في الحرب لا توجد خيارات كأن تطالب بحقوقك الأساسية المتمثلة في الصحة والتعليم والتغذية، فأن تبقى على قيد الحياة أو أن تنجو برأسك من المحرقة يعد في حد ذاته هبة تدفعك لتكون من الشاكرين، هذا هو حال أطفال اليمن بعد أكثر من خمس سنوات من الصراع المدمر، يعيشون يومهم وهم يرقبون ما قد تمطره السماء من صواريخ "كاتيوشا" أو تخرجه الأرض من أحشائها على هيئة ألغام (PPM-2) المضادة للأفراد.

في اليمن، يصطدم الأطفال بأزمة مثلثة الأضلاع تتمثل الأولى في غياب الرعاية الصحية وانتشار الأوبئة كالكوليرا والليشمانيا والدفتيريا التي خلفت الآلاف من الضحايا إضافة إلى الوباء المستجد كوفيد-19، والثانية في الألغام التي أودت بحياة آلاف آخرين، أما الضلع الثالث وهو الأخطر، فيتمحور في ظاهرة التجنيد القسري أو الاختياري الذي تسبب في موت وإصابة الآلاف منهم (بتر وتشوهات).

بحسب إحصاءات وزارة الصحة في المناطق الجنوبية، فإن أكثر من 100 ألف طفل يموتون سنويًا نتيجة بعض الأمراض الفتاكة خاصة سوء التغذية والإسهال، بالإضافة إلى الحميات، فيما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" أن اليمن لا يزال ضمن أسوأ البلدان للأطفال في العالم، وأن استمرار النزاع الدامي وما ترتب عليه من أزمة اقتصادية، وضع أنظمة الخدمات الاجتماعية الأساسية في عموم البلاد على حافة الانهيار، وستنجم عنه عواقب بعيدة المدى على الأطفال.

تداعيات الصراع المدمر، كشفته تقديرات اليونيسف التي أكدت أن مليوني طفل في اليمن يعانون من سوء التغذية الحاد، بما في ذلك 325 ألف طفل دون الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.

أرقام

  • 2.2 مليون شخص أصيبوا بوباء الكوليرا توفي منهم 3750 مصابًا ومصابةً، بينهم أطفال بنسبة 32%؜.
  • إصابة 34520 بالحصبة توفي منهم 273 حالةً يمثل الأطفال 65%؜.
  •  4500 حالة إصابة بالدفتريا توفي منها 253 حالة منها 16% من الأطفال دون سن الـ5.
  • تضاعف أعداد المواليد المشوهين خلقيًا وحالات الوفاة خلال السنوات الأخيرة.
  • ارتفاع حالات العيوب الولادية الحية بنسبة 59%.
  •  وفاة 42 ألف مريض نتيجة الحصار يشكل الأطفال منهم نسبة 30%.
  • 38% من المرضى في مراكز إعادة التأهيل البدني التي تدعمها اللجنة الدولية هم أطفال.
  • أكثر من 500 ألف طفل تحت خط الموت نتيجة سوء التغذية الحاد.
  • نحو 10 ملايين طفل لا يحصلون على ما يكفي من المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي أو النظافة.
  • أكثر من 7 ملايين طفل في اليمن لا يحصلون على تعليم.
  • ارتفاع زيجات الفتيات دون سن الـ18 نحو ثلاثة أضعاف.

انتهاكات

كانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، قد أعلنت توثيقها نحو 66 ألف حالة انتهاك بحق الأطفال، ارتكبتها جماعة الحوثي، خلال نحو 5 سنوات، وكشفت عن تعددت حالات الانتهاك بين القتل والتجنيد والاختطاف والاعتقال في 17 محافظة (لم تسمها) من بين 22 محافظة باليمن.

المنظمة أوردت أيضًا أن أكثر من 7 آلاف و120 طفلًا قتلوا، بينهم 79 رضيعًا، نتيجة القصف العشوائي والقنص وزراعة الألغام الأرضية والحصار وانعدام الأكسجين والدواء في المستشفيات، وأشارت إلى أنها وثقت 465 حالة اعتقال واختطاف، توزعت على 16 محافظة، وسجلت عملية تهجير وتشريد 43 ألفًا و608 أطفال، إضافة إلى تسجيل 12 آلفًا و341 طفلًا لا تتجاوز أعمارهم 14 عامًا، جندتهم جماعة الحوثي وأجبرتهم على القتال في صفوفها.

من جهته، وثق تقرير "اغتيال البراءة" الصادر عن التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان ستة أنواع من الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع بحق الأطفال، وأورد وقوع 1018 حالة اختطاف واعتقال تعسفي تعـرض لها الأطفال في 19 محافظة يمنية، خلال الفترة من يونيو/حزيران 2014 وحتى يونيو/حزيران 2019.

