خلف بن أحمد الحبتور، ملياردير إماراتي، والعقل الاقتصادي لـ"إسرائيل" في بلاده، يرأس مجلس إدارة مجموعة الحبتور، بجانب عضويته في المجلس الوطني الاتحادي والعديد من المؤسسات الاقتصادية الأخرى، رشحه قربه الشديد من مراكز صنع القرار في الإمارات وعلاقاته الواسعة مع رجال المال والأعمال في العالم، لقيادة مركب التطبيع لتحميل ما تبقى له من طموحات مالية وسياسية دون عائق أو قيد. 

بدأ الحبتور حياته من الصفر، ودائمًا ما يشير في لقاءاته إلى قسوة رحلته، وإن كانت التركيبات المختلفة في شخصية الرجل هي التي جعلته يتغلب على حياة الجوع والفقر والحاجة وينتقل منها إلى عالم الثراء والمال وحياة المشاهير، وهي دلالات قد تقودنا إلى معرفة لماذا يُطلق خياله ولا تشبع روحه مهما ارتفع إلى عنان السماء. 

يقول الرجل عن نفسه، إنه صاحب فكر تقدمي، وبعض التقدميين في المنطقة خاصة أصحاب الاستثمارات الواسعة والمال الوفير لا يفهمون من التقدمية إلا ابتزال المادية وعدم الالتزام بأي قيد أخلاقي أو قيمي، فالنفعية مبدأ فلسفي في حد ذاته، ومن هنا يجري تحويره من رجال المال والأعمال العرب حتى يناسب أطماعهم التي لا تنتهي. 

 

 

سرطان التطبيع

كان الحبتور أول الذين كسروا قاعدة التطبيع السياسي، لينفذ منه إلى الترويج للتطبيع الاقتصادي مع "إسرائيل"، خلال العام الماضي، كانت تغريدات الرجل تفجر الكثير من الجدل، وتجلب عليه اللعنات القاسية بسبب تسويقه للتطبيع، حتى قبل دخول بلاده رسميًا في الاتفاق مع الكيان الصهيوني.  

لم يهتم الحبتور بالهجوم الواسع عليه والضغط الشعبي من كل البلدان العربية، وهي هجمات كانت كافية في أجواء طبيعية أن تنسف استثماراته، لكن يبدو أنه كان يريد تعظيم شهرته ولو من مياه التطبيع الآسنة، لا سيما أنه طوال حياته يعشق المواقف الجدلية حتى أصبح معروفًا بغرابة أطواره، إذ سبق للحبتور الخروج على شاشة سي إن إن والدعوة إلى شرب الخمر ومرافقة النساء بعيدًا عن مؤسسة الزواج بزعم تعزيز الأواصر بين الجنسين.

 

الإخلاص الشديد للحبتور في التسويق لقضية التطبيع، جعل الخارجية الإسرائيلية تفرد له مساحات واسعة في دعايتها للتطبيع، سواء في أوروبا أم من خلال حساباتها الإلكترونية الموجهة للمنطقة، ومن سيكون أفضل من رجل محسوب على أكبر رجال الأعمال العرب ويطلق تغريدات مجانية تتغزل في "إسرائيل" ليل نهار ويدير مساحة الصراع إلى وجهة أخرى، فإيران بالنسبة له - وليس "إسرائيل" - هي العدو.

 

 

قراءة المشهد من زاوية أوسع، تؤكد أن "إسرائيل" كانت تعلم جيدًا أن الاتفاقيات مع الإمارات والبحرين لن تجد إلا ردود فعل إيجابية ضئيلة في الدول العربية، حيث كشفت الإحصاءات التي أجرتها الجهات المعنية، التي أجرت تحليلات عدة لنوعية المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تصاعد حجم الرفض للتطبيع، وهو السمة الغالبة في كل البلدان العربية.

تقارير أخرى خرجت من وزارة الشؤون الإستراتيجية، طالبت الحكومة الإسرائيلية بالاستعداد لحملة ذهنية مطولة عن هذه القضية، بعدما أكدت التقارير أن نحو 90% من الإشارات عن "إسرائيل" في الشبكات الاجتماعية سلبية و5% فقط إيجابية، كما أن كلمة "سلام" غائبة تمامًا عن الخطاب العربي تجاه الكيان الصهيوني.

طالبت وحدات الأبحاث الإسرائيلية، بتدشين حملة من رجال أعمال الخليج والداعيين للتطبيع، لتسليط الضوء على الفوائد الكامنة من إقامة علاقات طبيعية مع "إسرائيل"، وخاصة من أمثال خلف الذي لا توجد لديه أي مشكلة في تسويق دعاية تخالف أدنى أساس أخلاقي، بل يتطرف الحبتور في التعبير عن حبه للكيان الصهيوني، لدرجة الإساءة للفلسطينيين في المقابل، والادعاء أن الملايين منهم حصلوا على الجنسية الإسرائيلية عن محض إرادتهم، هكذا دون مقدمات أو سياقات توضح الأرقام الحقيقية، وما ملابسات حصولهم على الجنسية.

