يقترب العراق من تسجيل 400 ألف إصابة بفيروس كورونا مع أكثر من 9750 حالة وفاة، فحتى ساعة كتابة التقرير سجل العراق 397780 إصابة مؤكدة أعلنت عنها وزارة الصحة العراقية منذ تسجيل أول حالة إصابة بـCOVID-19 في أواخر شهر فبراير/شباط الماضي، حيث يتلقى فريق "نون بوست" نسخة من الموقف الوبائي اليومي لعدد الإصابات بالفيروس في عموم البلاد.

وفي ظل التفشي الكبير للفيروس، بات العراقيون بعد أشهر من الالتزام الجزئي بالإجراءات الوقائية بعيدين عن هذه الإجراءات مؤخرًا، ما يطرح العديد من التساؤلات عن سبب عزوف المجتمع العراقي عن الالتزام بالوقاية.

تفش كبير

"معظم الشعب العراقي أصيب بالفيروس، لذلك يرى العراقيون أن المرحلة الأصعب انتهت"، بهذه الكلمات يصف المواطن العراقي علي كاظم من العاصمة بغداد الوضع في البلاد، إذ يرى أن ما تعلنه وزارة الصحة العراقية من أعداد الإصابات اليومية صحيح، لكنه مقيد بعدد الفحوصات التي تُجرى يوميًا ولا تغطي جميع العراقيين، في الوقت الذي يؤكد فيه أن غالبية من يعرفهم إما أصيبوا بالفيروس وتعافوا منه وإما أنهم مصابون فعليًا.

وبالتالي، يرى كاظم أنه ومن الناحية العملية فإن أعدادًا هائلة من العراقيين أصيبوا فعلًا بالفيروس وبالتالي فإن المرحلة الأسوأ انتهت، بحسب اعتقاده الذي يشاركه فيه عراقيون كثر.

أما منظمة "أطباء بلا حدود" فحذرت من تفشي فيروس كورونا المستجّد ووصفت انتشاره بالـ"مثير للفزع"، مع تسجيل أكثر من 15 ألف إصابة مؤكدة في صفوف الكوادر الطبية في البلاد. 

وكان العراق قد اتخذ جملة من الإجراءات مع تسجيل أول إصابة بالفيروس، إذ عُطِّلت المدارس والجامعات وفرض حظر تجوال صحي امتد لأشهر مع تقليص نسبة دوام الموظفين في المؤسسات الحكومية والخاصة إلى 25% فقط، فضلًا عن إيقاف الصلوات في المساجد، غير أنه وبعد أشهر من هذه الإجراءات لم تسجل البلاد تباطؤًا لانتشار الفيروس، ما حدا بالسلطات إلى تقليل حدة الإجراءات الوقائية المتعلقة بحظر التجوال حتى أعلنت إلغاء الحظر الكلي والجزئي نهائيًا، بعد أن أثقلت الإجراءات الحكومية كاهل المواطنين اقتصاديًا.

من جانبها، وضعت منظمة الصحة العالمية خطوطًا حمراء على نقاط خطرة بشأن تفشي فيروس كورونا في العاصمة العراقية بغداد، إذ أوضح ممثل الصحة العالمية في العراق أدهم اسماعيل في لقاء تليفزيوني أنه وعلى الرغم من ارتفاع عدد الإصابات، فإن العراق يسجل معدل شفاء أعلى من العالمي إذ يصل إلى 80% بفضل تقوية النظام الصحي وتحسين البروتوكولات العلاجية وهو ما رفع عدد المتعافين وقلل عدد المتوفين.

إلا أنه حذر في الوقت ذاته من أن 80% من العراقيين ممن يخرجون إلى الشوارع غير ملتزمين بارتداء الكمامات، والمصابون يلقون باللائمة على النظام الصحي في البلاد الذي يبذل قصارى جهده.

وتبرز شائعات وسط العراقيين من أن عدد الإصابات بفيروس كورونا في العراق كبير جدًا إلى الحد الذي يرى فيه البعض أن ملايين العراقيين أصيبوا بالفيروس وتعافوا، ما تسبب باعتقاد سائد بين العراقيين مفاده أنهم حازوا على مناعة القطيع أو جزء منهم على أقل تقدير.

