الدعم التركي لأذربيجان يغير خريطة المعركة في قرة باغ

أعلنت أرمينيا وأذربيجان عن اتفاق لوقف الحرب بين البلدين في ناغورني قرة باغ، برعاية روسية، يسري بداية من اليوم الثلاثاء 10 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، كما يقضي بإعادة مناطق أذربيجانية كانت قد احتلتها أرمينيا منذ أغسطس/آب 1993، وذلك بعد معارك ضارية بين الجانبين استمرت قرابة 50 يومًا متواصلة.

الاتفاق الذي جاء استجابة للتطورات الميدانية التي شهدتها الساحة العسكرية بعد سيطرة القوات الأذربيجانية على أجزاء واسعة من الإقليم واقترابها من عاصمته، يتضمن كذلك نشر قوات حفظ سلام روسية، في محاولة لإنهاء كل العمليات العسكرية الحدودية بين البلدين.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن في تصريحات بثتها وسائل الإعلام الروسية فجر الثلاثاء أنه "في الـ9 من نوفمبر/تشرين الثاني، وقّع رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس روسيا الاتحادية، إعلانًا ينص على وقف شامل لإطلاق النار وإنهاء كل العمليات العسكرية في منطقة النزاع، وذلك اعتبارًا من منتصف ليل الـ10 من نوفمبر/تشرين الثاني بتوقيت موسكو".

يأتي هذا التطور غير المسبوق ميدانيًا الذي بمقتضاه نجحت أذربيجان في استرداد أجزاء من أراضيها المحتلة منذ أكثر من ربع قرن بعد دخول أنقرة على خط الأزمة، حيث كانت أبرز الداعمين العسكريين والسياسيين للجانب الأذري في معركته ضد الاعتداءات الأرمينية، الأمر الذي أعاد تشكيل الخريطة مرة أخرى، رغم الدعم الروسي المتواصل للأرمن على المستويات كافة.

وتحتل أرمينيا قرابة 20% من أراضي أذربيجان منذ الهجمات التي شنتها ضدها 1993، ورغم صدور العديد من القرارات عن مجلس الأمن التي تطالب القوات الأرمينية بالانسحاب من تلك الأراضي، فإن أرمينيا وعلى مدار ما يقرب من 3 عقود لم تبد أي نوايا إيجابية بشأن الانسحاب، مستندة في ذلك إلى دعم موسكو الذي لا يتوقف، ليبقى السؤال: كيف غيرت تركيا موازين المعادلة هذه المرة؟

من المقرر أن تستعيد أذربيجان 3 محافظات كاملة في محيط قرة باغ وفق خطة زمنية تتمثل في: كلبجار بحلول 15 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، وأغدام في موعد أقصاه 20 من الشهر نفسه، ولاتشين حتى الأول من ديسمبر/كانون الأول المقبل.

اتفاق مؤلم للأرمن

وصف رئيس وزراء أرمينيا موافقته على  إعلان وقف الحرب بأنه "قرار مؤلم" له ولشعبه، لافتًا في بيان له عقب توقيع القرار بأنه لم يكن أمامه أي خيار آخر بديل إلا الرضوخ والتوقيع بعدما نجحت القوات الأذربيجانية في تحقيق تقدم كبير على ساحة المعركة وباتت على مشارف العاصمة.

باشينيان خاطب مواطني بلاده بأن هذا القرار لم يتخذ بصورة انفرادية، لكن جاء بناء على تقييم القادة الميدانيين للوضع العسكري ومراجعة الخبراء المقربين منه، معتقدًا بأنه الحل الأفضل للموقف الراهن الذي تميل فيه الكفة بصورة واضحة للجانب الأذري، مشيرًا إلى أنه سيلقي خطابًا للأمة في الأيام المقبلة.

وبعد دقائق معدودة من صدور هذا البيان تجمع العشرات أمام مقر الحكومة في العاصمة الأرمينية بريفان منددين بقرار وقف الحرب ومطالبين باستقالة باشينيان، فيما ردد بعض المتظاهرين شعارات تصفه بـ"الخائن"، معتبرين أن القبول بوقف إطلاق النار وعودة بعض القرى المحتلة لأذربيجان هزيمة واضحة للدولة والحكومة.

