دعوات سعودية لمقاطعة المنتجات التركية

تدخل العلاقات التركية السعودية نفقًا جديدًا من التوتر، لكن هذه المرة عبر أداة جديدة من الابتزاز والضغوط، حيث التلويح بسلاح المقاطعة الاقتصادية ردًا على ما وصفه سعوديون بأنه تعمد تركي لإيذاء بلادهم من خلال مواقف أنقرة الرسمية تجاه بعض القضايا والملفات الحساسة سعوديًا.

وتحت هاشتاغ #حمله_مقاطعه_البضايع_التركيه أطلقت من المملكة، بمشاركة مسؤولين رسميين وأمراء، حملة لمقاطعة تركيا ومنتجاتها، معتبرين أن هذا هو السلاح الأبرز في مواجهة التوجهات التركية المناهضة لسياسات الرياض وانتهاكاتها الأخيرة على أكثر من صعيد، الداخلي منه والخارجي.

ورغم أن الجانب التركي تجنب الزج بالعلاقات الاقتصادية ومستقبل التبادل التجاري في أتون الخلاف مع السعودية، مكتفيًا بأن يكون الخلاف سياسي في المقام الأول بعيدًا عن مصالح البلدين، فإن المملكة من الواضح أنها لم تجد من آليات المواجهة إلا تلك الورقة، إيهامًا بقدرتها على التأثير في القرار التركي، وذلك بعدما بلغت حدود الإفلاس السياسي.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها السعودية حملة مقاطعة اقتصادية لتركيا، حيث سبقتها حملات مشابهة أخرى، أبرزها تلك التي طالبت بالمقاطعة السياحية، في محاولة لتقليل عدد السياح السعوديين المتوافدين على تركيا سنويًا، كون السياحة الخارجية أحد أبرز الروافد الاقتصادية لأنقرة.

الدعوة للمقاطعة الاقتصادية للمنتجات التركية تجاوزت الحدود السعودية لآفاق أكثر اتساعًا، ففي 14 من مارس/آذار 2018 طالب الكاتب الصحفي المصري دندراوي الهواري، في مقال له بجريدة "اليوم السابع" الموالية لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بضرورة مقاطعة دول المقاطعة (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) لتركيا، ومحاولة تكبيدها أكبر قدر من الخسائر.

توتر في العلاقات

تأتي هذه الحملة على خلفية التوترات الحادة التي تشهدها العلاقات بين أنقرة والرياض خلال السنوات الثلاثة الأخيرة على وجه التحديد، منذ المساندة التركية القوية لقطر في أزمتها الخليجية ضد دول الحصار الرباعي في يونيو/حزيران 2017، وتصديها لإملاءات ومخطط التركيع الممنهج.

وزاد حدة التوتر بين البلدين بعد اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول، في 2 من أكتوبر/تشرين الأول 2018، حيث أصرت تركيا على ضرورة محاكمة المسؤولين عن اغتياله، وهم المقربون من ولي العهد محمد بن سلمان الذي اتهمته المخابرات الأمريكية بتحمل المسؤولية المباشرة عن الجريمة.

ورغم المساعي التي بذلتها الرياض لطي هذا الملف عبر الوساطة الأمريكية، مستغلة علاقتها الجيدة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن تمسك أنقرة بحقها في محاسبة المتورطين في ارتكاب القضية الواقعة فوق ترابها، أثار حفيظة السلطات السعودية لا سيما بعد تشويه صورة المملكة خارجيًا بسبب تلك الواقعة.

هذا بجانب العديد من بؤر الخلاف بين الحلف السعودي الإماراتي من جانب والتركي القطري من جانب آخر بسبب تباين وجهات النظر حيال مسار الربيع العربي، حيث يدعم الأخير تلك الثورات في ظل قيادة الأول ضدها فيما بات يعرف باسم "الثورة المضادة" التي تهدف إلى إجهاض حلم الشعوب العربية والالتفاف على رغباتها عبر دعم الأنظمة السلطوية الدكتاتورية.

ضغوط رسمية

يحاول الإعلام السعودي وحلفاؤه في المنطقة الترويج إلى أن حملة المقاطعة الاقتصادية لتركيا حملة شعبية خالصة، دون أي ضغوط أو إملاءات رسمية، مستندين في هذا الزعم إلى عدم صدور أي تصريحات رسمية من الحكومة السعودية بهذا الشأن، وأن الأمر لا يعدو كونه رغبةً شعبيةً ضد التدخلات التركية في الشأن الخليجي على حد وصفهم.

