عزيزي القارئ، إذا كنت تبحث عن تداعيات الحرب الصومالية اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا، فمقارنات الدارسين والباحثين والمتابعين للصراعات والكوارث الإنسانية القائمة من بورما والأويغور إلى سوريا وليبيا، التي اعتمدت مصطلحات جديدة تعبيرًا عن حدة هذه الأزمات من قبيل: المثال الصومالي، على الطريقة الصومالية، صوملة الحرب، قد تكفيك عناء البحث، لكن نحن أيضًا في ملف "أطفال تحت النار" بحاجة إلى مزيد من التفاصيل كالتركيز على آثارها الصحية والنفسية المباشرة على هذه الفئة الضعيفة التي تُعد أساسًا وقاعدةً لأي تنمية أو نهضة مستقبلية في هذا البلد الإفريقي.

للصومال تاريخ طويل مع المآسي الإنسانية كالحروب والأوبئة وسوء تغذية الأطفال، وحكايات شعبه مع الهروب من الجوع بعد أن ضرب الجفاف قراهم وخربت القذائف بيوتهم، لا تنتهي، في كل وجه صومالي مئات القصص المحزنة تُخبرك أعينهم عن رصاص غادر وجرح غائر وبطون لم تشبع، وستُخبرك أيضًا عن الجراد والسيل وقحط الأرض.

من هذا الجانب، يُمكن القول إنه حين تستعر طواحين الحرب وترتفع معدلات الفقر وأعداد الجوعى، تُدفع الأجساد المنهكة إلى معركة الصراع الوجودي من أجل البقاء، يكون فيها الأطفال حطبًا لهذه المحرقة باعتبارهم الفئة الهشة والأكثر عرضة لخطر الاستغلال بأنواعه كزواج القصر والانتهاك الجنسي والتجنيد والعمالة والاتجار بالبشر.

تجنيد الأطفال

في الدول المليئة بالصراعات مثل الصومال، توفر النزاعات المسلحة بيئة خصبة لاستقطاب الأطفال واستغلالهم بشتى الطرق المادية والإيديولوجية من أجل الزج بهم في الصفوف الأمامية للمعارك، وكما تُتهم السلطات المحلية بتجنيد الأطفال كان نصيب حركة الشباب النصيب الأكبر من هذه الظاهرة التي يصعب إحصاء عدد الأطفال المنخرطين في الصراعات أو الملتحقين، سواء بالجيش أم الجماعات المسلحة، لعدم اعتراف هذه الجهات أو لصعوبة التحقق من ذلك بوسائل عملية دقيقة.

وفي هذا السياق قالت مديرة البلدان بمنظمة (Plan Internation)، ساديا ألين: "في بعض بقاع الصومال، تجند حركة الشباب الصومالية الأطفال، وبعض الجماعات المسلحة تعرض مبالغ ضخمة من المال مقابل الأطفال، لا يريد أي والد أن يفعل هذا بطفله، لكن حين لا يمكنه الإنفاق على أطفاله فإنه مضطر لهذا الخيار المروع".

تصريحات ألين تؤكد أن جدلية الحرب تولد جوعًا والجوع يخلق صراعًا، حيث يمكن للأطفال المحرومين من حاجياتهم الأساسية كالغذاء والصحة والأمن، الذهاب إلى حد القتال من أجل تحصيل الطعام وتحقيق القوة التي يفتقدونها من خلال حملهم السلاح.

حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، تستغل هذه التفاصيل الدقيقة من خلال معرفتها بواقع الحال وبحاجة الصوماليين إلى المساعدات الإنسانية العاجلة، لذلك فهي تعمل على إيصال المساعدات المسروقة وتوزيعها لكسب الدعم والتعاطف في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، كما ترى في اللاجئين الصوماليين والوضع الإنساني المتأزم فرصة لاستمالة عقول الأطفال وتكثيف عمليات التجنيد.

