ترجمة وتحرير نون بوست

"سوف يتعين على الرئيس القادم للولايات المتحدة أن يحافظ على سمعتنا وأن يعيد بناء الثقة في قيادتنا وأن يحشد بلدنا وحلفاءنا لمواجهة تحديات جديدة. لن يكون هناك وقت نضيعه". كتب جو بايدن هذه السطور التي نُشرت في مجلة فورين أفيرز في عددها الصادر في الربيع الماضي، حين كان يهدف إلى العودة إلى البيت الأبيض  كرئيس البلاد في شهر يناير/ كانون الثاني 2021. وقد أمضى بايدن ثماني سنوات في منصب نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما. 

عموما، يعتبر جو بايدن مقتنعا تماما بأن أمريكا يجب أن تعود لقيادة العالم بعد مرور أربع سنوات من إطلاق شعار"أمريكا أولا" الذي جعل "أمريكا وحدها". ولكن، قبل كل شيء، يجب على الرئيس إعادة بناء بلد لم يعد موحدا، وتحديد أولوياته في الخارج. 

كان الاستقطاب واضحا في الانتخابات التي حُشد فيها المواطنون أكثر من أي وقت مضى. ويعتبر جو بايدن أكثر مرشح رئاسي من حيث عدد الأصوات في تاريخ البلاد، بـ74.5 مليون مؤيد. مع العلم أن الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب حطم أيضًا الأرقام القياسية،  فقد صوّت أكثر من 70 مليون أمريكي لصالحه، أي أكثر بسبعة ملايين مما كان عليه الأمر قبل أربع سنوات.

في الأثناء، وعد جو بايدن بأنه سيكون رئيسا لكل الأمريكيين، بمن فيهم أولئك الذين لم يصوتوا لصالحه، ولكن من الصعب رأب الصدع  الذي سببته موجات الكراهية التي انتشرت سهولة بين الأمريكيين. ولعل هذا الأمر سيمثّل العقبة الأولى التي يتعين على جو بايدن تجاوزها في طريق مليء بالعقبات. إلى الآن، لم يتنازل ترامب عن حقه في اللجوء إلى المحاكم لإبطال ما يسميه "الأصوات غير الشرعية".

في الواقع، لا يبدو أن لدى ترامب فرصة كبيرة في أن يثبت تهم التلاعب بالانتخابات، إذ لا يملك الأدلة على ذلك، ولكنه قد يتمكن خلق حالة من عدم اليقين وشحن أولئك الذين يصدقون نظريات المؤامرة التي يتبناها. ويكمن الخطر الحقيقي في اللجوء العنف. 

وفقًا للتقاليد الأمريكية، يلقي الرئيس المنتخب خطابا يقبل فيه التحدي ويعبّر الرئيس المنتهية ولايته عن قبوله بنتائج الانتخابات ويعلن هزيمته. وقد المرش الديمقراطي آل غور هذا الأمر سنة 2000، رغم أنه أكد آ نذلك أنه لا يتفق مع حكم المحكمة العليا والذي خسر بسبب منصب الرئاسة، بعد إعادة فرز الأصوات في ولاية فلوريدا. كما هنأت هيلاري منافسها ترامب في 2016، رغم أنها تفوقت عليه بثلاثة ملايين صوت.

في الحقيقة، لا يبدو أن ترامب سيقوم بهذه البادرة مع بايدن. وسيكون هذا الأمر بداية سيئة، لكنه لن يمنع بايدن من تولي منصب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة في 20 يناير/ كانون الثاني 2021.

في حين يتمتع الديمقراطيون بأغلبية في مجلس النواب، من المرجح أن يحتفظ الجمهوريون بالأغلبية في مجلس الشيوخ. ومن صلاحيات مجلس الشيوخ المصادقة على تعيينات أعضاء الحكومة، وتعيينات الرئيس لأعضاء المحكمة العليا.

العلم ضد فيروس كورونا

تعد محاربة تفشي فيروس كورونا من بين أولويات جو بايدن. خلال خطابه الذي ألقاه يوم الجمعة، أكد أنه بدأ بالفعل في عقد اجتماعات مع العلماء والخبراء، إلى جانب نائبته كامالا هاريس. وقد ألقى هذه الكلمة حين علم أنه فاز بالانتخابات، على الرغم من حقيقة أنه لم يصل بعد إلى 270 صوتا انتخابيا. 

