في الحروب والصراعات الدائرة في العالم قد تكون الصورة عاجزة عن نقل المآسي الحقيقية وقد تكون ظالمة أحيانًا تبرز واقعة وتهمل أخرى لاعتبارات كثيرة لا يمكن حصرها، إلا أنه في الحالة الفلسطينية كل الصور والفيديوهات تنطق محنًا وتتكلم آلامًا، كيف لا وأبطالها رسموا معاني جديدة لمفهوم الطفولة.

عشرون عامًا مرت على ارتقاء الشهيد الطفل محمد الدرة الذي استهدفه الاحتلال الإسرائيلي بنيرانه أمام مرأى ومسمع العالم في الـ30 من سبتمبر/أيلول 2000 إبان انتفاضة الأقصى، وما زالت كلمات والده "مات الولد.. مات الولد" عالقة في أذهان الذاكرة الجمعية في فلسطين ولدى الشعوب العربية والعالم الحر، تستحضر كلما سقط طفل شهيد بآلة القمع الإسرائيلية التي منذ أن وطأت أقدامها أرض فلسطين لم ينعم أبناؤها بعيش كريم كأقرانهم في العالم، فحتى لعبهم كانت محاكاةً للموت وتشييعًا للجنائز.

قمع واستهداف

تحمل صفحات التاريخ قصصًا موثقة عن جرائم الاحتلال بحق أطفال فلسطين، فمنذ عام 1948 مارس الإسرائيليون قمعًا متوحشًا تجاه أصحاب الأرض عامة والأطفال بشكل خاص باستهدافهم إما بالقتل وإما بالإصابات وإما بالتهجير والحصار، وواصلت زناجره حصد الأرواح في الداخل والخارج في بيروت عام 1982، حين قتل الإسرائيليون الأطفال والفدائيين الفلسطينيين أو في الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث قدر أعداد الأطفال المعتقلين في 1988 بـ1200 طفل (8 إلى 16 عامًا)، وكذلك في انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000.

الاحتلال الغاشم لا يجد حرجًا في استهداف الأطفال العزل في مناطق حساسة كالرأس والقلب والظهر وهي مناطق تؤدي في كثير من الأحيان إلى إعاقات مستديمة تتسبب في ندوب لا تمحى من ذاكرتهم، وتشكل عبئًا على أهاليهم وعلى المؤسسات الصحية والخيرية، حيث أشارت إحصاءات للمركز الفلسطيني للإحصاء إلى أن أكثر من 45 ألف طفل فلسطيني يندرجون تحت مسمى الجرحى والمعاقين منذ عام 2000.

الأطفال الفلسطينيون صنفوا على أنهم أكثر معاناة من أقرانهم على مستوى العالم، جراء ممارسات الاحتلال الذي اقترف العديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني، راح ضحيتها الآلاف من الأطفال والشبان، من بينهم إخوة الطفلة هدى غالية حين كانت في الـ12 من عمرها، بعدما قتلت بحرية الاحتلال الإسرائيلي 7 من أفراد عائلتها أمام عينيها على شاطئ قطاع غزة في 9 من يونيو/حزيران 2006، وحسن مناصرة في 11 من أكتوبر/تشرين الأول 2015 وغيرهم من الأطفال.

انتهاكات الاحتلال بلغت ذروتها أيضًا خلال مسيرات العودة التي انطلقت في 30 من مارس/آذار 2018، حيث استشهد أكثر من 35 طفلًا، بحسب وزارة الصحة، بينما أصيب أكثر من 1433 طفلًا، ومن بين هذه الإصابات ما قد وصفت بالإعاقة الدائمة، إضافة إلى مواصلة اعتقاله لـ170 طفلًا موزعين بين سجني مجدو وعوفر والدامون، وجزء آخر من أطفال القدس تحتجزهم في مراكز اجتماعية خاصة، لأن أعمارهم تقل عن 14 عامًا.

وبحسب تقارير حقوقية، اعتقلت السلطات الإسرائيلية 2330 فلسطينيًا خلال النصف الأول من العام 2020، بينهم 304 أطفال، فيما أكد مدير برنامج المساءلة القانونية في الحركة العمالية للدفاع عن الأطفال المحامي عايد قطيش أن "سلطات الاحتلال الإسرائيلي أجرت مؤخرًا تعديلات على الأمر العسكري رقم 1651، حرم الأطفال في الفئة العمرية بين 12 وتحت 14 عامًا من الحماية، ورفع سقف اعتقالهم"، الأمر الذي أدانته الحركة العالمية للدفاع عن أطفال فلسطين، حيث وصفت الاحتلال بالجهة الوحيدة في العالم التي تحاكم الأطفال سنويًا ما بين 500 و700 طفل أمام المحاكم العسكرية.

