عندما بدأ تبادل إطلاق النار في 27 من سبتمبر/أيلول بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا واشتعلت أقدم حرب مجمدة في أوروبا بسبب إقليم "قره باغ"، لم يكن متوقعًا أن تخرج انعكاسات هذه الأزمة عن نطاقها الجغرافي، فقد امتد التوتر المتصاعد إلى فوضى عرقية في إيران، الأمر الذي يؤثر على الأمن الإقليمي وينذر باندلاع حرب كبيرة في المنطقة، بحسب تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي قال في اجتماع لمجلس الوزراء الإيراني، في الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول، إن الصراع العسكري الحاليّ في "قره باغ" يهدد بحرب كبيرة في المنطقة. 

يأتي هذا التخوف من دعم الأقلية العرقية الأذرية في إيران لأذربيجان، وهي الفئة التي وصفتها صحيفة "سفوبودنايا بريسا" الروسية بأنها "قنبلة موقوتة" يمكن أن تنفجر بسبب التطورات في إقليم قره باغ الأذربيجاني الذي تحتله أرمينيا.

الخوف من النزعات القومية

قبل أن تبدأ الاشتباكات بين القوات الأذربيجانية والأرمينية كانت إيران منشغلة بآلامها الاقتصادية وعزلتها العالمية، وبعد اندلاع الأزمة كان الموقف الإيراني تجاه هذه القضية غير واضح، وهي دولة ذات أغلبية شيعية مثل أذربيجان وتجاوِر البلدين ولديها علاقات ودية معهما، فقد تمسكت طهران بالحياد وعرض الوساطة بين الجانبين والدعوة إلى وقف الحرب وبدء حوار سلمي من أجل حل دائم للنزاع بين باكو ويريفان المستمر منذ ثلاثة عقود.

تستضيف إيران ما يقرب من 20 مليون أذربيجاني، يُعرفون باسم "أتراك إيران"، ويشكلون ربع سكان البلاد ويقطنون في الأجزاء الشمالية منها

ازدادت الأمور تشويشًا مع ذكر صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، أن ثمة "وضع غير عادي في العلاقات الدولية، حيث تتطابق مصالح الجمهورية الإسلامية مع مصالح دولة مسيحية على حساب دولة مسلمة أخرى"، إضافة إلى تحليلات سياسية أخرى تشير إلى أن إيران تدعم أرمينيا سرًا، وهي دولة ذات أغلبية مسيحية، حيث انتشرت شائعات تفيد بأن الجمهورية الإسلامية أرسلت شاحنات محملة بالمساعدات العسكرية إلى أرمينيا وهي المزاعم التي نفاها محمود واعظي مدير مكتب الرئيس الإيراني، في اتصاله بنائب رئيس الوزراء الأذري شاهين مصطفايف، معتبرًا أن هذه الشائعات لا تمت للحقيقة بصلة وتهدف إلى تعكير صفو العلاقات بين البلدين.

ظلت حينها إيران على موقفها المحايد رغم ضغوط رجال الدين على الرئيس الإيراني حسن روحاني لدعم الجارة المسلمة أذربيجان، فيما بقيت أعين المجتمع الدولي تراقب تحركات الحكومة الإيرانية التي كانت تميل تاريخيًا إلى أرمينيا في صراعاتها مع أذربيجان، وذلك ضمن السياسة الإيرانية لسحق المشاعر الانفصالية، حيث تستضيف إيران ما يقرب من 20 مليون أذربيجاني يُعرفون باسم "أتراك إيران" ويشكلون ربع سكان البلاد ويقطنون في الأجزاء الشمالية منها.

يأتي هذا الموقف أيضًا من التصور الإيراني بأن استعادة أذربيجان وسيطرتها على ناغورني قره باغ سوف يغذي المشاعر والطموحات الانفصالية الأذربيجانية وهو ما عبر عنه صراحةً أبو الفضل الشيبي عندما تولى منصب رئيس أذربيجان في أوائل التسعينيات، حين أعرب عن رغبته في إعادة توحيد أذربيجان، الأمر الذي لم ينسجم مع طهران ودفعها للانحياز إلى أرمينيا المسيحية، وهي البلاد التي تشترك في حدود 22 ميلًا (35 كيلومترًا)، وهي الحدود التي تعد شريان الحياة لثلاثة ملايين من سكان أرمينيا.

