في المسألة الإسرائيلية وشؤونها، وعمليات قولبة الوعي التي تجري الآن على قدم وساق لدفع العرب أفواجًا للدوران في فلك التطبيع، هناك دهاقنة للقضية، كهنة تصهينوا حتى أصابتهم متلازمة التطبيع، فباتوا سفراءً للقضية أكثر من أهلها في المنطقة، يحاربون بسلاحها ويوصمون معارضيها، وعلى رأس هؤلاء الصحفي والإعلامي السعودي عثمان العمير.

اضطراب النشأة   

العمير من مواليد 25 من أغسطس/آب 1950 لوالد كان عالمًا في الشريعة الإسلامية، وهو الشيخ موسى بن العمير، كما كانت والدته نورة بنت سليمان الذيّب تعمل في التدريس والقضاء.

القراءة الاجتماعية لعثمان، تجعلنا نعرف أن والده كان أهم أعمدة الجامعة الإسلامية التي عرفت بكعبة العلم الديني للمسلمين، من الهند والسند شرقًا، وحتى أفارقة ما بعد إفريقيا غربًا، لكن العمير الصغير "المتمرد" دائمًا، كانت له تصورات أخرى، ضربت مشروع والده في مقتل، بداية من رفض قائمة ممنوعاته الشرعية في منزل الأسرة، كما يؤرخ لذلك صديقه تركي الدخيل خلال محاولته قراءة النخبة السعودية وسر النشأة والتكوين ولماذا انتهت إلى مواقف فكرية متباينة. 

عمل العمير بالصحافة والنشر، تمركز في إقامته بعيدًا عن السعودية، وتحديدًا بين لندن ومدينة مراكش المغربية، لكن بقي على اتصال بمراكز الفكر في المملكة، خاصة الإعلامي عبد الرحمن الراشد الذي يرتبط معه بصداقة خاصة لاشتراكهما في كثير من الأفكار والقناعات.

دشن العمير والراشد شركة منذ منتصف التسعينيات تحت اسم "OR" للخدمات الإعلامية، وتحمل الحروف الأولى لكل منهما باللغة الإنجليزية، وتخصصت في إنتاج البرامج التليفزيونية للقنوات الفضائية في الشرق الأوسط وبريطانيا وأمريكا.

فضاء مخابراتي

كان العمير أول الصحفيين السعوديين الذين ترأسوا المجلة اللندنية ثم جريدة الشرق الأوسط، وكسر بذلك احتكار الصحفيين المصريين واللبنانيين لهذه المناصب، وبعد فترة خرج من مواقعه ليؤسس صحيفة إيلاف الإلكترونية عام 2001، لتصبح في هذه المرحلة أشهر موقع إخباري عربي.

لكن المتابع لسياسة تحرير الموقع منذ نشأته، سيجد أصابع ملونة تعبث بسياسته التحريرية، وتضفي عليها أدوارًا أخرى غير الأدوار المخصصة للصحافة والإعلام، حاول الموقع دائمًا استقطاب النخب من كل التوجهات السياسية وبناء خلفية ثقافية للمملكة وقناعات مشتركة وروابط مادية وإنسانية مع أغلب المثقفين في البلدان العربية، وهي سياسة كانت تتبعها المملكة دائمًا لتضمن لنفسها نفوذها عن الطبقة المثقفة، حتى في عز دورانها في فلك الوهابية. 

يتحدث العمير بصراحة منقطعة النظير ويكشف السبب الرئيسي لتدشين موقعه وحقيقة مواقفه التي تؤخر السياسة وتقدم الساسة أنفسهم ومعهم المثقفين والعلماء، ويؤكد أن الموقع يهدف إلى الوصول للنخب، تحت أعين وآذان المخابرات، ويوضح بارتياح أن لا غضاضة لديه في التعاون الاستخباراتي وتسليم نفسه لأجهزة تركب له الصور الذهنية المطلوبة منه، ويعتبر ذلك عملًا وطنيًا لا يتناقض مع الأسس الإعلامية الاحترافية التي يؤمن بها. 

السير عكس المألوف 

لم يتخلص العمير يومًا من متلازمة السير عكس المألوف، وهي خصلة تصاحبه منذ نشأته، ولم تتوقف معه عند أشياء يمكن التماهي معها، لدرجة أنه طلب تحنيط جثمانه بعد مماته في الولايات المتحدة، لا سيما أنه يؤمن تمامًا أن العلماء سيجدون يومًا علاجًا للموت.

يؤمن العمير بالتطور العلمي حد التطرف، ومع ذلك لم يكشف عن أفكار مادية مبنية على الإلحاد، مع أنه مادي النزعة ويؤمن أن الكون أصله مادة، إلا أنه لم يعلن انسلاخًا عن الإسلام رغم التصريحات الكثيرة التي تخرج منه، وتتناقض بل وتهدم أسس الشريعة الإسلامية.

 

يؤمن عثمان بالسلطة حد التقديس، وهو سبب حرصه طوال حياته على توطيد علاقته بالملوك والأمراء والساسة وأجهزة الأمن بمستوياتها كافة، وربما هذا سبب استقرار العمير في وعي أوساط النخب بأنه رجل كل العصور في قصور الحكم السعودية، وإن كانت الآن أفضل فتراته على الإطلاق، إذ يعتبر أحد الأذرع الإعلامية والثقافية التي يثق بها الأمير محمد بن سلمان ويستنير بآرائه.   

التطبيع أسلوب حياة 

لعب العمير على خلق ثقافة جديدة تروج للتطبيع بمبادرة ذاتية منه، وفقًا لأفكاره وقناعاته، قبل أن تصبح مؤسسية من القمة للقاع بمراكز صنع القرار في مؤسسات الحكم بالمملكة. 

