مرت أكثر من سنتين على اعتقال الهذلول

مرت أكثر من سنتين على اعتقال الهذلول

وسط تلكؤ سلطات بلادها، قررت الناشطة السعودية الموقوفة لجين الهذلول، خوض معركة الأمعاء الخاوية مرة أخرى، حيث بدأت إضرابًا جديدًا عن الطعام داخل سجون المملكة احتجاجًا على ظروف اعتقالها وحرمانها التواصل مع العالم الخارجي، وفق ما أعلنت شقيقتها، فهل تصمد المملكة العربية السعودية هذه المرة أمام الضغط الدولي؟

إضراب عن الطعام

شقيقة لجين الصغرى لينا الهذلول، كتبت على حسابها على تويتر أن أختها لجين أبلغت والديها أنها "منهكة بسبب تعرضها لسوء المعاملة وحرمانها من سماع أصوات عائلتها"، وتابعت "أبلغتهما أنها ستبدأ إضرابًا عن الطعام اعتبارًا من مساء أمس (الإثنين) حتى السماح لها بالاتصال بهما بشكل منتظم".

أما شقيقتها الكبرى علياء فقد كتبت على حسابها على تويتر أيضًا "اليوم الإثنين 26 أكتوبر 2020 الساعة 7 مساءً بتوقيت الرياض أعلنت أختي لجين الإضراب عن الطعام بسبب سلب إدارة سجن الجائر حقها بالاتصال بالعائلة".

إضراب لجين عن الطعام لا يعتبر الأول، حيث سبق أن أضربت عن الطعام مرة في أغسطس/آب لنحو أسبوع بعدما منعت لأشهر من الاتصال بأفراد عائلتها أو مقابلتهم، وأوقفت إضرابها الأول بعد السماح لوالديها بزيارتها في السجن.

 

يعود اعتقال الناشطة الحقوقية لجين الهذلول إلى شهر مايو/أيار 2018، ضمن ما عُرف بـ"حملة رمضان" التي استهدفت عددًا كبيرًا من الناشطات الحقوقيات اللاتي كن يطالبن بحقوق المرأة في السعودية ومن ضمنها إسقاط ولاية الرجل على المرأة والسماح لها بقيادة السيارة والسفر وحدها.

ووفق العديد من الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان فإن بعض الاتهامات الموجهة للجين مشمولة في قانون الجرائم الإلكترونية بالسعودية الذي يعاقب على تلك الجرائم بما يصل إلى السجن خمس سنوات، ومن بين هذه الاتهامات الموجهة إليها التواصل مع ما بين 15 و20 صحفيًا أجنبيًا في السعودية ومحاولة التقدم لشغل وظيفة في الأمم المتحدة وحضور دورة تدريبية عن الخصوصية الرقمية، وفق عائلتها.

انتهاكات كبيرة

وفق حساب معتقلي الرأي - الذي يتابع أوضاع المعتقَلين السياسيين السعوديين - فقد جاء إضراب لجين عن الطعام ردًا على الانتهاكات الحقوقية الكبيرة التي تعرضت لها منذ اعتقالها، فيما قال حساب وطنيون معتقلون: "رائدة بنات الوطن والحقوقية الشجاعة تُضرب عن الطعام لتضحي بآخر ما تملك من أجل حريتها، ووقوفًا بوجه المضايقات والممارسات غير القانونية ضدها في السجون".

ومنذ اعتقالها قبل نحو سنتين ونصف، تعرضت لجين لمجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان في أثناء وجودها بالسجن، بما في ذلك التعذيب والاعتداء الجنسي وغيره من ضروب المعاملة السيئة، كما احتُجزت بمعزل عن العالم الخارجي خلال الأشهر الثلاث الأولى من اعتقالها، دون السماح لها بالاتصال بعائلتها أو محاميها، ومنذ يناير/كانون الثاني 2020، تعرضت أيضًا لفترات من الحبس الانفرادي، وفق منظمة العفو الدولية.

تقول عائلة لجين إن تعرض ابنتهم لعمليات التعذيب الممنهج في عدد من السجون السرية على أيدي محققين سعوديين، تم بإشراف مباشر من سعود القحطاني، وهو مستشار سابق في الديوان الملكي ومقرب جدًا من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قيل إنه متورط في قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

وسبق أن كتبت شقيقتها علياء الهذلول مقال رأي خاص بها، نُشر في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، على لسان أختها لجين التي قالت: "إنها احتُجزت في زنزانة انفرادية، وتعرضت للضرب والتعذيب من خلال الإيهام بالغرق، بالإضافة إلى الصدمات الكهربائية والمضايقات الجنسية، كما هُدَدت بالاغتصاب والقتل".

