بدأت قصة الإسلام في صربيا مع انتصار العثمانيين في معركة ماريتسا (1371) التي فتحت لهم أبواب مقدونيا واليونان، ثم مهدت الطريق إلى دخولهم صربيا والبوسنة المتجاورة، لكن معركة كوسوفو (1389) هي الواقعة الحاسمة التي حولت صربيا إلى إمارة تابعة للدولة العثمانية بالكامل لستة عقود، وضعت حدًا نهائيًا لحكم الكنيسة الأرثوذكسية وسيادتها على هذه الأراضي.

وبحسب كتاب "البوسنة والهرسك خلال الحكم العثماني"، تحولت بلغراد وسراييفو إلى "أكبر المدن في أوروبا الجنوبية الشرقية وإلى مراكز الثقافة الإسلامية في البلقان، مما ساهم في تشريق البلقان حتى إن بلغراد بقيت تعتبر حتى منتصف القرن التاسع عشر بوابة الشرق"، لكن اليوم، وبعد سلسلة من الأحداث والمحطات التاريخية الفارقة تغيرت مكانة الإسلام والمسلمين في صربيا، فكل ما تبقى من الميراث العثماني هو إحباط مرير وأقلية منفصلة تسعى إلى النجاة من المعيقات التي قيدت نموها الديموغرافي والسياسي وحريتها الدينية.

الهوية الصربية: العرق والدين

ثمة علاقة قوية بين الدين والعرق في دولة صربيا، ففي أغلب الأحوال تتوافق الخلفية العرقية الصربية مع انتماء الشخص الديني إلى المسيحية الأرثوذكسية على الرغم من أن هذا لا يعني أن الشخص لا يمكن أن يكون صربيًا إذا لم يكن منتميًا إلى المسيحية الأرثوذكسية.

تشكلت هذه الصلة الوثيقة من كون صربيا دولةً مسيحيةً بشكل رئيسي، إذ تبع تفكك الأنظمة الشيوعية في جميع أنحاء أوروبا الشرقية عودة دينية، وكان هذا هو الحال أيضًا في صربيا، حيث قدمت الكنيسة نفسها على أنها "المعقل التقليدي للأمن القومي ومركز الحياة الوطنية"، وذلك استنادًا إلى دورها على مدى قرون كمؤسسة واحدة لم تخن الشعب الصربي أبدًا في التاريخ.

ينتمي 85% من السكان إلى المسيحية الأرثوذكسية و5% إلى الكاثوليكية الرومانية ونحو 3% إلى الدين الإسلامي، وتليه البروتستانتية واليهودية بنسب أقل، إضافة إلى عدد كبير من الأشخاص الملحدين أو الذين لا يريدون الإشارة إلى انتمائهم الديني، حيث تظهر الدراسات الاستقصائية الأخيرة انخفاض مستوى التدين والأنشطة الدينية بين السكان الصرب، وهو النمط الديني الذي يمكن تسميته "الانتماء دون الإيمان" إن صح التعبير.

تأثر التكوين الديني والعرقي في البلاد بفعل حروب البلقان (1912-1913) والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الأهلية (1992-1995) التي أعقبت تفكك يوغوسلافيا الشيوعية، إذ كانت إحدى أهم نتائجها القضاء على أي مشاعر ودية وسلمية موجودة بين القوميين الصرب والمسلمين، فمع ممارسة السلطات الصربية سياسات عنصرية وجرائم جماعية تجاه المسلمين، شملت حملات تطهير عرقي ممنهج وسرقة للممتلكات وترحيل قسري وتغيير معتقدهم، تناقص عدد المسلمين في صربيا بعد أن كانوا يمثلون جزءًا كبيرًا من المجتمع الصربي.

الأقلية المحبطة

يقدر عدد المسلمين في صربيا اليوم بنحو 240 ألف نسمة أو 3.5% من عدد السكان الإجمالي، منهم 20 ألف مسلم في العاصمة بلغراد، وإذا أردنا التعرف على انتمائهم الإثني، فسنجد أن 70% منهم من البوشناق ونحو 25% من أصول ألبانية، بينما يمثل الغجر الروما وباقي الإثنيات نحو 5%.