العمالة والتعليم

تردي الأوضاع المعيشية في اليمن بفعل الحرب الدائرة منذ 5 سنوات قد يدفع المزيد من الأطفال إلى سوق العمل وترك التعليم، حيث تشير أرقام المنظمات الدولية إلى أن أكثر من 7 ملايين طفل في اليمن لا يحصلون على تعليم، وهو الأمر الذي أقرته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بإعلانها في وقت سابق بأن ظاهرة عمل الأطفال باليمن شهدت نموًا متصاعدًا، ووصل عددهم إلى 1.6 مليون طفل، وأنهم يشكلون 21% من إجمالي عدد الأطفال في نفس الفئة العمرية، وأغلبهم يعملون في ظروف وأوضاع صعبة تعرضهم لمخاطر صحية واجتماعية.

في ذات السياق، فإن العنف والنزوح والهجمات التي تتعرض لها المدارس واستمرار عدم دفع رواتب المعلمين، يجعل جودة التعليم على المحك وتزيد من نسب التسرب المدرسي، ومن إمكانية تعريض هذه الفئة للزواج المبكر أو التجنيد للقتال في الصراع.

تجنيد الأطفال

بدأ تجنيد الأطفال في اليمن منذ عهد الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح حيث كانت وزارة الدفاع تقبل في صفوفها من هم أقل من 15عامًا في العمر، وفقًا لولاءات مشايخ القبائل الذين كانوا يرسلون صغار السن للتجنيد من أجل ضمان مرتبات شهرية تصرفها الدولة، لكن بعد ضغوطات مورست على نظام صالح السابق والحكومات المتعاقبة، خاصة بعد توقيع اليمن عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والطفل، تراجعت الظاهرة على الصعيد الرسمي.

في مقابل ذلك، عملت المليشيات والجماعات المسلحة على دعم قدراتها بتجنيد الأطفال، فجماعة الحوثي بدأت باستغلال هذه الفئة في وقت مبكر من تأسيسها خاصة في أثناء حربها ضد قبائل حجور الشام بمحافظة حجة مطلع العام 2012، وحربها مع أبناء منطقة دماج بمحافظة صعدة خلال العام 2013، وزادت من وتيرة التجنيد بعد اقتحامها العاصمة صنعاء وانقلابها على حكم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

وسائل الإعلام الغربية والمحلية وبعض المنظمات التي تعمل في حقل الإنساني، تورد دوريًا تقارير بسقوط العشرات من الأطفال المجندين قتلى في مختلف جبهات المعارك المسلحة بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية، فيما كشفت تقرير للأمم المتحدة تورط السعودية هي الأخرى بتجنيد الأطفال اليمنيين.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت العام الماضي، أنها تحققت من تجنيد ما لا يقل عن ألف و467 طفلًا في اليمن، واستخدامهم في الصراع المسلح، فيما تقدم المنتدى العربي الأوروبي لحقوق الإنسان بمذكرة تكشف تجنيد جماعة الحوثي 23 ألف طفل يمني في البلاد، أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في العاصمة السويسرية جنيف.

القوات المسلحة التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هي أيضًا لا تتورع عن تجنيد الأطفال، ووفقًا لمصادر حكومية تحدث إليها "نون بوست"، فإن القوات الحكومية تورطت في استغلال الأطفال وصغار السن للقتال في جبهات مأرب والساحل الغربي، وذلك دون الكشف عن أعدادهم، بالإضافة إلى تورط جماعات مسلحة مناوئة لجماعة الحوثي كالمجلس الانتقالي الجنوبي وغيره في تجنيد مئات الأطفال مقابل توفير لقمة عيش لهم ولعائلاتهم.

وعن تداعيات ظاهرة تجنيد الأطفال، أكد الصحافي اليمني علاء الدين شلالي في تصريح لـ"نون بوست" أن لا أحد يشكك في أن أطراف النزاع المسلح في اليمن ارتكبوا بحق أطفال اليمن أبشع الانتهاكات، بداية من استغلالهم كحطب للصراع الدائر ووقود للمعارك المسلحة الملتهبة في عدد من المحافظات، مضيفًا أن هذا الأمر أحرج الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ودفع اليمن ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" لتوقيع اتفاقية خريطة طريق لمنع تجنيد الأطفال، حيث تقضي الاتفاقية الأساسية بين الحكومة اليمنية و"يونيسف"، بالشروع في تنفيذ مشاريعها وبرامجها الخاصة بحماية الأطفال في مختلف أنحاء البلاد من دون تمييز.