وتقول عائلة الهذلول إن لجين تعيش ضغطًا نفسيًا كبيرًا بسبب التلاعب في مواعيد محاكمتها، إضافة إلى محاولتهم عقد صفقة معها تنص على تسجيلها شريط فيديو تقول فيه إنها لم تتعرض للتعذيب مقابل الإفراج عنها، وهو ما رفضته رفضًا قاطعًا.

إلى جانب ذلك، أجبر زوجها الكوميدي السعودي فهد البتيري على تطليقها والاختفاء من الساحة بعد أن سُجن معها، كما أجبرت الأجهزة الأمنية الجزء الأكبر من عائلة لجين الهذيل على الفرار خارج البلاد خوفًا من اعتقالهم.

الهذلول ليس استثناءً

الإضراب عن الطعام الذي بدأته لجين الهذلول، مؤخرًا، من شأنه إلقاء الضوء على الانتهاكات المستمرة الممارسة ضد الناشطات السعوديات وأيضًا باقي معتقلي الرأي في السجون ومراكز الاعتقال السعودية.

وصعدت السلطات السعودية، في السنوات الأخيرة، حملة القمع ضد المعارضة واستهدفت الأصوات المنتقدة داخل المملكة وخارجها، حيث اعتقلت ناشطات عديدات وأفرادًا من العائلة الحاكمة ورجال أعمال ومعارضين وقطعت الاتصال بين معارضين آخرين في السجن وعائلاتهم، وفقًا لأقوال أسرهم.

كما تم عزل العديد من أفراد العائلة الحاكمة وإبعادهم عن الساحة، فضلًا عن اعتقال رجال دين مصلحين على غرار سلمان العودة، الذي اعتُقل في 2017 ويواجه عقوبة الإعدام، إلى جانب العديد من العلماء الآخرين الذين لم يسمع عنهم شيء منذ فترة.

تضغط العديد من الجماعات الحقوقية والأحزاب السياسية على زعماء أوروبا لوقف بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية

تقول منظمة العفو الدولية إن السلطات السعودية صعدت من قمع حرية التعبير والاجتماع وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وتعرَض عشرات من منتقدي الحكومة والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك ناشطات حقوق المرأة وأفراد الأقلية الشيعية وأهالي النشطاء، للمضايقة والاحتجاز التعسفي والمحاكمة على أيدي السلطات.

وقبل أسبوعين، أخفقت السعودية في الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان، ما اعتبره نائب المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش برونو ستاغنو، "توبيخًا هائلًا إلى السعودية في ظل قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، الدولة الوحيدة غير المنتخبة والمنبوذة من غالبية الأمم المتحدة"، وكتب برونو ستاغنو "نالت المملكة ما تستحقه بسبب انتهاكاتها الخطيرة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب في الخارج".

فاتورة باهظة

فشل السعودية في الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان، يؤكد مدى الضرر الذي لحق بالمملكة جراء الانتهاكات المتواصلة في الداخل والخارج، رغم إنفاق سلطات البلاد لملايين الدولارات للتغطية على انتهاكاتها البشعة.

هذه الانتهاكات المتواصلة والصمت الرسمي تجاهها، ساهم بشكل كبير في تشويه سمعة المملكة وتسببت في فتور العلاقات مع المستثمرين العالميين، كما من شأنها أن تجعل الفاتورة باهظة على السلطات السعودية وعلى رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يسعى جاهدًا لإعطاء صورة جديدة عن بلادهم أمام حلفائه الدوليين.

ويستطيع حلفاء السعودية الضغط على المملكة عن طريق وقف تسليحها، الأمر الذي انتهجته العديد من الدول، وكانت برلين قد علقت مبيعات الأسلحة للرياض في أعقاب مقتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي في عام 2018، وهي الجريمة التي نُسبت إلى محمد بن سلمان.

 

تضغط العديد من الجماعات الحقوقية والأحزاب السياسية على زعماء أوروبا لوقف بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، للضغط عليها حتى تقوم بالإصلاحات اللازمة في مجالات عدة أبرزها الحقوقي والسياسي.

ويترقب المسؤولون السعوديون بفارغ الصبر نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، خاصة قد سبق لمنافس ترامب مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن أن وصف السعودية بأنها "منبوذة" وهدد بوقف مبيعات الأسلحة للمملكة.

وبدأ مؤخرًا أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ضغوطًا على الرئيس دونالد ترامب للمساعدة في تأمين الإفراج عن بعض المعتقلين في السجون السعودية، كما انخرطت جماعات الضغط أيضًا في التحرك من أجل إطلاق سراح البعض، ومن شأن تجاهل هذه المطالب الإضرار بالسعودية.

هذا التصعيد الكبير، من الصعب أن تتحمله قيادة السعودية الجديدة، خاصة أنها تبحث عن تبييض صورتها "الملطخة" بتهم الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان في الداخل والخارج، لذلك من المرتقب أن تبدأ السعودية في إصلاحات جديدة حتى تتفادى التكاليف الباهظة لهذه الانتهاكات.