 

انتصار أذري

وفي الجهة الأخرى، اعتبر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الليلة الماضية، في خطابه الذي بثه التليفزيون الرسمي، أن الاتفاق الموقع يعني "استسلام" أرمينيا وإسدال الستار على عقود من الاحتلال والانتهاكات الأرمينية المتواصلة داخل الأراضي الأذرية.

وأشار علييف الذي بدا الحماس واضحًا عليه خلال الخطاب ممسكًا بقبضة يده اليمني وهو يشير إلى أن الجانب الأذربيجاني أخبر رئيس وزراء أرمينيا بأنه سيوقع على الاتفاق دون شرط، مضيفًا: "أجبرناه على التوقيع، وقد قبل بذلك وأراد أن يكون توقيع الاتفاق في مكان مُغلق، بعيدًا عن الكاميرات لجبنه وخوفه".

وأضاف أن المعارك العسكرية التي خاضتها بلاده خلال الـ50 يومًا الماضية، منذ 27 من سبتمبر/أيلول وحتى مساء أمس 9 من نوفمبر/تشرين الثاني أسفرت عن تحرير 300 منطقة سكنية وعشرات القرى التي كانت واقعة تحت الاحتلال الأرميني، وتابع "لقد قلت إننا سنطردهم (القوات الأرمينية) من أراضينا طرد الكلاب، وقد فعلنا".

الانتصارات التي حققتها أذربيجان بفضل الدعم التركي كانت بمثابة الصدمة للأرمن المدعومين بطبيعة الحال من موسكو، الأمر الذي دفعها إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لكسب الدعم والتأييد الإقليمي

وعن مكاسب هذا الاتفاق الذي وصفه الرئيس الأذري بـ"الحدث التاريخي" فإنه من المقرر أن تستعيد البلاد 3 محافظات كاملة في محيط قرة باغ وفق خطة زمنية تتمثل في: كلبجار بحلول 15 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، وأغدام في موعد أقصاه 20 من الشهر نفسه، ولاتشين حتى الأول من ديسمبر/كانون الأول المقبل.

هذا بجانب نشر قوات روسية لحفظ السلام في الإقليم لمدة قدرها 5 سنوات قابلة للتجديد حال استدعت الضرورة ولم يعترض أي من الأطراف الموقعة، ورغم ما أثير بشأن دور تركي ضمن قوات حفظ السلام، فإن الاتفاق لا يشير إلى أي ملامح لهذا الدور، تركي كان أو إيراني، وفق ما ذكرت بعض الوسائل الإعلامية.

وفي هذا الإطار أشار بوتين إلى أن القوات الأذربيجانية والأرمينية ستبقى متمركزة في مواقع السيطرة الحاليّة لها، أما ما يتعلق بقوات حفظ السلام الروسية فستكون على خط التماس بين قرة باغ وأرمينيا، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية تزامنًا مع هذا الاتفاق بدء إرسال 1960 جنديًا روسيًا جوًا من روسيا إلى الإقليم، بموجب الاتفاق الثلاثي الذي ينص على أن القوات الروسية ستكون مجهزة بنحو 90 مدرعة.

كما وجه الرئيس الأذربيجاني الشكر لنظيره التركي رجب طيب أردوغان على مشاركته النشطة في التسوية السياسية لهذا الصراع، مثمنًا دور بلاده في الوصول إلى هذه النقطة المحورية التي سيكون لها تأثير كبير في وقف إراقة المزيد من الدماء في تلك المنطقة وفرض الاستقرار عليها بعد سنوات طويلة من المناوشات التي خلفت وراءها مئات القتلى وآلاف الجرحى.

تركيا تحدث الفارق

رغم اندلاع المعارك الحدودية بين البلدين على مدار أكثر من 25 عامًا، فإنه خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة لم يحقق الجانب الأذري أي تقدم يذكر، فضلًا عن الفشل في استرداد أراضيه المحتلة، إلا أن الوضع هذه المرة قد تغير بصورة كبيرة، ونجحت أذربيجان في تحقيق ما لم تحققه منذ سنوات طويلة.