إن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة، وتولي كثير منهم أدوار مباشرة في القتال، تجعلهم أكثر وحشية ويرتكبون مجازر دموية، ناهيك بتعرض هؤلاء الأطفال لآثار نفسية خطيرة على المدى الطويل نتيجة الاعتقال والتعذيب في مراكز التدريب لجماعة الشباب أو في سجون السلكة بعد اعتقالهم، وهو ما يجعل عملية إعادة إدماجهم أمرًا بالغ التعقيد.

أمراض وأوبئة

في وصف يُلخص المعاناة، وصفت منظمة اليونسيف الأطفال بـ"الضحايا المخفيون لأي حالة طوارئ"، وأشارت إلى أنه غالبًا ما يكون الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالأمراض التي تنقلها المياه نتيجة للفيضانات وسوء التغذية الحاد بسبب نقص الغذاء، وهو الأمر الذي أكده ممثلها بالصومال، جيسبر مولر، بقوله: "في الشهر الأخير، كانت هناك زيادة في حالات الإسهال المائي الحاد/الكوليرا".

الوضع الغذائي لأطفال الصومال مرجح للتدهور، في ظل التأثيرات المباشرة لغزو الجراد على إنتاج المحاصيل، التي من المتوقع أن تكون أقل بنسبة 10 إلى 15% من المتوسط على المدى الطويل، وبالتالي سيكون تأثيرها سلبيًا على الأطفال الفئة المعرضة لزيادة أخرى متوقعة في عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد بسبب نقص الغذاء.

وكان المُمثل القطري لمنظمة الأغذية والزراعة في الصومال، إتيان بيترشميت، قد رجح أن يتزايد عدد الصوماليين الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي أو الجوع الشديد بمقدار نصف مليون شخص في أواخر سبتمبر/أيلول 2020، وذلك بسبب التأثيرات المترتبة على انتشار الجراد الصحراوي الحاليّ في الصومال.

التهديدات التي تواجه الأطفال الصوماليين تجاوزت سوء التغذية ونقص المياه وغيرها من الخدمات الأساسية، فالوصول إلى الرعاية الصحية في غالب الأحيان يكون محدودًا، ومع انتشار جائحة كوفيد-19 تتزايد مخاطر سرعة العدوى وارتفاع عدد الإصابات، وتُشير تقارير المنظمات الإنسانية إلى انعدام مرافق إجراء فحوص الفيروس المستجد في مخيمات النازحين داخليًا، وذلك بسبب حظر التجول الليلي ونقص التمويل والقيود على التنقل والإجراءات التي تهدف إلى تخفيف الازدحام في المرافق الصحية.

الزواج المبكر والاغتصاب

في هذا البلد الواقع شرق إفريقيا على حدود كينيا وجيبوتي وإثيوبيا، محنة الفتيات كانت مقلقة منذ فترة طويلة، فوفقًا للأمم المتحدة، نحو 45% من النساء (وهو رقم يختلف حسب المنطقة) يتزوجن قبل سن 18، نصفهن قبل سن الـ15، و98% من النساء الصوماليات تعرضن للختان، وفي وقت سابق قالت ديبا بانديان المتحدثة باسم اليونيسف: "بعض العائلات تتزوج بناتها لتخفيف العبء الاقتصادي أو لكسب الدخل، ويفكر آخرون في ضمان مستقبل بناتهم أو حمايتهن".

أمام هشاشة النظام القضائي وغياب قانون صارم وانتشار المليشيات المسلحة تزداد قضايا الانتهاكات الجنسية وجرائم الاغتصاب أيضًا، ففي تعليق لها وصفت منظمة العفو الدولية حالات الاغتصاب في الصومال بـ"الوباء المستمر"، وذلك وفقًا لما رصده تقرير مركز مقديشو للدراسات، فيما أبلغت الأمم المتحدة عن نحو 800 حالة من العنف الجنسي في مقديشو وحدها على امتداد الأشهر الست الأولى من 2013.

من جانبها أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية في تقرير صدر لها أوائل عام 2014، بعنوان "الاغتصاب أمر عادي هنا" إلى أن معدلات عالية من الاعتداءات الجنسية تحدث في الصومال، وهو ما اعتبرته دليلًا على شيوع ظاهرة الاغتصاب في هذا البد الإفريقي.