وبالنسبة لأرمينيا، تعتبر العلاقات مع إيران مسألة بقاء، وبالنسبة لإيران أيضًا، فإن البلاد نقطة انطلاق للسعي لنفوذها في جنوب القوقاز، وذلك إلى جانب كون روسيا حليفًا لكل من أرمينيا وإيران مما يجعلها تلعب أيضًا دورًا في تعزيز العلاقات.

التخلي عن الحياد

بينما قاوم كل من الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف الرأي العام لدعم باكو، طلب كل من البلدين حل الخلافات من خلال الحوار وعرض الوساطة مع تركيا وروسيا، لكن كلا الزعيمين لم يصل إلى حد إدانة تصرفات أرمينيا في محاولة للبقاء على الحياد، إلا أن الدعوات تتزايد داخل البلاد للتخلي عن الموقف التقليدي ودعم أذربيجان علنًا.

إذ اندلعت في الأيام الأخيرة احتجاجات في بعض المدن الإيرانية الرئيسية الناطقة باللغة الأذرية بما في ذلك تبريز وأرمية وأردبيل وزنجان، ودعا المتظاهرون إلى "تحرير قره باغ"، معبرين عن غضبهم من الشائعات التي تفيد بأن حكومة بلادهم أرسلت شاحنات محملة بالأسلحة إلى أرمينيا، ومطالبين بإغلاق الحدود الإيرانية معها.

أخذت المظاهرات منحى حادًا مشحونًا بمشاعر العنصرية والانفصالية، حيث ردد بعض المشاركين شعارات تندد بالأغلبية الإيرانية الناطقة بالفارسية والمجتمعات العرقية الأخرى باعتبارها عدوًا للشعب الأذربيجاني، وفي حالات أخرى، هتفت مجموعات كبيرة من المتظاهرين في تبريز قائلةً بأن "الأكراد والفرس والأرمن أعداء أذربيجان".

وفي الفترة الماضية، شوهد مشجعو أندية كرة القدم الإيرانية من المدن الناطقة باللغة الأذرية يحملون علم أذربيجان وتركيا إلى الملاعب، ما أثار استياء السلطات في طهران، إذ تسببت هذه القومية التركية الأذرية أحيانًا في زعزعة استقرار قيادة الجمهورية الإسلامية التي تكافح منذ نحو 40 عامًا للحفاظ على السلامة الإقليمية لبلد متعدد الأعراق يعيش فيه أقليات من الأذريين والعرب والأكراد واللور والتركمان والبلوش والأرمن. 

رجال الدين يقوضون الدور الإيراني الوسيط بين أذربيجان وأرمينيا، وفي الوقت نفسه يعطون ذريعة للمتطرفين العرقيين لتأجيج الطائفية في البلاد

وفي ذات السياق، قدم علي رضا عرفي، رجل دين مؤثر ورئيس المعاهد الدينية، دعمه لأذربيجان، وقال إن أراضي ناغورنو كاراباخ المحتلة تابعة لباكو، وأضاف عرفي، المقرب من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أن جميع المدارس الدينية ورجال الدين والهيئات الطلابية تدعم موقف أذربيجان.

علاوة على ذلك، أكد بيان مشترك صادر عن أربعة ممثلين لخامنئي في أربع مقاطعات مختلفة أن ناغورنو كاراباخ تنتمي إلى أذربيجان، وعزا رجال الدين الأربع المؤثرون - سيد محمد علي الهاشم وسيد حسن عاملي وعلي خاتمي وسيد مهدي غريشي - قرارهم  إلى"فلسفة الجمهورية الإسلامية" التي تقضي بحماية المظلومين، واصفين الجنود الأذربيجانيين والمدنيين الذين قتلوا في الاشتباكات بـ"الشهداء".