في بلدٍ يفتخر بالمسيحية الأرثوذكسية، تعد المدينة الصربية ذات الأغلبية المسلمة مكانًا منفصلًا

تعيش الغالبية العظمى منهم، وتحديدًا البوشناق الذين يقدر عددهم بنحو 145 ألف في إقليم سنجق (Sandžak) المعروف باسم راشكا للصرب، وهي منطقة تنقسم أراضيها اليوم بين جمهوريتي صربيا والجبل الأسود (مونتينيغرو)، وأكبر مدنها نوفي بازار، في حين يعيش الألبان في بريشيفسكو دولينا الواقعة في جنوب صربيا والمحاذية للحدود المقدونية، ويبلغ تعدادهم نحو 67% من عدد السكان المحليين الإجمالي، ورغم البعد الجغرافي والاختلاف العرقي واللغوي بينهما، فإنهما يتشابهان في الروابط والتقاليد الاجتماعية المنحدرة من الإسلام.

ي

في نوفي بازار على وجه الخصوص، توفر المدينة أجواءً مختلفةً تمامًا عما يجري في المدن الصربية الأخرى، ففي بلدٍ يفتخر بالمسيحية الأرثوذكسية، تعد المدينة الصربية ذات الأغلبية المسلمة مكانًا منفصلًا، حيث يمكنك سماع الأذان بوضوح ورؤية رجال ملتحين يرتدون سراويل بطول الكاحل يتجولون في شوارعها، إضافة إلى الفتيات المحجبات والمطاعم التي لا تقدم المشروبات الكحولية.

بشكل عام ، لا يرتدي سوى عدد قليل من النساء المسلمات في صربيا غطاء الرأس الإسلامي التقليدي الذي أثار الجدل في العديد من البلدان الأوروبية، وبحسب محمد يوسف سباهيتش، نائب رئيس العلماء من الجالية الإسلامية الصربية، ومقرها بلغراد، فإن صربيا بلد حر والأمر متروك للمرأة المسلمة لتقرير ما إذا كانت سترتدي الحجاب أم لا، حيث لا توجد مثل هذه العقبة أمام المرأة في صربيا حتى يمكن تصويرهن لوثائق الهوية في الزي الإسلامي لكن دون تغطية الوجه.

بخلاف المظاهر الدينية، تعد سنجق واحدة من أفقر مناطق البلاد، حيث لا يوجد بها مطار أو محطة قطار وتخدمها طرق سيئة وتحيط بها الجبال ولا تملك أي شيء يوحي بالتقدم أو التنمية الاقتصادية، حيث يبلغ معدل الفقر 50%، وفقًا لمعهد الإحصاء الصربي، ما يجعل منطقة سنجق المنطقة الأكثر حرمانًا في دولة البلقان، بعدما كانت مركزًا لصناعة المنسوجات، لكن تم إهمال عدد كبير من المستودعات التي كان يعمل بها آلاف العمال، وإلى الآن لم يفتح مصنع واحد ولم تشهد استثمارًا اقتصاديًا واحدًا.

وفي مواجهة البطالة الهائلة والشعور بالإقصاء، أصبحت هذه المنطقة في جنوب غرب صربيا أرضًا خصبة للتطرف، فقد غادر عدد من مواطنيها للانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، ومات بعضهم هناك منذ ذلك الحين أو عادوا إلى صربيا ويخضعون للمراقبة من أجهزة المخابرات القوية التي تعود إلى الحقبة اليوغوسلافية.

في هذا الإطار، يرى معمر زوكورليك، المفتي السابق وعضو البرلمان الحاليّ عن نوفي بازار، أن ثمة "مستوى منخفض من السلوك المتطرف" في ظل الظروف الحاليّة، لكنه يحذر من أن الاقتصاد السيئ والوضع الاجتماعي وضعف البنية التحتية قد يسببون التوتر.

بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المتردي، فإن المسلمين الصرب هم "ضحايا المعايير المزدوجة"، حسب مفتي الجالية الإسلامية المحلية، مفيد دوديتش، الذي قال إن الصرب يشكلون 80% من قوة شرطة نوفي بازار على الرغم من أن 80% من سكان المدينة مسلمون، وبعد محاولات متكررة لتحسين التوازن، أصبح المسلمون يشكلون الآن ثلث القوة.

أين العدالة لمسلمي صربيا؟

ما زال سكانها المسلمون يتذكرون أن الدبابات الصربية المتمركزة في التلال المحيطة بالمدينة في أثناء الحرب لم تكن موجهة نحو البوسنة، بل باتجاههم، ما أدى إلى مقتل عدد غير معروف من المسلمين الصرب (البوشناق) خلال الحرب، وتعرض آلاف آخرون للتمييز والاضطهاد، ومع ذلك ظل العديد من الجناة بلا عقاب حتى بعد 25 عامًا.

إن إرث هذا العنف لا يزال مصدرًا رئيسيًا للصراع بين الجالية المسلمة وجيرانها من غير المسلمين في صربيا، على الرغم من ندرتها، فإن القضايا العالقة أو التي لم يتم حلها ليست مفيدة للاستقرار أبدًا، فحقيقة أن العدالة لم يتم تحقيقها إلى هذا اليوم، بسبب عدم اعتراف دولة صربيا بما فعلته في التسعينيات، وفشلها في معاقبة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا جرائم بشعة ضد البوشناق الصرب، ونقص التعليم بشكل عام في البلاد، يزيد من احتمالية تصاعد التوترات بين الجانبين في أي وقت.

فمن بين ما يقرب من 300 مسجد في بلغراد وحدها، نجا مسجد واحد فقط من الدمار الشامل، وهو مسجد بيرق أو باجراكلي (Bajrakli) الذي بني عام 1575

لا سيما أن البعض ينوه إلى أن حكومة ألكسندر فوتشيتش المتشددة تستخدم التوترات العرقية بين المسلمين والمسيحيين والطوائف الأخرى في صربيا من حين لآخر لصرف الانتباه عن القضايا الأخرى التي تواجه البلاد وإلهاء مواطنيها عن إخفاقاتها.

تأتي هذه الادعاءات أو الشكوك، من شهرة الحزب بمواقفه المتطرفة، خاصةً أن فوتشيتش قال للبرلمان الصربي في يوليو/ تموز 1995: "مقابل كل صربي سيقتل 100 مسلم"، بالإضافة إلى ندرة التحقيقات التي تجريها حكومة بلغراد عن أعمال العنف أو التخريب ذات الدوافع العرقية في سنجق في السنوات الأخيرة.

وإذا حفرنا أعمق قليلًا في تاريخ صربيا، سنجد فترات مليئة بالبؤس والمآسي، فمن بين ما يقرب من 300 مسجد في بلغراد وحدها، نجا مسجد واحد فقط من الدمار الشامل، وهو مسجد بيرق أو باجراكلي (Bajrakli) الذي بني عام 1575 عندما كانت المدينة جزءًا من الإمبراطورية العثمانية في العاصمة الصربية بلغراد، لكن هناك الكثير من المراكز المخصصة التي تؤدي وظائف المسجد، وكثيرًا ما تغلقها السلطات، ما يعمق مشاعر الاستياء والاستهجان داخل المجتمع الإسلامي.

تقول الجالية المسلمة في صربيا إن سلطات بلغراد تجاهلت مرارًا طلبات لها بإقامة مساجد جديدة

رغم أن دستور البلاد لعام 1990 ينظم الحياة الدينية لا سيما في المادة 41، الفقرة الأولى، التي تنص على حرية الدين، التي تشمل حرية المعتقدات وحرية أداء الشعائر الدينية، بينما اعتمدت الفقرة الثانية من نفس المادة المفهوم العلماني للدولة، أما الفقرة الثالثة فنصت على أن المجتمعات الدينية لها الحرية في تنظيم المدارس الدينية والمنظمات الإنسانية.

