تعيش تونس المنهكة منذ ثورة 14 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي أكبر أزمة اقتصادية في تاريخها، عمقتها جائحة كورونا التي زادت من اتساع الفجوة وانعدام فرص ردمها، حيث يعرف البلد الواقع في شمال إفريقيا انحدارًا غير مسبوق لجميع مؤشرات التنمية، وشحًا في الوظائف وارتفاعًا في نسب البطالة، إضافة إلى استشراء الفساد بأنواعه، وذلك في وقت يشبه فيه الأداء السياسي للنخبة الحاكمة بعرض للدمى.

تُكافح تونس لنحو عشر سنوات من أجل إنجاح الانتقال السياسي وإرساء دعائم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ورغم نجاح الحكومات السابقة والأحزاب في تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفوضى في أكثر من مناسبة وخاصة عقب الاغتيالات السياسية التي راح ضحيتها كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فإنها لم تخرج بعد من دائرة المخاطر، فالديمقراطية الهشة التي تعرفها البلاد قائمة على أرض رخوة متحركة قد تنهار أسسها في أي لحظة نتيجة السجال السياسي الذي لم ينته بتوافق نسبي بشأن الحكم وعمليات الإصلاح.

الواقع.. تداعيات كورونا

ككل بلدان العالم ألقت جائحة كورنا بظلالها على كل القطاعات الحيوية في تونس (صناعة - سياحة)، حيث تعطلت رافعات التنمية الأساسية وتوقفت ميكانيزمات الإنتاج المتمثلة في المردودية والتنوع إضافة إلى ضعف العائدات، وهو أمر أرهق كاهل المالية العمومية المكبلة بقروض المؤسسات الدولية.

وتسببت الجائحة في اتساع حجم العجز في الموازنة نظرًا للركود الاقتصادي وتزايد الإنفاق على حساب الاستثمار والتنمية ما زاد من ارتباك التوازنات المالية، وذلك في وقت تستعد فيه الحكومة لطرح مشروع قانون الموازنة للعام المقبل.

أحدث التقارير أشارت إلى أن تونس تتوقع أن تدفع أزمة كورونا بعجز موازنتها إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحاليّ، أي بضعف الترجيحات الأصلية وهو أعلى مستوى في نحو أربعة عقود، في وقت تواجه فيه الدولة مدفوعات ديون بقيمة 16 مليار دينار (5.8 مليار دولار) وهو رقم قياسي.

من بين المؤشرات الأخرى التي تدلل على عمق الأزمة وتفاقم الركود الاقتصادي نتيجة جائحة كوفيد-19 نجد ما يلي:

  • تباطؤ الاقتصاد بنسبة 9.2% سنة 2020.
  • الانكماش الاقتصادي في الفصل الثاني من العام 2020 تخطى 20%.
  • تراجع الاستثمارات الدولية في تونس بنسبة 26.4% حتى سبتمبر/أيلول من العام الحاليّ.
  • هبوط في قيمة الاستثمارات إلى 1.5 مليار دينار (نحو 547 مليون دولار) حتى سبتمبر/أيلول.
  • الدين الخارجي بلغ 60% من إجمالي الناتج الداخلي أي نحو 30 مليار يورو.
  • تراجع في أغلب القطاعات في مقدمتها الاستثمارات في البورصة بنسبة 68.1% وفي مجال الطاقة بنسبة 23.5% وقطاع الخدمات بنسبة 47.7%.
  • زيادة نسبة البطالة من 15.1 إلى 18% خلال الربع الثاني من العام الحاليّ.
  • توقعات (البنك الدولي) بارتفاع عدد الفقراء والأشخاص المعرضين للفقر سيمر من 16.2% إلى 22% من إجمالي السكان.

وسجلت تونس 40 ألفًا و542 إصابة بالفيروس، بينها 626 وفاةً، وهي أرقام مرجحة للارتفاع بفعل عجز الدولة عن فرض سياسات كفيلة بالحد من انتشار العدوى، والنقص الفادح في أسرة الإنعاش وضعف طاقة استيعاب المستشفيات العمومية، ما يعني أن البلاد تعيش أزمة صحية لها تداعياتها المباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

ومن الطبيعي أن تولد الأزمة الصحية والاقتصادية أزمة اجتماعية خانقة نظرًا لترابط هذه العناصر الثلاث فيما بينها، حيث ظهرت بوادر الأخيرة من خلال ارتفاع نسب البطالة الناجمة عن تسريح الشركات المتضررة من الجائحة للموظفين وكذلك غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية للمواطنين.

