حياتها وفي سوق العمل، محاولة إيجاد نمط جديد كي لا تضطر المرأة للاختيار بين أسرتها وعملها.

مبادرة تشجيع القراءة

إيمان الدكتورة رنا أن القراءة هي المتغير الأهم في معادلة التغيير، دفعها لتأسيس مشروع نحن نحب القراءة في الأردن We Love Reading الذي يهدف إلى تدريب الأبوين وجعلهم قادرين على القراءة لأطفالهم بشكل يومي، هذا المشروع الذي لاقى رواجًا وانتشر إلى أكثر من 55 دولة وضم المشروع أكثر من 15000 مكتبة وحي ومخيم للاجئين ويضم أكثر من 250000 كتاب وحاز العديد من الجوائز العالمية منها جائزة الأمم المتحدة لدعم اللاجئين وجائزة Synergos للمبتكرين الاجتماعيين في العالم العربي وجائزة اليونسكو لمحو الأمية.

خلال سنوات مسيرتها المتميزة استطاعت الدكتورة رنا الحصول على العديد من الجوائز التي كرمت تميزها منها: جائزة المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، وجائزة جاكوب كلاوس لريادة الأعمال الاجتماعية، ونجمة الأردن للعلوم، وجائزة زمالة هارفارد رادكليف والجائزة الذهبية لجمعية المرأة العربية وغيرها العديد من الجوائز العربية والعالمية.

اليوم تسعى الدكتورة رنا مع فريقها إلى دراسة الأذى النفسي الذي يتعرض له الأشخاص في البلدان التي تشهد نزاعًا مسلحًا وما يعقبه من لجوء وتأثيرها على الـDNA واحتمالية حدوث تغيير في الموروثات البشرية وهل تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، هذه الأبحاث يتم العمل عليها حاليًّا إذا ثبت وجود انتقال الطفرات التي تحدث بسبب الحروب من أجل وضع خطط لعلاجها وتجنب انتقالها.