ومع ذلك تقول الجالية المسلمة في صربيا إن سلطات بلغراد تجاهلت مرارًا طلبات لها بإقامة مساجد جديدة، مشيرةً إلى أن نقص المساجد يثير تساؤلات بشأن التزام صربيا بحقوق الأقليات وهو مقياس مهم لمدى استعدادها لعضوية الاتحاد الأوروبي.

ولاحظ الاتحاد الأوروبي، الذي تتفاوض صربيا للانضمام إليه، هذه المسألة وحذر في تقرير لعام 2016 بشأن التقدم الذي تحرزه بلغراد بخصوص شروط الانضمام إليه قائلًا: "حقوق الأشخاص الذين ينتمون لأقليات، التي تشمل إقامة وتسجيل مؤسسات دينية وبناء واستخدام أماكن للعبادة يتعين ضمانها بشكل كامل على أرض الواقع".

طالب رئيس الحزب البرلماني سلطات صربيا والاتحاد الأوروبي منح سنجق الحكم الذاتي

في المقابل، تنفي أمانة التخطيط العمراني في بلدية بلغراد منع إنشاء مساجد جديدة قائلةً إنها لم تتلق أي طلب من الجالية المسلمة في صربيا لإقامة مبانٍ، ليأتي الرد من سباهيتش مفتي بلغراد بقوله: "سعينا على مدار عقود للحصول على تراخيص لعدد من الأماكن، لكننا لم نصل مطلقًا حتى لمرحلة تقديم الأوراق (اللازمة)"، مضيفًا "كل طلب يلقى في الأدراج".

وذكرت وزارة العدل الصربية أنه لا علم لها بوجود أي مشكلة، وقالت ميلتا رادوفيتش رئيسة إدارة التعاون مع الجاليات الدينية: "صربيا تفي بجميع معايير الاتحاد الأوروبي بشأن ضمان الحقوق والحريات الدينية وفقًا لأحكام الدستور".

إذا أرادت صربيا الانضمام إلى النادي الأوروبي في 2025 (الموعد الذي تم تداوله لانضمامها)، فسيكون عليها أولًا  منح الحرية الدينية للمسلمين في بلادهم.

فرضت هذه القيود والتحديات بمختلف أشكالها، ضغوطًا نفسية واجتماعية على مسلمي صربيا، ما يفسر مطالبة رئيس الحزب البرلماني للعمل الديمقراطي لمسلمي صربيا سليمان أوغلانين سلطات صربيا والاتحاد الأوروبي بإجراء انتخابات محلية لإدارة سنجق وانسحاب الشرطة والجيش والاستخبارات ومؤسسات القضاء الصربية واستبدالها بأجهزة أوروبية في سنجق لمنحها الحكم الذاتي وذلك عام 2017.

تكررت الدعوة عام 2019 عندما طلب الحزب البرلماني للعمل الديمقراطي لمسلمي صربيا، من سلطات صربيا والجبل الأسود والمجتمع الدولي، منح وضع حكم ذاتي خاص للمنطقة الحدودية بين البلدين لضمان التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن سكان سنجق "أعربوا عن رغبتهم بالحصول على وضع الحكم الذاتي في استفتاء عام 1991".

وعلى ما يبدو أن العلاقات المشحونة بين الجانبين، تشكل من ناحية أخرى ضغوطًا سياسية على الدولة المسيحية، فإذا أرادت الانضمام إلى النادي الأوروبي في 2025 (الموعد الذي تم تداوله لانضمامها)، فسيكون عليها أولًا أن تفي بعدد من الالتزامات وأهمها منح الحرية الدينية للمسلمين في بلادهم.