رغم أن تونس تُعد الأنموذج الأنجح عربيًا في مجال الانتقال الديمقراطي الهادئ، فإن اقتصادها لم يُساير عملية التغيير، لعدة اعتبارات منها فشل المنوال التنموي وارتفاع الدين وتدهور الخدمات العامة، والأهم من ذلك كله الاضطراب السياسي والمعارك الجانبية التي تعد العائق الأكبر أمام عمليات الإصلاح.

معارك جانبية

من المعلوم بالضرورة أن الدخول في معارك جانبية يعرقل الحروب الكبرى ويُطيل طريق تحقيق الانتصارات، وهو أمر ينطبق على الحالة التونسية، حيث تعرف البلاد منذ الأيام الأولى لنجاح ثورتها في إسقاط النظام السابق، انخراط الطبقة السياسية في معارك جانبية لن تحقق شيئًا إلا الاستهلاك الإعلامي ومزيد من توسيع الهوة بينهم وبين الشعب.

ويُمكن القول إن الضريبة التي دفعها التونسيون نتيجة الاستنزاف المتواصل للجهود الجمعية في صراعات الهامش مكلفة للغاية، فالمعارك الجانبية المستمرة طيلة الفترة الانتقالية أدخلت تونس في أتون أزمة سياسية عميقة شملت مثلث رأس الدولة رئاسة وحكومة وبرلمان، ما أثار كثيرًا من الشكوك عن رغبة النخبة السياسية في البلاد في إيجاد مخرج للأزمات المعقدة التي طالت أكثر من قطاع وأهمها الصحة والتعليم وغيرها من المجالات الحيوية.

يعيب جزء من التونسيين على الأحزاب السياسية والنخب المؤثرة في البلاد عدم انحيازهم لمطالب الشعب الملحة وعجزهم عن تعديل البوصلة مع نبض الشارع ومعاناته التي عمقتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتتالية، وانخراطهم في صراعات هامشية ومفتعلة ضمن مشاريع الإلهاء الكثيرة التي تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه.

تزامنًا مع صيحات الفزع والتحذيرات التي أطلقها مختصون في مجال الصحة من أن الوضع الوبائي قد يخرج عن السيطرة وأن انتشار العدوى قد يهدد باستنزاف القدرة الاستيعابية لغرف العناية المركزة في مستشفيات البلاد، عاد الجدل مؤخرًا بشأن مشروع قانون يتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة، الذي يقبع في رفوف مجلس الشعب منذ 2015، حيث اشتد الصراع بين المؤيدين والمعارضين على مواقع التواصل الاجتماعي وصل حد تبادل الاتهامات والتهديدات من الجانبين.

ذات الأمر تكرر خلال عرض مشروع تنقيح المرسوم 116 لسنة 2011 المتعلق بالاتصال السمعي البصري الذي اقترحته كتلة ائتلاف الكرامة بالبرلمان التونسي، حيث أحدث المشروع لغطًا كبيرًا في وسائل الإعلام وشبكات التواصل، ما أثر سلبًا على حملات التوعية بمخاطر الجائحة وحد من وصول التحذيرات إلى المتلقي.

في غضون ذلك، يتحمل الإعلام التونسي بعضًا من المسؤولية الأخلاقية باعتباره سلطةً قادرةً على توجيه الرأي العام نحو القضايا المصيرية التي تهم مباشرة حياة المواطنين ومشاغلهم، والقادرة أيضًا على إرجاع قطار الفعل السياسي في البلاد إلى سكة الثورة وشعاراتها.

من جهة أخرى، يُمكن القول إن الصراع السياسي الهامشي والمراد منه أساسًا عدم تحمل الأحزاب المسؤولية عن القرارات المصيرية، وجد في الإغراق المعلوماتي والأخبار المضللة والدعاية والبيانات المزيفة، حاضنة ساعدته على الانتشار والتأثير في الجماهير، كما يُمكن إدراجها ضمن نظرية مهارات وضع الأجندة.

وفي سياقٍ ذي صلة، انتقد الدكتور ذاكر لهيذيب في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك عمليات الإغراق وتعويم القضايا المصيرية بمعارك أخرى هامشية قائلًا: "كل يوم عركة وكل يوم حرب جديدة ندخلوا فيها الشعبوية والجهويات والكورة، لكن الأهم معركة الميزانية شكون حكى عليها؟ في سنوات الإرهاب كانت ميزانية الأمن والدفاع في ارتفاع أما في سنة الوباء ميزانية وزارة الصحة يلزمها تكون أهم ميزانية".