تعرضت هذه الخطوة للانتقاد، على اعتبار أن رجال الدين يقوضون الدور الإيراني الوسيط بين أذربيجان وأرمينيا، وفي الوقت نفسه يعطون ذريعة للمتطرفين العرقيين لتأجيج الطائفية في البلاد، لكن الشخصيات السياسية والدينية المؤيدة لأذربيجان استمرت في إعلان موقفها، وذلك مثل مستشار رئيس مجلس النواب، حسين أمير عبد اللهيان، الذي قال إن قرارات الأمم المتحدة تؤكد سيادة أذربيجان على كاراباخ، إضافة إلى ذكر نائب من مقاطعة أذربيجان الإيرانية أن كاراباخ "أرض إسلامية سيتم تحريرها".

أسباب التعاطف والانحياز

يمكن تفسير موجة التعاطف والتضامن مع أذربيجان بتقارب أرمينيا المتزايد مع "إسرائيل"، ففي العام الماضي، أنشأت أرمينيا سفارتها في تل أبيب، الأمر الذي لم يلق نظرة طيبة في إيران، فقد نظمت في يونيو/حزيران من هذا العام العديد من الاحتجاجات بالقرب من سفارة أرمينيا في طهران ضد قرار البلاد فتح بعثتها الدبلوماسية في تل أبيب.

يعتقد أن الميل إلى الاستقلال عن إيران أو الضم مع أذربيجان أو تركيا أمر غير شائع بين الأذريين الإيرانيين، رغم أن الميول القومية قوية بشكل ملحوظ

أما بالنسبة للأوساط العامة الشعبية، فإن جزءًا كبيرًا من المجتمع الأذربيجاني الحضري في إيران انحاز سياسيًا إلى أذربيجان في عملية وطنية للعودة إلى الجذور العرقية، إذ يعتقد الشباب الأكثر تعليمًا وعلمانيًا وحيطةً ضد القومية الفارسية المتزايدة أن قره باغ حجر الزاوية في قوميتهم الأذربيجانية التركية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تعرضهم لوسائل الإعلام الأذربيجانية والتركية.

ومع ذلك، يعتقد أن الميل إلى الاستقلال عن إيران أو الضم مع أذربيجان أو تركيا أمر غير شائع بين الأذريين الإيرانيين، رغم أن الميول القومية قوية بشكل ملحوظ، إذ تستبعد البروفيسورة بريندا شافر، اختصاصية السياسة الخارجية وعضو هيئة التدريس في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، توحيد المقاطعات الإيرانية الناطقة باللغة الأذرية مع أذربيجان أو تركيا.

وترى أن تركيا وجمهورية أذربيجان تهتمان برفاهية الأذربيجانيين وحقوقهم في إيران، لكنهما لا يسعيان لتغيير حدود إيران ولا دمج الأراضي التي يسكنها المجموعة الأذربيجانية، لا سيما أن الأذربيجانيين الإيرانيين، ممثلون في المناصب السياسية العليا والشركات الكبرى والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية، ما يعني أنهم بعيدون عن سياسات التهميش والإقصاء، فقد حرصت إيران في عهد الشاه السابق على توظيف سياسات خاصة لاستيعاب الأتراك الأذربيجانيين في الجمهورية الإسلامية.

ومن ناحية أخرى، يتمتعون كذلك بعلاقات ثقافية وطيدة مع جمهورية أذربيجان وتركيا، ويتزاوجون مع عائلاتهما ويسافرون إلى البلدين بشكل متكرر.

تاريخيًا، يعتبر السكان الأتراك الأذربيجانيون في إيران من أكثر المجتمعات ولاءً وإخلاصًا للدولة، ففي عهد الدولة الشيعية الصفوية (1501 -1736) والإمبراطورية القاجارية ذات الأصل التركي (1779-1925)، ساعدت هذه القبائل الملوك وأفراد النخبة الحاكمة في تعزيز وبسط حكمهم في المنطقة التي أصبحت الآن تشكل دولة إيران.

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن هذه الأقلية قد تكون مصدرًا للتوتر في البلاد، رغم حرص طهران على كبح جماح أي شعور قومي لديهم، وفي هذه الحالة فمن المتوقع أن تتحرك طهران سريعًا مع الفاعلين الدوليين (مثل روسيا وتركيا) في هذا الملف للعمل على وقف إطلاق النار قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة تمامًا.