على مراحل مختلفة، تولى موقع إيلاف مهمة تسهيل الحوار بين الإسرائييين والعرب، وظل يمارس هذه المهام بتدرج حتى ظهر مشروع الشرق الأوسط الكبير، واختماره بشدة بعد تولي ترامب وتوثيق علاقاته مع محور التحالف العربي. 

خلال الأعوام الماضية، أجرى العمير من خلال موقعه المثير للجدل سلسلة غير مسبوقة من المقابلات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، على رأسهم رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي ووزير دفاع سابق ورئيس المخابرات وزعيم المعارضة.

وسائل الإعلام الإسرائيلية، التقطت الخيط ونشرت تقاريرًا عن الموقع الذي يعتبر رمانة الميزان في تسهيل مهمة التطبيع لتمريرها إلى الشارع السعودي الذي يتابع إيلاف بكثافة، واستفاد العمير من وجود مقر الموقع في لندن، ودورانه في فلك قوانينها حتى يعمل بأريحية كاملة، إذ لا تجيز أغلب النقابات الصحافية العربية التطبيع بكل صوره وأشكاله، فضلًا عن قوانين البلدان العربية نفسها التي ترفض مثل هذه المقابلات بسبب حساسية العلاقات المستمرة مع الكيان الصيهوني. 

هذه الكواليس التقطها المغرد مجتهد، الذي نشر سلسلة تغريدات على "تويتر" يؤكد فيها أن العمير هو أحد الأطراف المخول لها الاتصال بـ"إسرائيل"، ويؤكد المغرد الشهير المعروف باتصاله بمصادر سيادية داخل أجهزة الحكم، أن العمير تحديدًا وعبد الرحمن الراشد، كانت لهما علاقات ولقاءات دائمة ومستمرة مع شخصيات إسرائيلية نافذة.

لم ينحصر الرد على تطبيع العمير بهذا الوضوح على أجهزة الأمن والحكم فقط، بل تجاوز ذلك إلى النخب الفكرية السعودية التي أصبحت تتسابق هي الأخرى في دعم مشروع التطبيع

ما يقوله مجتهد، تؤكده صحيفة "هآرتس" العبرية ذائعة الصيت، التي تعتبر العمير ومنافذه الإعلامية صوت "إسرائيل" في المنطقة، وهو ما يفسر العلاقات الوثيقة بين الإعلامي السعودي وجيش الاحتلال، لدرجة أنه يشركهم في كتابة مقالات بالموقع الذي يملكه، وعلى رأس الذين شاركوا بالكتابة، أفيخاي أدرعي، المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي كتب في الذكرى الثلاثين لتأسيس حركة حماس وهاجمها بشدة وأخذ راحته الكاملة في قدحها ووصمها بالإرهاب والتطرف. 

متلازمة التطبيع التي أصابت العمير، بجانب المتلازمات الأخرى التي يعاني منها، جعلته يتطرف في الدفاع عن مصالح الكيان الصهيوني، لدرجة جعلته يقترح إجراء استفتاء ترعاه الأمم المتحدة، لمعرفة رغبة سكان الجولان، إما بالاستقلال وإما الاختيار بين سوريا و"إسرائيل"، في تأكيد على مباركة الصحفي السعودي ومن يقف خلفه الإعلان الذي صدر من أمريكا للاعتراف بسيادة "إسرائيل" على مرتفعات الجولان المحتلة.

الدور الذي يؤديه العمير وتصريحاته السابقة عن التعاون الوثيق مع أجهزة الاستخبارات، يؤكد أن القضية ليست متعلقة بشخص، وهو ما يظهر من حالة الدعم التي يلقاها من أعلى مستويات صنع القرار في المملكة، منهم اللواء أنور عشقي، ضابط الاستخبارات السعودي والمستشار السابق للأمين العام لمجلس الأمن الوطني الذي دافع بشدة عن الانفتاح الإعلامي السعودي مع "إسرائيل".

يرد عشقي "غيبة" عثمان عند بعض التساؤلات التي تظهر في الإعلام السعودي الرسمي على استحياء عن رد فعل السلطات السعودية على الانفتاح المؤذي للبعض من الصحفي السعودي على "إسرائيل"، ويعتبر الخبير الأمني أن القنوات الإعلامية الخاصة "حرة" بإجراء المقابلات مع من تريد.

يتحدث عشقي عن مؤسسات العمير، مؤكدًا أنها لا تمثل السلطة الرسمية، وما يجريه الموقع من مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين، لا يمثل تطبيعًا، بل نهج حر للموقع حسب سيرورة صاحبه. 

لم ينحصر الرد على تطبيع العمير بهذا الوضوح على أجهزة الأمن والحكم فقط، بل تجاوز ذلك إلى النخب الفكرية السعودية، التي أصبحت تتسابق هي الأخرى في دعم مشروع التطبيع، ولو على سبيل دعم الفكر الحر ممثلًا في عثمان الذي يحرر العقول من الهياج والعصبية والغضب الأعمى، ورد الفعل الذي يزيد درب الجهل ظلمة كما يقول نجيب يماني، أحد مشاهير الكتاب في المملكة.

تصرفات الناشر السعودي بحسب يماني، تفتح كوّة ضوء في "درب المعرفة"، داعيًا السعوديين والعرب للهروب مما أسماها دائرة الشك والضلال إلى براح الوعي والاستنارة، وهي مهمة معلقة بأعناق العلماء والمفكرين وذوي الحِجى والعقل، أما رافضو التطبيع من الدهماء والسوقة، فعليهم التعلم أولًا من خلال مقاعد الإنصات والتعلم، دون تشويش بالصراخ دون داع!