ما يغيب عن صناع القرار في تونس وخاصة السياسيين والنخب المحيطة بهم، أن المعارك الجانبية وتشتيت جهود الجماهير زمن الأزمات لا يثمر سوى مزيد من الانقسامات ومخاطر تفتيت الوحدة المجتمعية، وتغذية للعنف وتقويضًا للسلم الاجتماعي.

تعثر الإصلاحات

من أكثر المشاريع الإصلاحية التي طُرحت طيلة العشر سنوات التي مرت، كان محاربة الفساد على رأس المطالب التي نادى بها التونسيون واعتبروها شرطًا أساسيًا في عملية إعادة بناء نظام يقوم على دولة المؤسسات الحقيقية، إلا أن الوضع ازداد تعقيدًا وبات سوء الإدارة وإهدار المال العام السمة الجامعة لكل القطاعات، وبحسب الهيئة العليا لمقاومة الفساد (حكومية)، تخسر تونس سنويًا ما لا يقل عن 3 مليارات دولار جراء هذا الطاعون.

لا يوجد مشهد سريالي أكثر من الحالة التونسية، فبعد عشر سنوات على انتفاضة بلد الياسمين على استشراء الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، لم تتغير الصورة ولم تتبدل أحوال المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد مماثل، قوامه مشاريع معطلة ومؤسسات مفلسة ودولة عاجزة عن القضاء على كارتيلات الاقتصاد العائلي ومنع الفاسدين من التغلغل في العملية السياسية (برلمان وحكومة).

هذا العجز يعود بالأساس إلى غياب الإرادة السياسية وإلى لعبة لي الأذرع بين الأحزاب الطامحة في السلطة وإقصاء الخصوم، حيث عملت النخب الحاكمة طيلة سنوات ما بعد الثورة على تكريس سياسة شراء السلم الاجتماعي على حساب التنمية والإصلاح، وإغراق مؤسسات الدولة بالانتداب كترضية وكسب ود المنظمة الشغيلة دون اعتبار لضرورات إنقاذ البلاد.

من جانب آخر، تواجه معظم شركات القطاع العام صعوبات مالية وتهديدًا بالإفلاس نتيجة نقص الموارد وبطء إعادة الهيكلة وغياب الرقابة الصارمة، ومن بين هذه الشركات، الخطوط التونسية التي دفعتها جائحة كورونا إلى الاستنجاد بالحكومة للحصول على دعم مالي قصد مواجهة الأزمة.

شركة فوسفات قفصة بعد أن كانت هي الأخرى إحدى رافعات التنمية في تونس وأهم مورد للمالية العمومية، أصبحت عبئًا على الدولة بسبب تصاعد مديونيتها الناتجة عن زيادة كتلة الأجور التي تضاعفت بـ35% وارتفاع وتيرة التحركات الاجتماعية والإضرابات أمام ضعف المردودية.

الإصلاحات في تونس لا تتحكم فيها العوامل المحلية (سياسية وإدارية) فقط، فالاقتصاد التونسي رهين شروط البنك الدولي المجحفة المتمثلة أساسًا في تقليص دعم المحروقات وإصلاح الضرائب والضغط على كتلة الأجور، وهي شروط تعمل الحكومة الجديدة على تفاديها مخافة التصادم مع اتحاد الشغل والمواطنين، وذلك رغم حاجتها الملحة إلى تعبئة مالية ضرورية لا تقل عن 11 مليار دينار (4.02 مليار دولار) في شكل قروض.

بات من المؤكد أن تونس مقبلة على شتاء عاصف في حال عجزت مساعي الحكومة عن تطويق انتشار جائحة كورونا والحد من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وفشلت في إقناع الصندوق بوضعية الاقتصاد المتدهور والوصول لبرنامج جديد يحافظ على استقرارها السياسي، وأيضًا في لملمة شتات القوى السياسية المتصارعة ضمن هدنة اجتماعية استثنائية تقطع مع سياسة المغالبة والمزايدة ولعبة كسر العظام.

بالنهاية، إن الحرية غير المتدثرة بالقانون لا يُمكنها ضمان استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي أو تحقيق تنمية مستدامة أو نهضة، كما في الحالة التونسية، حيث ما زالت الدولة ترزح تحت سطوة الأوليغارشية المالية وشركات العائلات ذات شبكة علاقات الدولية، ونخبة السياسية منبتة عن هموم الجماهير تفتقد للشجاعة من أجل فتح الملفات القديمة الجديدة، وبالتالي يُمكن التنبؤ بأن الشارع قد يتولى زمام الأمور مستقبلًا إذا واصل السياسيون سياسة الهروب إلى الأمام.