عبد الرحمن الراشد من رموز مثقفي وإعلاميي السلطة في السعودية، ودائمًا ما يتصدر لحمل مسؤولية تسويق أفكار ومشروعات العائلة المالكة إلى العالم، وآخرهم مشروع التطبيع مع "إسرائيل"، فمن خلاله يستطيع القارئ معرفة ما يدور في أروقة الحكم، ليس في المملكة وحدها، بل والحلف الخليجي الذي يدور في فلكها.   

ولد الراشد في الرياض عام 1956 وتدرج في المناصب الكبرى بالمنصات الإعلامية المختلفة، لكن تبقى رئاسته لتحرير جريدة الشرق الأوسط التي يملكها الملك سلمان وتوليه منصب مدير عام قناة العربية، المناصب الأكثر بروزًا وتأثيرًا في مسيرته المهنية. 

في بلاط السلطة

يصدر الراشد نفسه على أنه أحد رموز التيار الليبرالي في المملكة العربية السعودية، لكن الذي يبحر في منهج الراشد لن يجد مشروعًا ليبراليًا يدافع عنه، بل مشروعه الحقيقي هو "السلطة"، يسخر نفسه لتبرير أفكارها وقراراتها، ويسوقها كما يقول الكتاب إلى الرأي العام العالمي، يستفيد من خبرته في الدراسة بالغرب وموهبته ليصعد دائمًا إلى أعلى مراتب ثقة السلطة.

أقصى طموح الراشد إرضاء أولياء الأمر، فقد خصص جهود شركته الخاصة لإنتاج الوثائقيات في تسويق ملوك آل سعود، فعل ذلك مع الملك فهد عام 2005، وأنتج فيلمًا من 5 أجزاء استغرق 5 سنوات كاملة، وصوره بتكلفة إنتاجية ضخمة بعد أن أجرى مقابلات في 15 مدينة بالعالم. 

الزخم الذي حظيت به التجربة الأولى عن البلاط الملكي والحظوة التي تمتع بها الراشد دفعته إلى البدء عام 2007 في إنتاج فيلم وثائقي جديد ضخم من خمسة أجزاء أيضًا يحمل اسم الملك "عبد الله" وبدا واضحًا أن الشركة التي أسسها للوثائقيات، هي تخصص ملوك وأمراء، الممر الرسمي الذي جعل الراشد يتموضع في مكانه كذراع يمنى للسطة، ما مكنه من اكتساح الجوائز الدولية للإعلاميين الأكثر نفوذًا في المنطقة العربية، التي تخصص دائمًا لمن هم في حظوة السلطة ومالكي مفاتيح أسرارها.

نمر من ورق 

يصدر الراشد نفسه على أنه أحد أذرع الحداثة في المنطقة، لكنه يقدم أفكاره في أطوار لا تتجاوز الشيء ونقيضه، فالذي يأخذ على قطر تطبيع علاقاتها مع إيران، هو نفسه الذي يبرر للإمارات التطبيع الكامل معها وفق مصالحها التي تقرها بنفسها وليس أي جهة أخرى. 

يكشف الراشد عن مساوئ مثقف السلطة الذي يتقلب في الأفكار دون قيد أخلاقي أو شروط تحترم عقول متابعيه، فقط مصالح السلطة الحاكمة ولا يهم أي شيء آخر، فينذر نفسه لشرعنة الحلول السعودية والإماراتية .

تخصص في التنظير عن الأصولية حسب المزاج السعودي المتغير، كما رأس حربة الصراع الفكري والسياسي مع إيران، لهذا أغلب تنظيراته مرتبكة تقدم روايات غير متماسكة ودعائية، ولا تنطوي على معرفة تحليلية وتفكيكية تهدف إلى إظهار المشكلة والحل العادل لكل الأطراف. 

التطبيع في منهج الراشد 

لم ينتظر السعودي عبد الرحمن الراشد كثيرًا ليخرج مؤيدًا مشروع التطبيع الذي يجري في دمائه وكان يتحدث عنه على استحياء في السابق، باعتباره أحد أهم أدوات الاستشعار التي مهدت للفكرة قبل سنوات وتساءلت عن كيفية إقامة علاقات إسرائيلية عربية والتربح منها على حساب أي شيء وأي قيمة. 

دفع الراشد قوانين اللعبة إلى داخل المنطقة وخارجها، لدرجة أنه ضرب كل رمز يحاول إحياء القضية بقيم المقاومة، مثل النائبة الأمريكية الصومالية الأصل إلهان عمر التي ساند ترامب ضدها، فقد وصفها بالنائبة الديمقراطية المتطرفة التي تدافع عن إيران والإسلاميين و"حزب الله"، وهي تورية تهدف للتشفي من موقفها الهجومي على دول الخليج وفي القلب منها الإمارات والسعودية، بسبب موقف إلهان المناصر للحقوق الفلسطينية وبالضرورة العربية والإسلامية، وبمقتضيات الحق التاريخي للفلسطينيين. 

لم يتوقف الراشد صاحب الخلفية الليبرالية - المهجنة سعوديًا - عن التحريض على الكراهية ضد النائبة الجريئة التي تدافع عن حق عربي وإسلامي من على أعتى المنصات التشريعية والإعلامية لأكبر دولة في العالم، ولم يجد حرجًا في ممارسة أبشع صنوف الإرهاب الفكري ضدها.