غير أن الواقع يذهب بالأمور إلى غير ما يتم الترويج له، فالحملة يقودها مسؤولون بارزون في الحكومة السعودية بجانب أمراء من الأسرة المالكة، على رأسهم الأمير عبد الرحمن بن مساعد، رئيس نادي الهلال السعودي السابق، الذي طالب من خلال تغريدة له في التاسع من أكتوبر/تشرين الثاني الحاليّ بمقاطعة المنتجات التركية.

وقبله بيومين فقط، كتب رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية عجلان العجلان، على "تويتر" قائلًا: المقاطعة لكل ما هو تركي، سواء على مستوى الاستيراد أو الاستثمار أو السياحة، هي مسؤولية كل سعودي "التاجر والمستهلك"، ردًا على استمرار العداء من الحكومة التركية على قيادتنا وبلدنا ومواطنينا"، ومن قبلها تغريدات أخرى بنفس تلك المطالب في 29 من سبتمبر/أيلول الماضي.

معلوم أن مساحة الديمقراطية في السعودية لم تكن بالمستوى الذي يدفع الأمير بن مساعد ولا رئيس مجلس الغرف التجارية أن يطالبا بمقاطعة أي دولة اقتصاديًا ويعرضون مصالح بلادهم معها للخطر من تلقاء أنفسهم دون الحصول على ضوء أخضر من الجهات السيادية بالمملكة.

وعليه بات من الواضح أن الحملة تسير في إطار ممنهج بدعم قوي وتوجيه من السلطات السعودية وإن كانت تتم عبر أدوات خاصة، في مقدمتها تجييش الذباب الإلكتروني، وهي الإستراتيجية التي اعتادتها الرياض ومعها أبو ظبي في كثير من المواقف التي ثبت بالدليل القاطع تمرسها فيها بشكل كبير للغاية، وتعرضت بسببها للكثير من الانتقادات اللاذعة من المنظمات الحقوقية والتقنية الدولية.

ومما يؤكد هذا المسار البيان الصادر في 10 من أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ عن أكبر 8 مجموعات أعمال تركية يعربون فيه عن تلقيهم شكاوى من شركات سعودية بإجبارها من جانب حكومة المملكة على توقيع خطابات تلزمها بعدم استيراد بضائع من تركيا.

المجموعة التي تضم شركات تصدير ورجال أعمال بارزين ومسؤولي نقابات عمالية ومكتب العلاقات الاقتصادية الخارجية وجمعية المصدرين واتحاد غرف وبورصات السلع اشتكت كذلك من استبعاد المتعهدين الأتراك من الصفقات الرئيسية السعودية.

يذكر أن رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية، نائل أولوباك كان قد صرح في 2 من أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ، أنه تلقى معلومات من أعضاء اللجنة بمقاطعة السعودية للمنتجات التركية، اعتبارًا من الأول من الشهر الحاليّ، وهو التصريح الذي أكده البيان والتقارير الإعلامية الصادرة في هذا الشأن.

تضخيم وتهويل

القراءة الواقعية بلغة الأرقام للتأثيرات المباشرة لحملة المقاطعة السعودية للمنتجات التركية تفند مفردات التضخيم والمبالغة الواردة على لسان المسؤولين والإعلاميين بالمملكة، ممن أشاروا إلى أن الخسائر ستكون فادحة بالشكل الذي ربما يهدد استقرار تركيا الاقتصادي ويضع مستقبله على المحك بحسب البعض.

وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2015 بلغ نحو 5.59 مليار دولار، فيما انخفض في العام التالي إلى 5 مليارات، ثم 4.84 مليار في 2017، وبعدها 4.95 مليار في 2018، ثم ارتفع إلى 5.1 مليار دولار في 2019، وفق موقع وزارة الخارجية التركية.

أما الميزان التجاري بين البلدين فيميل لصالح أنقرة التي تتفوق صادراتها على الواردات السعودية في الفترة بين 2015/2017 بقيمة 1.3 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم تقلص عام 2018 إلى  300 مليون دولار فقط ، في مؤشر على تراجع الصادرات التركية، في ذروة الخلافات السياسية بين البلدين، قبل أن يعاود الارتفاع إلى مستواه الطبيعي عند 1.3 مليار دولار عام 2019.