التعليم

انهيار الدولة في 1991، أسس لحقبة جديدة في الصومال عانى خلالها البلد من ويلات الحرب الأهلية الطاحنة وتمزق أركان الدولة إلى مجموعة من الكيانات السياسية المتناحرة فيما بينها على السلطة، ورافق ذلك انهيار في المنظومات الأساسية والحيوية وفي مقدمتها قطاع التعليم.

منظمة اليونسيف، ذكرت في وقت سابق أن أكثر من ثلاثة ملايين طفل في الصومال غير ملتحقين بالمدارس، وأن الفقر والمخاوف الأمنية ونقص المعلمين وانعدام مرافق الصرف الصحي من العوامل التي تمنع الآباء من تسجيل أطفالهم في المدارس المحدودة العدد أصلًا.

كغيرهم من أطفال العالم، يحلم الصوماليون بتعليم جيد والأهم من ذلك تعليم آمن، حيث لا يتعرضون للقتل والإصابات الناجمة عن الهجمات المتواصلة للمليشيات المسلحة على المدارس والمؤسسات التربوية، أو للاختطاف وجرائم الاغتصاب وغيرها من الانتهاكات الجسدية التي تُعيق حصولهم على أحد حقوقهم الأساسية، فيما تعجز مخيمات النازحين عن توفير الظروف الملائمة التي تساعد الأطفال على مواصلة تعليمهم.

بالأرقام، يمثل الصومال أدنى معدلات التحاق الأطفال بالتعليم الابتدائي في العالم، فـ30% فقط من الأطفال يلتحقون بالمدارس و40% فقط منهم من الفتيات، إضافة إلى ذلك، فإن 18% فقط من الأطفال في الأسر الريفية يستطيعون الذهاب من أجل التعليم في المدارس بسبب معدلات الفقر المرتفعة للغاية في المجتمعات المحلية، التي تجعل من الصعب على الآباء تحمل الرسوم المدرسية حتى بعد إعلان الصومال مجانية التعليم الابتدائي في 2011.

وفي ذات السياق، وعلى الرغم من أن 70% على الأقل من سكان الصومال دون سن الثلاثين، فإن بطالة الشباب من بين أعلى المعدلات في العالم، حيث تبلغ 67%، وهي مؤشر أساسي على تراجع التعليم ونسبة التمدرس.

التعليم في الصومال يواجه العديد من المصاعب والتحديات التي تعرقل تطوره ويصعب تجاوزها إلا بتوافر الجهد المحلي من الساسة والمواطنين (المجتمع المدني) وكذلك الشركاء الدوليين الداعمين لعملية الإعمار كتركيا وقطر وغيرهما إضافة إلى المنظمات الأممية العاملة في المجال الإنساني والتنموي.

تاريخ الجوع

مجاعة 1964: سمي "عام جفاف المعكرونة" نسبة إلى علب المعكرونة التي كانت توزع على المتضررين، ولقي عدد كبير من المواطنين مصرعهم نتيجة لذلك، ولا توجد أرقام رسمية تضبط عدد الضحايا، وإلى جانب مواسم الجفاف المتتالية القاسية، نفقت المواشي التي كان يعتمد عليها السكان في توفير الألبان والغذاء، ما تسبب في انتشار الأمراض بسبب سوء التغذية.

مجاعة 1974: اشتهرت محليًا باسم "الجفاف الطويل الأمد"، ونجحت الحكومة المركزية في بذل الجهود الضرورية، حيث تم توزيع مساعدات ونقل المتضررين من الأقاليم الوسطى المتضررة إلى الأقاليم الجنوبية على ضفاف نهري جوبا وشبيلى.

في 1990 وحده، شهد الصومال 30 حادثًا متعلقًا بالمناخ و12 حالة جفاف و18 فيضانًا، أي أكثر بثلاث مرات من عدد المخاطر المتعلقة بالمناخ التي حدثت بين عامي 1970 و1990.

مجاعة 1992: تعتبر المجاعة الأقسى في القرن العشرين، ولقي بسببها نحو ثلاثمئة ألف مصرعهم، فإلى جانب الجفاف الشديد ونفوق المواشي وانتشار الأمراض، دخل الصومال في حرب أهلية ضارية تسببت في سقوط آلاف القتلى والجرحى وانتشار الفوضى في المدن والقرى، ما زاد حدة المأساة على المواطنين.