عذابات الأطفال في فلسطين تستمر منذ لحظة اعتقالهم من منازلهم ليلًا أو من الشوارع إلى وصولهم لمقرات الاحتجاز، حيث يحرم ذووهم في مناسبات عدة من معرفة أماكنهم أو يمنعون من إدخال الأغطية والملابس الشتوية، أو من خلال الحيلولة دون الحصول على حقوقهم الأساسية كوجود محامٍ في أثناء التحقيق والعلاج كإجراء العمليات والفحوصات الطبية اللازمة، بل وصل الأمر بسلطة الاحتلال إلى ضرب التحذيرات الأممية من أن المساجين الأطفال يواجهون خطرًا متزايدًا بتعرضهم للإصابة بفيروس كورونا، عرض الحائط ورفضت الإفراج عنهم.

من جهة أخرى، إذا كنت تعتقد أن العنف والقمع يقتصر على عسكر الإسرائيليين فأنت مخطئ، أعد قراءة الأحداث ستكتشف أن المستوطنين أيضًا حصلوا على نصيبهم من التنكيل بأطفال فلسطين العزل الذين يعيشون حول المدن المجاورة لمستوطناتهم، وتعد حادثة محمد أبو خضير الذي عذبه وأحرقه حيًا المستوطنون الإسرائيليون يوم 2 من يوليو/تموز 2014 وألقوا بجثته في أحراش دير ياسين، وأشعلوا حريقًا في منزل عائلة دوابشة في قرية دوما بمحافظة نابلس توفي على إثره رضيع إلى جانب والديه، صورة عن وحشيتهم وبربريتهم اللامتناهية.

أساليب التعذيب

  • التنكيل والضرب الشديد منذ لحظة الاعتقال بواسطة البنادق والأرجل.
  • إطلاق الكلاب البوليسية المتوحشة عليهم.
  • استخدام القاصرين كدروع بشرية خلال عمليات المداهمة الاعتقال.
  • التعذيب والتهديد بالاغتصاب خلال عمليات الاستجواب.
  • ترك الأطفال الجرحى ينزفون فترات طويلة قبل نقلهم إلى العلاج.
  • نقل المصابين إلى مراكز التحقيق رغم سوء أوضاعهم الصحية.
  • إجبار الأطفال على الإدلاء باعترافات تحت الضرب والتعذيب والتهديد باعتقال أفراد الأسرة.
  • عزْل الأطفال في زنازين انفرادية وحرمانهم من زيارة الأهل والمحامين.
  • ربط الأطفال المصابين بأسرة المستشفيات وتحت الحراسة والمعاملة السيئة.

 

التعذيب الذي تنتهجه قوات الاحتلال تجاه الأطفال الفلسطينيين يأتي في إطار أجندة متكاملة المعالم تهدف من ناحية إلى إضعاف هذه الفئة وإرهاقها عبر الترهيب والتخويف قصد إعادة تشكيل ملامح طفل فلسطيني مجرد من هواجس القضية وروابط الانتماء وخلق جيل مشوه فكريًا لا يستطيع المطالبة بحقوقه التاريخية، ومن ناحية أخرى لردع الفلسطينيين ولي أذرعهم من خلال اعتقال أطفالهم وإصابتهم وإعاقتهم وقتلهم في كثير من الأحيان، وهي حرب نفسية يشنها الاحتلال يوميًا.

أمراض نفسية

من خلال عرض أساليب القمع التي يمارسها المحتل، يمكن رصد التداعيات المباشرة للانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال بخلاف التعذيب الجسدي، المتمثلة أساسًا في الآثار النفسية التي تعد هي الأخرى مصدرًا للمعاناة الدائمة التي تعيشها هذه الفئة، فكثير منهم يعانون من أمراض قد تختلف حدتها من طفل إلى آخر لعدة اعتبارات أهمها الجغرافيا وارتباط البيئة التي يعيش فيها بعدد الانتهاكات الإسرائيلية، فمثلًا يمكن اعتبار أطفال قطاع غزة أكثر فئة معرضة للأمراض النفسية بفعل الحروب المدمرة التي شنها ضدهم الاحتلال قبل سنوات قليلة، وتتمثل هذه الآثار بالعصبية الزائدة والصراخ المستمر والخوف من الوحدة أو الظلام، وهو كشفته منظمة الصحة العالمية بعد توثيقها لأكثر من 210 ألف حالة اضطراب نفسي في القطاع.