وبحسب أحدث الإحصاءات الصادرة خلال هذا العام فإن الصادرات التركية للسعودية خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب من العام الحاليّ بلغت 1.9 مليار دولار، بانخفاض 400 مليون دولار عن الفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغت فيها الصادرات التركية إلى السعودية 2.3 مليار دولار، وهو التراجع الذي لا يتناسب مطلقًا مع لغة التهويل الذي تتبناها وسائل الإعلام السعودية وذبابه الإلكتروني.

ويتمتع المنتج التركي بقيمة كبيرة لدى السوق الخليجية، كونه الأعلى جودة والأقل سعرًا مقارنة بالمنتجات الأخرى، وهذا هو سر بقائه وحضوره رغم دعوات المقاطعة، هذا في الوقت الذي يذهب فيه البعض إلى أن تراجع حجم التبادل التجاري بين البلدين ربما يعود لأسباب تتعلق بتفشي فيروس كورونا الذي ألقى بظلاله القاتمة على اقتصادات دول العالم المختلفة، وليس التوترات السياسية فقط هي السبب في هذا التراجع كما يحلو للبعض أن يركز.

ماذا عن البديل؟

ما البديل حال مقاطعة المنتجات التركية؟ سؤال فرض نفسه على لسان بعض المراقبين تزامنًا مع تصاعد الحملة، لافتين إلى وجود صلة - ولو ضئيلة نسبيًا - بين الحملة السعودية واحتمالات دخول بضائع إسرائيلية إلى السوق السعودية عن طريق البحرين والإمارات.

يستند المراقبون في رؤيتهم تلك إلى التقارب غير الرسمي بين الرياض وتل أبيب، خاصة بعد مباركة المملكة لاتفاق التطبيع الموقع بين الإمارات والبحرين من جانب و"إسرائيل" من جانب آخر، في واشنطن، 15 من سبتمبر/أيلول الماضي، فيما تشير التقديرات إلى اقتراب انضمام المملكة لهذا القطار.

تلك التقديرات تنطلق من خطاب المداعبة الذي تقوده السعودية في لغتها مع دولة الاحتلال، آخرها الهجوم الذي قاده الأمير بندر بن سلطان، سفير السعودية الأسبق في واشنطن، ضد القيادات الفلسطينية، واتهامه لفصائل المقاومة بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية، وهو التحرك الذي يراه محللون "جس نبض" لتهيئة الأجواء في الشارع السعودي لقبول التطبيع مع "إسرائيل" وشيطنة الفلسطينيين.

وفي السياق ذاته فإن فكرة البديل تمثل صداعًا في رأس المستهلك السعودي، الذي يعلم يقينًا أن مقاطعة المنتجات التركية التي طالما ظلت محل ثقة بالنسبة له على مدار سنوات طويلة سيكون بديلها المتوقع هو الاستيراد عبر  ميناء "جبل علي" في الإمارات، وهي المنتجات التي طالما واجهت اعتراضات كبيرة لرداءتها، ما دفع الكثير من النشطاء لتدشين حملات متواصلة لمقاطعتها أكثر من مرة بعدما ثبت أنها غير صالحة للاستخدام الأدمي.

وفي مواجهة الحملة السعودية ضد البضائع التركية أطلق نشطاء عرب حملة مضادة داعمة لأنقرة، حيث تصدر وسم "الحملة الشعبية لدعم تركيا" التريند في عدد من الدول العربية، فيما عبر المئات من المغردين عن دعمهم الكامل للمنتجات التركية كونها ذات قيمة وجودة عالمية كما أنها بلد مسلم في المقام الأول.

المغردون الداعمون تساءلوا: لماذا لم تطلق المملكة حملات مضادة للمنتجات الإسرائيلية على سبيل المثال كون حصيلتها تصب في صالح تسليح الجيش الذي يقتل الفلسطينيين ويستولي على أراضيهم؟ فيما ذهب آخرون إلى أن الأولى كان مقاطعة منتجات إيران التي تستهدف أمن واستقرار المنطقة كما يردد الخليجيون.

وفي المجمل فإن الأثر المتوقع لمثل تلك الحملات لن يكون بالشكل الذي يتوقعه ذباب تبن سلمان كون السعودية في المركز الـ15 في قائمة أسواق التصدير بالنسبة لتركيا، إلا أن اللجوء إلى تلك الإستراتيجيات يعكس حجم ما يمثله الموقف الرسمي التركي من صداع مزمن في رأس السلطة السعودية من الصعب التخلص منه في الوقت الراهن.