مستشار الدولة في ميانمار أونج سان سوتشي

باتت مستشار الدولة في ميانمار، أونج سان سوتشي، على بعد خطوات قليلة من الفوز بولاية جديدة في الانتخابات التي شهدتها الدولة الآسيوية، أمس الأحد، لاختيار أعضاء مجالسها التشريعية المركزية والمحلية، تساؤلات لحقوقيين عن نزاهتها وأثرها على مستقبل الأقليات الدينية والإثنية.

ورغم الانتقادات التي تواجهها سوتشي وحزبها "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" بسبب تحالفها مع العسكر وتورطها بالصمت تارة والتأييد تارة أخرى في مجازر الإبادة الجماعية التي تعرض لها مسلمو الروهينغا على أيدي الجيش البورمي، فإن الطريق بات مفروشًا أمامها لتعزيز نفوذها السياسي.

ورغم انتماء مستشارة الدولة وهو منصب يعادل رئاسة الوزراء، للتيار المعارض سياسيًا، فإنها قبل خمس سنوات تقريبًا باتت أحد مكونات السلطة منذ التحالف المبرم بين حزبها والجيش في 2015، الأمر الذي منحها مكانةً سياسيةً مرموقةً في ظل أوضاع حقوقية متردية جعلتها هدفًا للانتقادات الحقوقية الدولية.

حالة من القلق تخيم على أجواء الأقليات العرقية والدينية في بورما بعد المؤشرات الأولية لنتائج الانتخابات الحاليّة التي تشي إلى بقاء الوضع على ما هو عليه دون تغيير، الأمر الذي يجعل مستقبل الأقلية المسلمة على وجه التحديد أكثر غموضًا.. فمن هي مجرمة الإبادة الجماعية التي تقترب من ولايتها الثانية على أشلاء الروهينغا؟

معاناة في النشأة

ولدت سوتشي في 19 من يونيو/حزيران 1945 في مدينة بيانغون (العاصمة السابقة لبورما) لأسرة خليط بين السياسة والعمل العسكري، فكان والدها الجنرال أون سان مؤسس جيش ميانمار الحديث، وهو كذلك الذي تفاوض مع الجيش البريطاني الذي كان يحتل بلاده في هذا التوقيت للحصول على استقلال بورما عام 1947.

وفي العام الذي حصلت فيه البلاد على استقلالها اغتاله المنافسون السياسيون، فيما التحقت الفتاة بمدرسة الميثودية الثانوية الإنجليزية وكانت تعتنق الديانة البوذية، لكن سرعان ما انتقلت إلى نيودلهي مع والدتها بعد تعيينها سفيرة لبورما في الهند ونيبال عام 1960 لتكمل دراستها هناك وتحصل على الشهادة الجامعية في العلوم السياسية من الهند عام 1964.

سافرت أونج سان بعد التخرج إلى نيويورك، حيث التحقت بوظيفة داخل الأمم المتحدة كمسؤولة عن ميزانية المنظمة وكاتبة يومية للباحث المعروف مايكل أريس المتخصص في الثقافة التبتية، وتزوجت منه بعد ذلك في أواخر 1971، وأنجبت منه ابنيها ألكسندر وكيم.

عادت بعد ذلك إلى الهند حيث عملت في المعهد الهندي للدراسات المتقدمة في مدينة شيملا، كذلك تقلدت بعض الوظائف السياسية لصالح حكومة اتحاد بورما، لكن تدهورت الأمور بعد ذلك حين مرض زوجها، ورفضت سلطات بورما منحه تصريحًا لدخول البلاد، وهو الأمر الذي حول دفة اهتماماتها فيما بعد.

ورغم مناشدة ساسة كبار مثل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان والبابا يوحنا بولس الثاني للحكومة البورمية من أجل السماح لزوجها بدخول البلاد، فإن السلطات هناك رفضت، فيما دعوها للسفر له خارج البلاد إن أرادت مرافقته في مرضه، لكنها خشيت من رفضهم دخولها مرة أخرى حال مغادرتها بورما، ليتوفى أريس في مارس/آذار 1999.