مجاعة 2011: تسببت في وفاة 260 ألف شخص أكثر من نصفهم الأطفال تحت سن الخامسة بحسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء العالمية التابعة للأمم المتحدة، وتمثل الوفيات في ذلك الوقت ما يقدر بـ4.6% من مجموع سكان البلاد، بالإضافة إلى 10% من الأطفال دون سن الخامسة في جنوب الصومال ووسطه.

وفي عام 2017، ترك الجفاف الشديد الصومال على حافة المجاعة، وفي عام 2019، أدى موسم الأمطار المتأخر وغير المنتظم إلى أفقر محصول منذ مجاعة وفيضانات عام 2011، ووفقًا لبيان الأمم المتحدة، فقد شُرد ما يقرب من 500 ألف شخص بسبب الفيضانات الأخيرة في مناطق وسط الصومال، بينما تتعامل البلاد أيضًا مع غزو الجراد الشديد الذي يهدد الأمن الغذائي والتغذية للكثيرين، وفي الوقت نفسه، يستجيب الصومال لتفشي جائحة فيروس كورونا.

أرقام تلخص المعاناة

في الصومال، كل المؤشرات حمراء توحي بعمق الأزمة الإنسانية التي شملت جميع مناحي الحياة، فإضافة إلى تراجع معدلات التنمية وارتفاع نسب الأشخاص المعرضين للفقر وسوء التغذية والبطالة والجريمة، يُعرف البلد الإفريقي بامتلاكه لأعلى معدل وفيات الرضع في العالم الذي يبلغ نحو 14% من الأطفال في سن الخامسة، وفيما يلي بعض الأرقام الأخرى:

  • 5.2 مليون يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
  • تسجيل 1.4 مليون نازح جديد.
  • 3.4 مليون طفل يحتاج إلى مساعدة إنسانية.
  • 178 ألف طفل معرض لخطر سوء التغذية الحاد الوخيم بينهم أكثر من 11 ألف في أغسطس فقط.
  • 6.3 مليون شخص يواجه مخاطر أعلى من انعدام الأمن الغذائي.
  • 2.7 مليون شخص بحاجة للمياه والصرف الصحي وخدمات النظافة.
  • 3.3 مليون شخص بحاجة للخدمات الصحية.
  • سوء التغذية في الصومال 50.6%.
  • نسبة الأمية 37.80% (2001).
  • وفيات الأطفال 132.50% (2016).
  • معدل الوفيات (12.03% (2014).
  • معدل الحياة 55.35 عام (2014).

الصوماليون وخاصة الأطفال بحاجة ماسة إلى توفير المأوى والمواد غير الغذائية كالأدوية خاصة مع إمكانية الإصابة بالأمراض المعدية مثل الإسهال المائي الحاد والكوليرا وسوء التغذية، التي تظهر غالبًا في أثناء الفيضانات، وفي ظل الصراعات المسلحة وانتشار الفوضى الأمنية، يعسر على أي حكومة مركزية وضع إستراتيجية وطنية لتنمية البلاد وجعلها قادرة على مواجهة التحديات الجغرافية والصحية.

بالنهاية، يُمكن القول إن حل الأزمة الصومالية عامة وأوضاع الأطفال خاصة يمر أولًا عبر تحمل السلطات المحلية المسؤولية بإيلاء هذه الفئة الهشة الأولوية القصوى من حيث الإجراءات والقوانين الحامية لهم، وثانيًا بانخراط الشركاء الدوليين في برامج تنموية مستديمة قادرة على ضمان تلبية حقوقهم في توفير المياه والصرف الصحي والصحة والإسكان اللائق، بما يتفق مع المعايير والمبادئ الأساسية الدولية لحقوق الإنسان عند مواجهة الأزمات كالحروب والأوبئة كجائحة كوفيد-19، وكذلك في إعادة إعمار البلد على قاعدة تماهي النقلة الاقتصادية مع المشاريع الثقافية والحضارية.