 

يُسهل تسخير "إسرائيل" لرجال المال، هيكل ساحة الأعمال في الإمارات، إذ يسيطر على معظم الشركات في دبي وأبو ظبي نحو 20 عائلة فقط، معظمهم من أملاك القطاع الخاص ولا يتم تداولها في بورصة محلية أو في الخارج مع أن جزءًا كبيرًا منها لديه نشاط دولي واسع النطاق خاصة في قطاع الفنادق الأكبر في الإمارات.

ويدير هذه الشركات اليوم، الجيل الثالث في العائلات الذين تم إرسالهم إلى جامعات مرموقة في الولايات المتحدة وأوروبا للحصول على تعليم متميز في إدارة الأعمال، ومنهم من يقيم في أوروبا ويدير أعماله في الإمارات، لكن لديهم روابط خاصة بالحكومة ويتم إدارتها بشكل خاص.

لعنة الاستثمار 

كما هو الحال مع الكثير من المنادين بالتطبيع من رجال الأعمال، تقف المصالح الخاصة على رأس أولوياتهم ويودون لو سبقوا دولهم للهجرة والارتماء في أحضان تل أبيب، وربما هذا سبب سباق الحبتور مع الجميع بمجرد إعلان بلاده عن اتفاق التطبيع مع "إسرائيل"، ليعلن فتح مكتب لتمثيل مجموعته لدى الكيان العبري. 

حتى يزايد خلف على ترسانة المؤسسات الإماراتية التي ذهبت مباشرة إلى "إسرائيل" لإقامة شراكات اقتصادية توثق العلاقات السياسية مع أبوظبي بجميع المجالات، أنتج الحبتور خطابًا سياسيًا بخلفية اقتصادية، لتحفيز حكومة بلاده في كل لقاء يخرج فيه على الشاشات، للتأكيد على ضرورة إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات مع "إسرائيل".

حتى يتشكل تحالف قوي مع "إسرائيل"، يجب أن يكون هناك فرصة للاستثمار في التكنولوجيا الاقتصادية وأنظمة الأسلحة والاتصالات والصناعات الإلكترونية والزراعة والصحة، وهو ما يحاول الحبتور ترويجه، إذ تمثل "إسرائيل" بالنسبة له، أهم مصدر للمعرفة والخبرة، وكأنه رجل أعمال ناشئ يبحث عن نفسه والشريك الذي يجب أن يبدأ معه . 

سحب الملياردير الإماراتي بجانب صفقاته المزعومة، العديد من بنوك وشركات بلاده العاملة في السياحة والصحة والزراعة والتجارة، ومن خلالهم أبرم تعاقدات لمدد طويلة مع كيانات إسرائيلية، وهي صفقات تتوقع وزارة الاقتصاد الصهيونية أن تصل قيمة صادراتها إلى الإمارات من 300 إلى 500 مليون دولار سنويًا، بينما تتوقع أن تصل قيمة الاستثمارات الإماراتية في "إسرائيل" نحو 350 مليون دولار سنويًا.

يبرر الحبتور رغباته مؤكدًا أن الاتفاقات الاقتصادية مع "إسرائيل" ستحقق لهم عوائد ومنافع سياسية أيضًا وليس اقتصادية فقط، فاتفاق التطبيع الإماراتي يضع نفوذ الكيان الصهيوني على أعتاب إيران، ويبدو أن خلف كان يلتقط بخياله السياسي مدلولات التحذيرات المشددة التي أطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني ضد الإمارات، رافضًا فتح طريق "إسرائيل" إلى المنطقة بما يغير موقف بلاده من أبو ظبي، الأمر الذي استدعى تقديم احتجاج شديد اللهجة من الإمارات إلى المبعوث الإيراني على أراضيها.

يعمل خلف الحبتور وأنصاره بقوة وجهد حتى يتخلص من تهديدات إيران، ولا شك في ذلك، لكنه في سبيل هذا الهدف، يعمل ضمن تروس تحاول خلق تحالف إقليمي سيعزز أمن "إسرائيل" ومكانتها كقوة إقليمية بما يفوق كل بلدان المنطقة، هذا على المستوى السياسي والأمني. 

ليس الحبتور أذكى من أنجبت المعمورة، فالتعاون والتطبيع سيدفع الاقتصاد الإسرائيلي - وليس الإماراتي على الأقل في السنوات الأولى - إلى الأمام ومتوقع أن يحدث زيادة بنسبة 20% في الناتج المحلي الإجمالي السنوي لـ"إسرائيل"، بينما سيضعف الاقتصاد الفلسطيني وسيجد صعوبات غير مسبوقة هذا إن كانت القضية الفلسطينية ما تزال تشكل قيمة ما عند الحبتور والذين معه!