العام الماضي وقفتسوتشي أمام محكمة العدل الدولية لتدافع عن الاتهامات التي تواجه بلادها بممارسة الإبادة الجماعية ضد الروهينغا واصفة إياها بـ"المضللة وغير المكتملة"

الانخراط في العمل السياسي

بعد عودتها إلى بورما اندلعت مظاهرات حاشدة في البلاد في أعقاب تقديم الجنرال ني وين زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم استقاله عام 1988 بسبب تردي الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، حيث طالب المتظاهرون بإرساء قواعد الديمقراطية والتخلص من الحكم العسكري للبلاد.

وفي نهاية العام تولت مقاليد الأمور في بورما قيادة عسكرية جديدة، الأمر الذي دفع سوتشي إلى تأسيس حزب معارض لمناهضة الحكم العسكري، وجاء تحت مسمى "حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" وتم تعيينها أمينًا عامًا للحزب، إلا أنها في العام التالي مباشرة وضعت تحت الإقامة الجبرية بسبب نشاطها المعارض.

وفي 1990 شاركت بحزبها في الانتخابات العامة التي دعا إليها المجلس العسكري الحاكم، وقد حصلت على أعلى الأصوات ما سيترتب عليه تعيينها رئيسة للوزراء، لكن القيادة العسكرية رفضت نتائج الانتخابات واستمرت في التنكيل بها باستمرار ووضعها تحت الإقامة الجبرية.

الأمر لم يتوقف عند منعها من ممارسة نشاطها السياسي فحسب، بل تم إبعاد أبنائها المقيمين في بريطانيا عنها، حيث كانوا يمنعون من زيارتها إلا مرات قليلة بين الحين والآخر، ولم ترفع عنها تلك الإقامة إلا في نوفمبر 2010، بعد ضغوط سياسية مكثفة أجبرت السلطة على الإفراج عنها.

مسلمو الروهينجا

الإبادة الجماعية لمسلمي الروهينغا

رغم أنها زعيمة الحزب المعارض وتواجه التنكيل ليل نهار على أيدي العسكر، فإنها التزمت الصمت حيال الانتهاكات التي تعرض لها مسملو الروهينغا في ولاية راخين التي اندلعت أول الأمر في 2012، وهو ما عرضها للانتقادات الحادة واتهامها بالازدواجية في التعامل مع القضايا الحقوقية.

الأمر تكرر في 2015 حين واجه المسلمون ما وصفته الأمم المتحدة بـ"حرب الإبادة" حيث غضت الطرف عن كل تلك الأحداث التي باتت حديث العالم في هذا الوقت، وحين سئلت عن موقفها مما يحدث أشارت في حديثها للمراسلين الأجانب أنها لا تعلم ما إذا كان من الممكن اعتبار الروهينغا مواطنين بورميين أم لا، ناكرة تعرض المسلمين هناك لأي اضطهاد أو تطهير.

وكان نتيجة لهذا الموقف أن فاز حزبها بنصيب الأسد في الانتخابات التي جرت في 2015، حيث اعترفت السلطة الحاكمة حينها بنتائج الانتخابات مقارنة بالوضع في 1990، وكان ذلك إيذانًا بعهد جديد من التحالف بينها وبين العسكر، كان نتيجة تعيينها مستشارة الدولة أي رئيس الوزراء.

وفي 2017 تجددت الانتهاكات بحق المسلمين ما اضطر أكثر من ربع مليون لاجئ من الروهينغا إلى مغادرة البلاد إلى بنغلاديش الحدودية، فيما تزايدت الانتقادات الدولية والحقوقية حيال صمت سوتشي المخيب للظنون، وسط مناشدات بسحب جائزة نوبل للسلام الممنوحة لها.

المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) في 4 من سبتمبر/أيلول 2017 أصدرت بيانًا دعت فيه لجنة جائزة نوبل لسحب جائزتها للسلام من سوتشي، وجاء في البيان: "إن ما تقوم به سلطات ميانمار من جرائم بشعة ضد أقلية الروهينغا المسلمة بمعرفة رئيسة وزرائها وتأييدها، عمل يتناقض مع أهداف جائزة نوبل ومع القانون الدولي وحقوق الإنسان"، لافتة إلى أن المسؤولة الميانمارية فقدت الأهلية للجائزة.

وفي العام الماضي وقفت سوتشي أمام محكمة العدل الدولية لتدافع عن الاتهامات التي تواجه بلادها بممارسة الإبادة الجماعية ضد الروهينغا واصفة إياها بـ"المضللة وغير المكتملة" وهو الموقف الذي كان له تداعيات سلبية على شعبيتها الحقوقية لدى الغرب الذي يرى بالصوت والصورة ما يتعرض له مسلمو هذا الإقليم من حرب إبادة على مدار سنوات.

لا يستطيع مسلمو الروهينغا ولا غيرهم من الأقليات الأخرى ممارسة حقوق المواطنة وذلك وفقًا للقانون التمييزي العنصري الصادر في 1982

انتخابات عنصرية

انطلقت الانتخابات التشريعية البورمية أمس الأحد الـ8 من نوفمبر/تشرين الثاني وسط تساؤلات لسياسيين ومعارضين عن نزاهتها لا سيما بعدما أعلنت مفوضية الانتخابات حرمان بعض المناطق من التصويت وأبرزها أراكان وكاتشين وكارين ومون وشان وباغو.

وتقطن تلك الولايات الأقليات المسلمة والمسيحية بحانب شريحة من البوذيين، كما أنها تحمل أسماء القوميات التي تعيش فيها، وقد بررت المفوضية قرار الحرمان هذا بأن تلك الولايات لا تضمن اقتراعًا حرًا ونزيهًا، وهو ما قوبل بموجة انتقادات لاذعة وتشكيك في العملية الانتخابية برمتها.

وتتراجع الآمال المعقودة على الانتخابات الراهنة في تغيير خريطة المشهد وإستراتيجيات التعامل مع الأقليات المسلمة، وخلافًا لما كان عليه الوضع في 2015، فإن الأمور باتت أكثر تعقيدًا، وهو ما جعل الكثير من المراقبين يتوقعون نتائج أسوأ مما كانت عليه قبل 5 سنوات، سيطرة للعسكر والأحزاب الموالية له.

ورغم وجود ما يقرب من 91 حزبًا يتنافسون على المقاعد المتاحة، فإن المنافسة الحقيقية تنحصر بين حزب التضامن والتنمية (حليف الجيش وواجهته السياسية)، وحزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة سوتشي مستشارة الدولة، الذي يعد كذلك الوجه الآخر للسلطة بعدما بات شريكًا وحليفًا للعسكر منذ 2015.

وعليه لا يستطيع مسلمو الروهينغا ولا غيرهم من الأقليات الأخرى ممارسة حقوق المواطنة وذلك وفقًا للقانون التمييزي العنصري الصادر في 1982، هذا بجانب منع السلطات بعض الشخصيات السياسية المعروف عنها الذكاء والتأهيل السياسي الجيد في محاولة لإحكام السيطرة على المشهد بالأدوات التي تخدم مصالحهم دون أي معارضة تذكر.

وفي الأخير بات من الواضح أن أشلاء المسلمين في بورما واغتصاب حقوق غيرهم من الأقليات هو الطريق الأقصر نحو فوز مجرمة الإبادة الجماعة، أونج سان سوتشي، مستشار الدولة، بولاية جديدة تكرس من خلالها عنصريتها الفجة ضد المسلمين.