 

وفقًا للإحصاءات، فإن عمليات الاعتقال العشوائية التي طالت الأطفال تركت آثارًا سلبية على حياتهم بعد التحرر، منها الخوف الدائم والمزمن والمعاناة من الكوابيس والأرق وتراجع تحصيلهم الدراسي والتغير السلوكي مع المحيط والمجتمع، ونحو ثلاثة أرباع الأسرى الأطفال تعرضوا لشكل من أشكال التعذيب الجسدي، فيما تعرض جميع المعتقلين للتعذيب النفسي خلال مراحل الاعتقال المختلفة، بحسب آخر الإحصاءات والشهادات الموثقة للمعتقلين الأطفال.

الأزمة النفسية التي يعاني منها أطفال فلسطين لا يمكن حصرها في استهدافهم جسديًا من الاحتلال، فحتى عجزهم عن الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص الرقي الاجتماعي والمرافق الترفيهية والرعاية، بسبب قيود التنقل، خلق لديهم هاجسًا واضطرابًا قد يعيق رفاههم ونماءهم.

ضحايا السياسة

يصح القول إن أزمة الأطفال الفلسطينيين تكمن في الجغرافيا المستحدثة والحدود والجدران الفاصلة وبوابات التفتيش القارة والمتحركة، أي أنها أزمة تفاعل بين تلك الفئة ومحيطها الذي يتعارض مع أحلام الأطفال وطموحاتهم ويحد من آمالها، بمعنى أن هذه الفئة ترى في فلسطين المحتلة سجنًا كبيرًا وبداخله سجن آخر بنت جدرانه الفرقة والانقسام السياسي الداخلي بين حركتي فتح وحماس.

هذا الانقسام السياسي الداخلي ألقى بظلاله على المجتمع الفلسطيني عامة وعلى الأطفال خاصة بصفتهم الفئة الضعيفة، وهو ما تجلى بشكل واضح في الحصار الذي تفرضه سلطة رام الله على قطاع غزة منذ 2017، وقراراتها بوقف تمويل كهرباء وتقليص رواتب الموظفين ومنع تزويد الأدوية ضمن سلسلة إجراءات ردًا على إعلان الأخيرة عن لجنة وزارية لإدارة شؤون القطاع.

الإجراءات العقابية زادت من وطأة الأزمة وتأثيرها على الأطفال في جميع مناحي الحياة، حيث أكد مدير عام الصيدلة بوزارة الصحة بغزة، منير البرش، في وقت سابق، أن "الوضع الدوائي في قطاع غزة صعب وخطير جدًا"، منوهًا إلى "تسارع وتيرة نقص الأصناف المهمة من الأدوية الأساسية، التي تجاوزت 42%، إضافة لـ30% نسبة النقص في المستهلكات الطبية، و56% نسبة النقص في لوازم المختبرات وبنوك الدم".

المسؤول الفلسطيني أوضح أيضًا أن أدوية مرضى الدم خاصة أمراض الهيموفيليا والأصناف التخصصية من حليب الأطفال العلاجي "جلاكتومين" غير متوافرة في قطاع غزة، ما يضع المرضى أمام مشهد قاتم يزيد من تفاقم الوضع الصحي لهم.

أما فيما يخص أزمة الكهرباء، فإن الانقطاع المتكرر لهذه الخدمة أثر سلبًا على حياة الأطفال وتسبب في حرمانهم من حق التعليم والمذاكرة خاصة في فترة الامتحانات، وهو ما دفع الأهالي الغزيين إلى الاستعانة بالشموع كبدائل للإنارة، والأخيرة تسببت في سقوط ضحايا، فبحسب الإحصائية التي وثقها مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة منذ بداية عام 2010 حتى الـ10 من سبتمبر/أيلول 2020، توفي 35 من بينهم 28 طفلًا، معظمهم كانوا نائمين عندما احترقوا، فيما أصيب 36 بحروق متفاوتة من بينهم 20 طفلًا و6 نساء.