في هذا الإطار، يقول روبرت ماثيوز، الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية، إنه "ينبغي أن يبقى الفيروس تحت السيطرة من خلال إعداد فريق منظم بشكل جيّد مع إرشادات واضحة وتفويض على مستوى وطني. وبالتوازي مع ذلك، سوف يتعين على الإدارة الجديدة الموافقة على حزمة من المحفزات الاقتصادية لدعم المتضررين من الوباء ومساعدة العمال". مرة أخرى يرسم العلم طريق الحل لمواجهة الأزمة الصحية في البلاد. كان دونالد ترامب قد وعد في حملته الانتخابية بالتخلص من أنتوني فاوتشي، كبير الخبراء في لجنة مكافحة فيروس كورونا، بسبب آرائه المعارضة لسياسة الرئيس.

من الواضح أن دخول بايدن للبيت الأبيض سيتم في ظروف مختلفة تماما عن فترة أوباما. وقد علّق بول ماريلاس مدير مركز برشلونة للشؤون الدولية قائلا: "إنها إدارة جديدة في ظروف جديدة. سوف يتعين على بايدن النظر إلى الشأن الداخلي. في بلد منقسم، وفي ظل سيطرة الجمهوريين المرتقبة على مجلس الشيوخ، لن يكون قادرا على رسم ملامح سياسته الخارجية مثلما يريد تماما. سوف يواجه عراقيل لتنفيذ سياساته في ظل الأزمات القائمة".

من ناحية أخرى، عانت المؤسسات من تهديدات خطيرة في السنوات الأربع من عهد ترامب، وهو أحد العوامل التي أوصلت الولايات المتحدة إلى هذه الوضعية الصعبة. سوف يتعين على جو بايدن وكمالا هاريس إعادة تشكيل مؤسسات الحكم. عملت إدارة ترامب على تفكيك المؤسسات، ويشمل وزارة الخارجية. يقول ماريانو أغيري، العضو المشارك في معهد تشاتام هاوس ومؤلف كتاب "قفزة في الفراغ، أزمة وانحدار الولايات المتحدة"، أن إدارة ترامب لم تعيّن دبلوماسيين في العشرات من المناصب من الدرجتين الأولى والثانية. 

في حين يتمتع الديمقراطيون بأغلبية في مجلس النواب، من المرجح أن يحتفظ الجمهوريون بالأغلبية في مجلس الشيوخ. ومن صلاحيات مجلس الشيوخ المصادقة على تعيينات أعضاء الحكومة، وتعيينات الرئيس لأعضاء المحكمة العليا.

لم يُحسم الأمر حتى الآن، لأنه سوف يتعين حسم السباقين على مقعدين في جورجيا في الجولة الثانية في يناير/ كانون الثاني المقبل. إذا فاز الديمقراطيون بالمقعدين، سيكون هناك تعادل، وسيؤول التصويت لنائب الرئيس كامالا هاريس. لكن من غير المنتظر أن يحدث ذلك، وسوف يحتفظ الجمهوريون على الأرجح بأغلبية الأصوات.

إذا كان الأمر كذلك، سوف يتعين على جو بايدن التوصل إلى تفاهمات مع الجمهوريين، وأساسا مع حليفه القوي في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي أُعيد انتخابه عن ولاية كنتاكي للمرة السابعة. وقد أكد ماكونيل أن الانتقال سيكون سلميا.

في عهد ترامب، سحبت الولايات المتحدة الدعم من منظمة الصحة العالمية في خضم تفشي الوباء، وانسحب ترامب من اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، كما رفض ميثاق الأمم المتحدة العالمي بشأن الهجرة

يقول المؤرخ روبرت ماثيوز في هذا السياق: "يأمل الجناح التقدمي للحزب أن يكون بيرني ساندرز أو إليزابيث وارين، وكلاهما يطمح لإحداث تغييرات عميقة في الأجندة السياسية، جزءا من الحكومة الجديدة، لكن جو بايدن وسطي، وله سجل حافل في التعاون مع الجمهوريين". ويضيف ماثيوز "من المحتمل أن يضم مجلس وزرائه جمهوريا معتدلا، أو يميل نحو المعتدلين من الحزب الديمقراطي".