الصحافي اليمني أشار إلى أن نفس تلك الاتفاقية وقعت في صنعاء عام 2014 وتم البدء بخطوة لتشريعها، لكنها توقفت بسبب الحرب المندلعة في ذلك الوقت، داعيًا في الوقت ذاته إلى الضغط على كل أطراف النزاع في اليمن لوقف تجنيد الأطفال والعمل على دمجهم في إطار برامج تعليمية وتوعوية حتى يتم تدارك الأخطار التي قد تنتج عسكرة تلك الفئة الهشة.

كيف يجند الأطفال؟

تلجأ الجماعات المسلحة والمليشيات خاصة جماعة الحوثي إلى تجنيد الأطفال القصر وفاقدي السند بعدة طرق، من بينها:

  • ارتفاع عدد الأسلحة الخفيفة التي تناسب الأطفال.
  • سهولة التأثير عليهم نفسيًا وثقافيًا.
  • استعمال المدرسة والتعليم للتأثير في الأطفال (الحوثيون).
  • إمكانية استقطابهم من خلال إطلاق وعود زائفة.
  • استغلال البعد النفسي للأطفال الراغبين في تحويل الخوف والرعب إلى قوة وسلطة فعل.
  • استغلال ظروفهم الاقتصادية (الفقر) والاجتماعية (موت أو غياب المعيل).
  • استغلال اختيار رفع السلاح بشكل تلقائي للثأر لمقتل أحد المقربين منهم (الآباء - الإخوة).

على الجانب ذاته، فإن أسباب إقدام أطراف الصراع على تجنيد الأطفال يكمن في قدرة هذه الفئة على كتم الأسرار وهو ناجم عن الخوف من العقاب وفي سهولة أداء المهام اللوجستية والتجسس، والأهم من ذلك أنهم لا يمثلون عبئًا على المسؤولين في حال وقوعهم في الأسر، بل يتم تطويعهم ضمن بروباغندا مضادة واعتبارهم ضحايا لا عسكريين.

المعونة والمانحون

يعتمد 80% من السكان اليمنيين على المعونة المقدمة من المنظمات الدولية ومن المانحين، إلا أن الأرقام الأخيرة للأمم المتحدة أشارت إلى أن وكالات الإغاثة لم تتلق إلا 30% من مبلغ 3.4 مليار دولار الذي تحتاج إليه لتمويل العمليات الإنسانية، ما يعني أن أكثر من 9 ملايين شخص سيتأثرون بالتخفيضات في برامج المساعدة، بما في ذلك الغذاء والماء والرعاية الصحية.

هذه الوضعية الحرجة دفعت الأمم المتحدة إلى التحذير من أن "الاستمرار في حجب الأموال عن الاستجابة الإنسانية الآن سيكون بمثابة حكم الإعدام للعديد من العائلات"، مجددة دعوتها إلى جميع المانحين إلى سداد تعهداتهم الآن وزيادة دعمهم.

ويعد برنامج الأغذية العالمي من أكثر البرامج المتأثرة بتخفيض التمويل (44% فقط)، في وقت قدر فيه نسبة السكان اليمنيين دون أمن غذائي بـ66%، ويرجح أن يموت 14 مليون شخص إذا توقفت المساعدات الغذائية.

الونيسيف بدورها أطلقت صيحة فزغ محذرة من أن أكثر من مليوني طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، وأن 260 ألفًا من هؤلاء الأطفال يمكن أن يفارقوا الحياة دون علاج غذائي أساسي، في ظل انخفاض تمويل الوحدات الطبية المتخصصة.

نقص التمويل والمساعدات يعود بالأساس إلى تملص السعودية من تعهداتها بتقديم الدعم إلى الأمم المتحدة لمساعدة اليمن، حيث خفضت المبلغ لأكثر من النصف هذا العام 500 مليون دولار، بعد أن قدمت في 2019 أكثر من مليار دولار، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن قيمة التمويل السعودي الذي وصلها لا يتعدى 23 مليون دولار فقط.

الولايات المتحدة قلصت بدورها التمويل الموجه إلى اليمن من نحو مليار دولار في 2019 إلى 411 مليون دولار، كما تظهر بيانات الأمم المتحدة، إلا أنها تبقى أكبر المانحين على عكس الإمارات التي لم تقدم أي تمويل للبلد الشقيق عبر الأمم المتحدة.

بالنهاية، يمكن القول إن قواعد وآليات وتدابير حماية الأطفال التي وضعها المجتمع الدولي عجزت عن تجنيب هذه الفئة الهشة الآثار الخطرة للنزاعات المسلحة اجتماعيًا وصحيًا ونفسيًا، وأن استمرار الأزمة سيزيد من خضوعهم لضروب أخرى من الأذى كالموت أو الإعاقة أو الاعتداءات الجنسية، وبالتالي فإن على اليمنيين الإدراك بأن إعمار أرضهم لا يكون بالعمران الذي إذا ما خرب أعيد تشييده، بل بعقول أجيال المستقبل وعلمهم.