كلمة السر هنا هي تركيا التي أحدث تدخلها على خط الأزمة ودعمها للجيش الأذري منذ الهجوم العسكري الأخير لأرمينيا في 27 من سبتمبر/أيلول الماضي، الفارق في المعركة ميدانيًا، وما كان لأذربيجان أن تخترق التحصينات الأرمينية الموجودة على أراضيها المحتلة إلا بالدعم التركي.

ومنذ انطلاق الدولة الأذرية لعمليتها العسكرية واسعة النطاق ضد الاعتداءات الأرمينية كانت الخبرة العسكرية التركية حاضرة بقوة، حيث قدمت الدعم العسكري والتقني والمعدات، ما مكّنها من تحقيق مكاسب ملموسة لأول مرة منذ 26 عامًا.

لم يكن الدعم العسكري وحده وراء تفوق الجانب الأذري في تلك المعارك الأخيرة، فهناك الدعم اللوجستي والسياسي كذلك، الذي استطاعت باكو من خلاله أن تفرض نفسها على موائد الاهتمام الإقليمي والدولي، الأمر الذي كبل أي تحركات خارجية من شأنها أن ترجح الكفة تجاه أرمينيا القريبة من أوروبا.

الانتصارات التي حققتها أذربيجان بفضل الدعم التركي كانت بمثابة الصدمة للأرمن المدعومين بطبيعة الحال من موسكو، الأمر الذي دفعها إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لكسب الدعم والتأييد الإقليمي، فكانت محاولات إدخال منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" (تأسست عام 1992، وتضم 6 من دول الاتحاد السوفييتي السابق هي: روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا) إلى المنطقة من أجل عزل أذربيجان، إضافةً لتحميلها مسؤولية خرق وقف إطلاق النار.

غير أن المنظمة وبسبب علاقاتها الجيدة مع أذربيجان ارتأت عدم إقحام نفسها كطرف في هذا الصراع، مكتفية بدعوة جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار والتفاوض، لكنها في حقيقة الأمر لم تمارس أي ضغوط أو دعم لوقف التقدم الأذري ميدانيًا.

لماذا تدخلت أنقرة؟

استند التدخل التركي لدعم أذربيجان إلى منظومة متشابكة من العوامل الدينية والتاريخية والعِرقية والمصالح الاقتصادية والسياسية، يأتي على رأسها العوامل المشتركة التي تجمع البلدين من دين ولغة وعرق، بما يجعل العلاقة بينهما محورية، وهو ما تترجمة الجملة الشهيرة التي يرددها ساسة البلدين "شعب واحد في دولتين".

هذا بجانب البعد التاريخي في تلك العلاقات، إذ تنطلق أنقرة في موقفها هذا من مسؤوليتها الأخلاقية/التاريخية تجاه الشعب الأذري، المستمدة من تاريخ الدولة العثمانية، فضلًا عن الموقع الإستراتيجي والجيوبولتيكي لتلك الدولة التي تعتبر منفذًا لتركيا لا سيما من خصومها الذين يحيطون بها (روسيا وأرمينيا وإيران).

كما تمثل باكو رمانة الميزان في المعادلة الإقليمية ضد أرمينيا على وجه التحديد وتتسم علاقاتها تجاه أنقرة بالعداء الواضح منذ أحداث 1915 التي تصر أرمينيا على تسميتها بـ"المحرقة" لكسب التأييد الإقليمي والدولي، بجانب ما يمثله الإقليم المتنازع عليه "ناغورني قرة باغ" من تأثير كبير على سياسات تركيا تجاه منطقتي البلقان والقوقاز، فهو يحدُّ من فاعليتها في حوضي الأدرياتيكي وقزوين بشكل مباشر.

تعتبر تركيا من أكثر الدول تعاونًا مع أذربيجان في المجال الاقتصادي، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2015 قرابة 3.5 مليار دولار، هذا بخلاف وجود أكثر من 2665 شركة تركية تستثمر في أذربيجان

البعد الاقتصادي هو الآخر حاضر بقوة في هذه المعادلة، إذ إن أمن الطاقة التركي مرتبط بشكل كبير بأذربيجان التي تعد إحدى أهم الدول المصدِّرة للغاز الطبيعي، إذ تعوِّل عليها أنقرة في تقليل نسبة الاعتماد على الغاز الإيراني والروسي، حيث باتت أذربيجان المصدر الرئيسي للطاقة للأتراك بعد تقليل اعتمادها على الغاز الروسي إلى قرابة 42% بدلًا من 58% حتى عام 2015 ، فيما دشنت مشروع وصل خط غاز "تاناب" القادم من أذربيجان بخط غاز "تاب" قرب الحدود التركية الأوروبية عام 2019 ليصبح أحد أهم الشرايين المهمة لتغذية أسواق الطاقة في أوروبا بالغاز الطبيعي.