كان على جو بايدن للوصول إلى ترشيح الحزب الديمقراطي أن يتعامل مع مجموعة من المنافسين، بما في ذلك كامالا هاريس، التي ستصبح أول امرأة تتولى منصب نائب رئيس الولايات المتحدة. 

لم يوجه بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت وممثل الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، الدعوة للناخبين للتصويت في انتخابات 2016، لأنه كان واثقا من فوز هيلاري كلينتون، لكنه دعا إلى انتخاب بايدن هذه المرة. وكما قال ديفيد أكسلرود مستشار أوباما السابق، على شبكة سي إن إن، فإن "بايدن هو الرجل المناسب في هذه المرحلة". 

أمريكا لا تستطيع العمل بمفردها

في مقال نُشر في مجلة فورين أفيرز بعنوان "لماذا يجب على أمريكا أن تقود مرة أخرى"، يشير جو بايدن إلى أنه عندما يتعلق الأمر بملفات مثل "تغير المناخ وانتشار الأسلحة النووية وصراع القوى العظمى والإرهاب الدولي والجرائم الإلكترونية والتكنولوجيات الحديثة والهجرة الجماعية، لا تستطيع الولايات المتحدة ولا أي دولة أخرى التصرف بمفردها".

سيكون الفارق الكبير بين سنوات دونالد ترامب، وما سيأتي مع جو بايدن وكمالا هاريس، هو العودة إلى الحوار والتعاون. تعود الولايات المتحدة إلى النظام متعدد الأطراف وهي تفعل ذلك بنظرة جديدة.

يقول بول موريلاس: "التحول نحو آسيا، عالم متعدد الأقطاب، والمنافسة مع الصين، ستكون القضايا الأهم في حقبة بايدن. لن نعود إلى كتلة متجانسة عبر الأطلسي. ولكن بايدن سيكون قادرا على إعادة المنطق المؤسسي والفهم الهيكلي بما يتجاوز التفاهمات مع القادة الأقوياء والدبلوماسية الشخصية. باختصار، سنعود إلى دبلوماسية الاتفاقيات ونترك الدبلوماسية الشخصية وراءنا".

يواجه بايدن مع الصين، التي حولها ترامب إلى عدو تجاري من الدرجة الأولى، تحديا كبيرا. وقد اتهم الرئيس المنتهية ولايته منافسه بايدن خلال الحملة الانتخابية بالميل إلى بكين، بينما كان يشير دائما إلى أن فيروس كورونا فيروس صيني، متهما بكين بأنها السبب في انتشاره.

في هذا الشأن، يقول ماريانو أغيري إن "استعادة الثقة مع الصين سوف تستغرق وقتا، وستكون النزاعات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية قوية جدا. إن أي حكومة ديمقراطية ستقلل من العداء، لكن سيكون من الصعب بناء تحالف من الدول الديمقراطية للتفاوض مع الصين". 

دعونا نتذكر أنه في عهد ترامب، سحبت الولايات المتحدة الدعم من منظمة الصحة العالمية في خضم تفشي الوباء، وانسحب ترامب من اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، كما رفض ميثاق الأمم المتحدة العالمي بشأن الهجرة، وعلّق عضوية بلاده في منظمة اليونسكو.

لقد وصم ترامب الديمقراطيين بأنهم اشتراكيون، وهي إستراتيجية استغرقت أكثر من أربع سنوات

الحلفاء الأوروبيون

ضغط ترامب على الحلفاء في الناتو لزيادة ميزانية الدفاع إلى اثنين بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهدد بالانسحاب من حلف الشمال الأطلسي. بحسب ماريانو أغيري، ستعود الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي إلى "خط الرئيس أوباما المتمثل في 'القيادة بالتعاون مع الآخرين'، في محاولة للحفاظ على قيادة واشنطن". 