ويناقض هذا الطرح تصريح عضو لجنة الصحة النيابية صفاء البندر التي ترى أن العراق لا يزال في الموجة الأولى لفيروس كورونا، وأنه لا يزال ضمن مرحلة الذروة حتى الآن رغم تناقص الإصابات بشكل طفيف، موضحة أن منظمة الصحة العالمية حذرت من أن الشهريين القادمين قد يكونان بداية لموجة جديدة من تفشي الفيروس.

أسباب عدم الالتزام

يعزى عدم التزام العراقيين بالإجراءات الوقائية لعدد من الأسباب أولها الثقافة الجمعية، إذ يقول خبير علم الاجتماع مصطفى العبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن العراقيين يعتقدون أن سنوات الحصار الدولي التي مرت عليهم في تسعينيات القرن الماضي ومختلف الأمراض التي تعرضوا لها في حينه أكسبتهم مناعة من الأمراض الفيروسية. 

كما يؤشر العبيدي إلى أن مشكلة أخرى تبرز حتى لدى الملتزمين بالإجراءات الوقائية، إذ إن كثيرًا منهم تركوا الكمامات بعد أن شاهدوا أن الغالبية العظمى من العراقيين لا يرتدونها، وبالتالي فإن احتمالية انتقال العدوى تكون أقوى إذا ارتدى أحد الطرفين الكمامة دون غيره، ما حدا بمن يلتزم بالإجراءات إلى هجرها وسط غياب القانون والغرامات على المخالفين. 

وعن المناسبات والشعائر المستمرة في البلاد، أكد العبيدي أن مناسبات والأعراس ومجالس العزاء والزيارات الدينية بمئات الآلاف ساهمت بشكل كبير في انتشار العدوى، حتى بات الوسط الطبي في البلاد عاجزًا عن تحديد مصدر الإصابة بعد تفشي الفيروس. 

ويذهب في هذا المنحى أستاذ الإنثروبولوجيا الثقافية في جامعة الموصل الدكتور قصي رياض الذي يقول إن الشخصية العراقية تمتاز بسمات يرتبط بعضها بالأزمات كالحروب والحصار وغيرهما من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.

معتبرًا أن جميع هذه المتغيرات والعوامل جعلت تعامل العراقي مع الأخطار يكون بشكل اعتيادي ودون مبالاة، مؤكدًا أن العصبية القبلية والمدنية غير المنضبطة، فضلًا عن الازدواجية النسبية والفكر الديني جعلت العراقي لا يبالي بالأخطار.

ويأتي العامل الاقتصادي كأحد أبرز العوامل التي أدت بالعراقيين إلى عدم الالتزام بالإجراءات الوقائية، فالعراق ونظرًا لوضعه الاقتصادي الهش وتفشي البطالة وازدياد معدلات الفقر، كل هذه العوامل أدت بالمجمل كذلك إلى عدم الالتزام بالإجراءات الوقائية المتبعة للحد من انتشار الفيروس. 

يقول أحد سائقي الأجرة في العاصمة بغداد ويدعى محمد شاكر في حديثه لـ"نون بوست" إن فرض حظر التجوال الذي استمر أكثر من شهرين وحالة الإغلاق الشامل للمقاهي والمطاعم والمتنزهات أدت إلى موجة كبيرة من البطالة واستياء شعبي كبير. 

موضحًا أن العراق ليس كالبلدان الأوروبية أو الدول المتقدمة التي سارعت فيها الحكومات إلى تقديم يد العون لملايين المواطنين، ونتيجة لعدم قدرة الحكومة العراقية على مثل هذه الإجراءات، جاءت قرارات خلية الأزمة بفك حظر التجوال وترك العراقيين يواجهون الوباء وفق وعيهم، فمن شاء التزم بالإجراءات الوقائية (وهم قلة) ومن لم يشأ عاش حياته طبيعية منتظرًا إصابته بالفيروس.

لا يعلم أحد أين تتجه أزمة فيروس كورونا، فما بين انحسار هنا وتفش هناك، يظل العالم مترقبًا الوضع العالمي للوباء، في ظل مساع حثيثة لاستكمال التجارب السريرية لعدد من اللقاحات التي تطورها شركات الأدوية حول العالم، ويؤمل من خلالها وضع حد للوباء الذي لم تعرف له البشرية مثيلًا منذ الحُمَّى الإسبانية التي فتكت بـ50 مليون إنسان في العقد الثاني من القرن الماضي.