هذا بخلاف العديد من المشروعات المشتركة بين الجانبين أهمها خط نقل الطاقة "باكو-جهان"، بالإضافة إلى خط السكة الحديدية (باكو-فليكس-قارص)، وهو ما يجعل أي استهداف لأذربيجان يضر بالمصالح التركية، هذا بخلاف التعاون الدفاعي الثنائي بين البلدين الذي يتضمن التدريب العسكري لأفراد أذربيجانيين في المؤسسات العسكرية التركية.

وتعتبر تركيا من أكثر الدول تعاونًا مع أذربيجان في المجال الاقتصادي، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2015 قرابة 3.5 مليار دولار، هذا بخلاف وجود أكثر من 2665 شركة تركية تستثمر في أذربيجان، بجانب تقديم تركيا للأخيرة ما يزيد على 320 مليون دولار منذ 2004 كمساعدات مباشرة للمشاريع التنموية.

احتفالات في أذربيجان

عناد أرميني

لم يكن التحرك الأذري المدعوم من تركيا إلا ردة فعل طبيعية لماراثون من المفاوضات والمساعي الدبلوماسية الفاشلة التي لجأت إليها باكو لاسترداد أراضيها المحتلة من أرمينيا منذ احتلال قواتها محافظة جبرائيل في ال23 من أغسطس/آب 1993، ما أسفر عن مقتل 362 تركيًا أذربيجانيًا، بجانب السيطرة على محافظة فضولي التي راح ضحيتها 1100 آخرين.

وكانت الحصيلة الإجمالية لسنوات الاحتلال الأرميني لـ"قرة باغ" مقتل ما يزيد على 20 ألف تركي أذربيجاني، وجرح أكثر من 100 ألف آخرين، هذا بخلاف اضطرار ما يزيد على مليون ونصف شخص للهجرة خارج البلاد بعد أن تم تدمير معظم بنيتها التحتية، تضرر ما يقرب من 7  آلاف مكتب حكومي و750 مدرسة و680 مركزًا طبيًا، وما يزيد على مليون هكتار من المنطقة الزراعية.

التغول العسكري لم يقف عند حاجز تدمير البنى التحتية وإصابة الحياة الاقتصادية بالشلل وفقط، بل تجاوز ذلك إلى محاولات محو الوجود الثقافي والتاريخي للأتراك الأذربيجان، فتم تدمير 950 مكتبة و44 معبدًا و9 مساجد، هذا بخلاف الانتهاكات اليومية المتواصلة بحق الإرث الثقافي لهذا البلد.

وأمام تلك الوضعية المذرية أصدر مجلس الأمن الدولي 4 قرارات عام 1993، وهي القرارات (822 و853 و874 و884) تلك القرارات التي دعت إلى سحب أرمينيا قواتها العسكرية من "قرة باغ" وبعض الأراضي المتاخمة لها، وإعادتها إلى السيطرة الأذرية، لكن السلطات الأرمينية لم تلق بالًا لتلك القرارات، مواصلة انتهاكاتها وعملياتها العسكرية على مدار ربع قرن كامل.

من السابق لأوانه مدى التزام الطرفين، الأذري والأرميني، بقرار وقف الحرب، المفترض سريانه فجر اليوم، في ظل الإدانات الشعبية لرئيس الحكومة الأرمينية بسبب توقيعه على هذا الاتفاق،  إلا أنه يعد خطوة مهمة نحو فرض الاستقرار في هذه المنطقة الإستراتيجية، ونتيجة منطقية للتغيرات الجوهرية التي طرأت على معادلة الصراع هناك بعد دخول أنقرة على خط الأزمة، لتبقى الأيام القادمة هي المحك الحقيقي لتقييم هذه الخطوة.