كتب النائب الإسباني لويس غاريكانو في صحيفة "إل إندبندينتي"، أن بايدن سيبدأ "مرحلة مصالحة محليا، وعبر الأطلسي، وعلى مستوى دولي". ويرى غاريكانو أن بايدن سيكون رئيسا رصينا، لكنه أقل اعتمادا على أوروبا وأقل كرما مما كان عليه في الماضي. 

في أوروبا، يعتبر بوريس جونسون ضحية لفوز جو بايدن، وهو الذي راهن بشدة على العلاقة الخاصة التي تجمعه بدونالد ترامب. يقول مدير مركز برشلونة للشؤون الدولية "ستظل العلاقة قائمة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لكن بالنسبة لبايدن، لن تكون العلاقة معها ذات خصوصية، وسوف يفضل تعزيز التحالفات مع الدول القوية داخل الاتحاد، مثل فرنسا وألمانيا". أما فيما يتعلق بالعلاقة مع إسبانيا، فإن حكومة بيدرو سانشيز تنظر إلى بايدن كحليف قوي للدفاع عن القضايا المشتركة.

أمريكا اللاتينية.. قضية معلقة

لم يسافر دونالد ترامب إلى أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأربع التي قضاها في منصبه. ومع ذلك، فإن سياسته تجاه كوبا وفنزويلا أكسبته فوزا مدويا في فلوريدا، حيث منحته الجالية الكوبية في مقاطعة ميامي داد دعمها الكامل. لاقت استراتيجية ترامب نجاحا، حيث جعل الكوبيين والفنزويليين الذين فروا من الأنظمة الديكتاتورية، ينظرون إلى جو بايدن المعتدل، على أنه اشتراكي راديكالي.

إنها مسألة سياسة واقعية وليست شعارات. على حد تعبير جو بايدن "بصفتنا أمة، يجب أن نثبت للعالم أن أمريكا مستعدة للقيادة مرة أخرى، ليس بنموذج القوة ولكن بقوة النموذج".

يقول جون بولغا هيسيموفيتش، أستاذ السياسة المقارنة في الأكاديمية البحرية الأمريكية: "لقد وصم ترامب الديمقراطيين بأنهم اشتراكيون، وهي إستراتيجية استغرقت أكثر من أربع سنوات. وقد سعى أوباما عندما كان رئيسا، إلى التقارب مع كوبا، ولم يكن الكوبيون في فلوريدا سعداء بذلك الأمر. بالنسبة لبايدن، سوف يتمثّل التحدي في مساعدة الشعب الكوبي دون أن يفعل مثل أوباما، ودون التوقف عن الضغط على النظام والرئيس ميغيل دياز كانيل".

ويضيف هيسيموفيتش مسلطا الضوء على نجاح الحزب الجمهوري في تسويق هذه الصورة بنجاح: "لا أعتقد أنه سيكون هناك تغيير كبير في السياسات. هناك فرق كبير مقارنة بترامب، بمعنى أن بايدن يدرك أنهم ديكتاتوريون، وهو لا يحب الديكتاتوريين". ويرى هيسيموفيتش أن اعتراف قسم كبير من الديمقراطيين بأنهم اشتراكيون، أثر كثيرا في نتائج الانتخابات. 

لا يشك هيسيموفيتش في أن بايدن سيحافظ على الدعم الأمريكي لخوان غوايدو في فنزويلا. وفيما يتعلق بالعقوبات، يقول إنها تشكل "بالنسبة لبايدن أداة لتحقيق أهداف محددة، وقد يتم تخفيفها إذا استوفى النظام الفنزويلي شروطا معينة". 

أكد بايدن أنه سيعمل على تعديل قوانين الهجرة، قد وعد بأنه سوف يدرس حصول الفنزويليين على تصريح الحماية المؤقتة، وهو أمر لم يمنحه ترامب.

إنها مسألة سياسة واقعية وليست شعارات. على حد تعبير جو بايدن "بصفتنا أمة، يجب أن نثبت للعالم أن أمريكا مستعدة للقيادة مرة أخرى، ليس بنموذج القوة ولكن بقوة النموذج".

المصدر: إل إندبندينتي