زعم الراشد أنه يرفض التطرف في شخص إلهان، في وقت يدافع فيه عن عراب التطرف في العالم دونالد ترامب، الذي تلفظه النخب الأمريكية وكل صاحب ضمير حر في العالم، بسبب البصمة اليمينية المتطرفة التي تركها على البشرية ولن يزول أثرها بسهولة، لهذا أصبح الواقع الإنساني عند البعض يعرف بعالم ما قبل ترامب وما بعده، ومن هم الذين ساندوه والذين رفضوا ممارساته، كأنه تاريخ منفصل عن التاريخ.

يعطي الإعلامي السعودي الحكومات العربية وفي مقدمتهم حكومة بلاده الحق في كل شيء، يضع قضية التطبيع مع "إسرائيل" تحت وصايتهم الأخلاقية، يقررون ما يشاءون أو يرفضون، يعطيهم الحق في فرض التطبيع أو جعله قسرًا على الأروقة الحكومية، فالحكومة في عرف الراشد الأب الشرعي لكل ما هو ينبض بالحياة، الناس والإعلام والتعليم والمساجد والنقابات والشارع.

يلفت الراشد نظر الحكومات إلى قدرتها على توجيه الرأي العام نحو التصالح مع الصديق الجديد كما كانت قادرة على شيطنته خلال العقود الماضية، فيضع لهم الروشتة المطلوبة: الناس يتأثرون دائمًا بالضخ الهائل من الرسائل، فقط عليك فتح صنابير الإعلام بكل صوره وأشكاله ولو بالكذب، واترك لهم مهمة إقناع الناس بعكس ما ترسخ في وجدانهم من قيم. 

التحول في المواقف وتطبيع الإمارات الكامل والبحرين خلفها والوقوف على منصة الانتظار في السعودية، كل هذا يجعل الراشد يسرع من إرشادته وينذر نفسه مفتيًا للتطبيع من المحيط للخليج، ولهذا أصبح يسخر مقالاته لضخ المزيد من الرسائل التي يقدس تأثيرها ويعرف قوتها عن ظهر قلب.

يضع الراشد ذهب المعز على الطاولة، فيسلط الضوء على أقرب البلدان التي يمكن اللعب على أوجاعها وفتح طريق للنخب التي تشتهي المكاسب دائمًا، فالآن لا توجد عداوة ولا أرض محتلة ولا مزارع شبعا ولا جولان، والأوليات للشعوب العربية المنهكة، تقليد الصفقات التعاونية والعقود التجارية والعسكرية التي أبرمت بين الإمارات والبحرين و"إسرائيل"، فلماذا لا تقتدي بهم دولة مثل لبنان؟ 

يصنف الإعلامي السعودي من يرفض لغة المصالح بالتطرف، ولا يتورع في إمطار معارضية بأحكام أخلاقيه على مقاسه، فكل رافض للتطبيع في عرف الراشد هو ألعوبة في يد التطرف والجماعات الإرهابية وورقة تحصن مشروعهم الفكري والسياسي التوسعي، أما من يقبل بالتطبيع فهو "المرهم" الذي يريد شفاء بلاده من أمراض إيران وسوريا والفوضى والفقر، حتى يعود بلدًا مزدهرًا.

يلعب الإعلامي السعودي دور الدرويش السياسي القادر على قراءة كف كل مسؤول سلطة في المنطقة، ولهذا يبشر بالتطبيع الكامل مع "إسرائيل" في المستقبل، ويؤكد أن قطار العلاقات العربية مع "إسرائيل" لن يتوقف.

"السفارة خرجت من العمارة" يقول الراشد ويكشف: السد انهار، الإمارات والبحرين وقبلهما الأردن ومصر، والآن السودان، وعمان ترحب، والأجواء السعودية مفتوحة ولن يطول الوقت حتى تنضم للبقية، وبنفس منهجية مروجي التطبيع يهاجم الراشد القضية الفلسطينية، ورموزها الذين أصبحوا عاجزين عن التعامل مع تطورات التطبيع في المنطقة. 

يتباهي بفشل السلطة الفلسطينية في الحصول على صوت عربي واحد في اجتماع الجامعة العربية الذي حاولت فيه انتزاع موقف يدين العلاقات الإماراتية مع "إسرائيل"، ويؤرخ للمرحلة بطريقة أخرى، فهذه المرة الأولى في تاريخ السلطة الفلسطينية التي تواجه رفضًا عربيًا بالإجماع، وهو مؤشر عظيم في نظر أحد كبار المطبعين في المنطقة. 

يُصر الراشد على وصم جميع معارضي خططه للتطبيع، يتساوى عنده الإسلامي بالعلماني بالليبرالي بالقومي، كل من لم يلتحق بقطار التطبيع، لديه من الأسباب ما يكفيه للتمرغ في "سبوبة المقاومة"، التي لم يعترف بها يومًا، بل كان على الطرف الآخر منها، لهذا لا يراها هي ورموزها أبعد من دكاكين مزيفة للنضال.

يفتح الراشد الطريق للحكومات العربية، يبصرها بالأوليات التي تشبع الجمهور بأيدلوجيا التطبيع، وخاصة الثقافي والدرامي، فالدور الإسرائيلي يلائم في تصوراته كل الأطراف العربية بعدما تبدلت المعسكرات وانتهى زمن الامتناع عن تبني الرواية الصهويونية، فالمصالح الإسرائيلية مقابل مصالح كل دولة وكفى بها نعمة.