الكهرباء تحولت إلى إحدى أدوات حصار سكان قطاع غزة ومعاقبتهم وفرض المزيد من الضغوط عليهم، حيث تتكرر عمليات توقف مطاحن القمح عن العمل وتعطلت مصانع الأعلاف ومصانع منتجات الألبان عن الإنتاج، وفي كثير من الأحيان تتعطل محطات الصرف الصحي ومحطات المعالجة عن العمل، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية، والأخطر من ذلك توقف مولدات الكهرباء بالمستشفيات ما يعرض حياة المرضى الذين يعتمدون على الأجهزة كالرضع للخطر.

البحث عن الخبز

معاناة الأطفال الفلسطينيين لا تنتهي، فإضافة إلى التداعيات الصحية والنفسية تتأثر هذه الفئة الهشة بالأزمات المتعددة التي يعرفها الفلسطينيون في الضفة والقطاع، فتبعات التدهور الاقتصادي قد تلقي بظلالها على المستوى المعيشي وحاجاتهم الأساسية كالتغذية وذلك بفعل انتشار الفقر وارتفاع نسبه.

ضيق الآفاق المتمثل في حاجة الطفل الفلسطيني للإحساس بالأمن الغذائي الذي قد ينعدم لأسباب خارجة عن نطاقه كبطالة المعيل أو فقدانه (استشهاده)، دفع الأطفال في سن مبكرة إلى البحث عن بدائل لا تتوافر إلا في ولوج سوق العمل لعلهم يظفرون بأموال قليلة تساعدهم في خدمة أسرهم التي اشتد عليها وقع الفاقة، أو لرفع دخل أسرهم بسبب الغلاء المطرد للمواد الغذائية والأساسية التي تسبب فيها الحصار.

 

في فلسطين، يضطر الأطفال لمغادرة مقاعد الدراسة لا لضعف قدراتهم وتحصيلهم العلمي أو لأسباب اجتماعية كانتشار الفساد والجريمة والمخدرات، بل بسبب إحساسهم بالمسؤولية وضرورة تضحية الفرد لإنقاذ المجموعة، ووفقًا لمركز الإحصاء الفلسطيني فإن نسبة الأطفال الذين يعملون في فلسطين بلغت 4% من إجمالي عدد الأطفال للفئة العمرية 10-17 عامًا، من بينهم 1.3% في قطاع غزة، بنحو 66782 طفل منهم 64609 ذكور و2173 أنثى.

أرقام تلخص المعاناة

  • 45 ألف طفل فلسطيني يندرجون تحت مسمى الجرحى والمعاقين منذ عام 2000.
  • حرب 2008 قتل خلالها 412 طفلًا وأصيب الآلاف بإصابات حركية ونفسية.
  • حرب 2012 قتل خلالها ما يقارب 30 طفلًا قاصرًا ورضيعًا.
  • حرب 2014 وصل عدد الشهداء الأطفال إلى 530 شهيدًا و3303 جرحى، الثلث منهم يعانون من إعاقات دائمة.
  • استشهاد 1097 طفلًا فى غزة خلال 9 سنوات (2006-2014).
  • 350 حالة اعتقال استهدفت القاصرين خلال النصف الأول من 2020.
  • 2019 العام الأقسى على أطفال فلسطين (850 معتقلًا).
  • 700 طفل فلسطيني (بين 12 و17 عامًا) يتعرضون للاعتقال والاستجواب كل عام.
  • بلغ عدد الأطفال المصابين بالاكتئاب والقلق نحو 62% في عام 2020.
  • أكثر من نصف الأطفال يعانون من مرض الأنيميا بنسبة وصلت إلى 55% عام 2020.
  • 71% من الأدوية الأساسية المخصصة للأطفال والأمهات مفقودة.
  • تسجيل 118 حادثة في قطاع التعليم في فلسطين المحتلة أثرت على أكثر من 23 ألف طفل.

بالمحصلة، يمكن القول إن المنظمات الدولية والدول المانحة وكذلك وكالات الأمم المتحدة أخفقت كلها في تأمين الحماية الملائمة للأطفال إزاء العنف الوحشي الذي ينتهجه الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنون، وأن القرار الفلسطيني الداخلي بدوره يتحمل هو الآخر وزر آثار القرارات السياسية المدمرة على السكان وخصوصًا على الأطفال، وهي حقيقة أدركتها هذه الفئة مبكرًا فتوارثت الحجارة فيما بينها طفلًا بعد طفل ولسان حالهم يقول "في فلسطين فقط تخبو النار ولا تنطفئ، في فلسطين فقط الأطفال كلهم أرواح كليمنجارو لا يرضون إلا بالقمة والنصر رغم كل الأزمات".