اقتربت الانتخابات الأمريكية من ساعة الصفر التي ستشهد الإعلان "رسميًا" عن اسم الحاكم الجديد للبيت الأبيض، وترجح التقارير التي تابعت عمليات الفرز على مدار الساعة خلال الأيام الماضية وتحليل الخطاب الخاص بكل مرشح من المرشحين، ترامب وبايدن، ونبض الشارع، أن الأمر حسم لصالح بايدن، ما لم ينجح الأول الذي يعيش في حالة إنكار تشبه الأعراض الأساسية لاضطراب "كرب ما بعد الصدمة"، في تفعيل أي من خياراته "التعطيلية" لمسار نتائج الانتخابات، ورقيًا، خلال ما تبقى له من أيام معدودة في السلطة.

عددٌ من العواصم الشرق الأوسطية، بدأت تتفاعل برجماتيًا مع هذا الاستنتاج والترجيح، قبل ساعات من الإعلان الأولي عن النتيجة النهائية، وإثر صدى الأنباء المنوهة عن فوز بايد.، تفاعل يصعب اعتباره تزامنًا صدفويًا على النحو المعتاد، إذ أعلنت كل من القاهرة وأبوظبي والرياض، حزمة إصلاحات سياسية وخطوات توفيقية، بحسب ما تتيح لها ظروفها الداخلية، اتساقًا مع الأمر الواقع بوجود رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض خلال 3 شهور، وكما أبدت عواصم استبشارًا واضحًا مثل إيران، فقد غابت بعض العواصم إلى الآن عن التقييم، على الأقل في الإعلام العربي، ومنها دولة الاحتلال الإسرائيلي.

اتسم الوضع في "إسرائيل" إزاء الانتخابات الأمريكية بالمفارقات، وبالأخص في هذه النسخة التاريخية من التنافس السياسي، ونحاول هنا، بإيجاز قدر الإمكان، التركيز على أهم "الثيمات" الأساسية التي شهدت تفاعلًا وتقاطعًا حقيقيًا مع هذا الحدث، مثل اليهود، داخليًا وخارجيًا، والحكومة ممثلةً في نتنياهو، وصولًا إلى الداخل الفلسطيني.

أكثر الوحدات اليهودية تأثيرًا في الانتخابات الأمريكية بطبيعة الحال، هم يهود الولايات المتحدة الذين تقل نسبتهم عن نسبة نصف اليهود في العالم بشكل طفيف، ويتجاوز عددهم 5 ملايين نسمة في أقل التقديرات، ويعتبرون ثاني أكبر اليهود عددًا في العالم، بعد يهود "إسرائيل"، وبالنسبة لهذه الفئة، فإن هناك عرفًا سائدًا يتحدث عن معادلة: الكتلة الشعبية، مقابل النفوذ والمال، وتاريخيًا، دأب اليهود في الولايات المتحدة على انتخاب المرشح الديمقراطي بنسبة عالية تصل في المتوسط من 60 إلى 80% من مجمل اليهود المسموح لهم بالتصويت. 

وقبل الانتخابات، تحدثت استطلاعات اللجنة اليهودية الأمريكية عن أن نسبة تصويت يهود أمريكا لبايدن ستصل إلى 75%، وهي نفس النسبة، بالضبط، التي قدرت صحيفة "هآرتس" تصويت اليهود بها إلى بايدن، بعد فرز القدر الأكبر من أصوات المقترعين بالولايات الأمريكية المتنافسة.

ربما يبدو ذلك مفاجئًا، لكن الشريحة الأكبر من يهود الولايات المتحدة تنتمي، عمليًا، إلى طوائف معتدلة دينيًا، تفضل الاندماج في المجتمع الغربي، متجاوزة سرديات التمركز حول اليهودية و"إسرائيل"، وتشعر أن مصلحتها في دعم التوجهات السياسية القريبة من الأقليات بشكل عام، لا إلى التقرب اليميني من دولة "إسرائيل"، الذي قد يجعلها عرضة للاضطهاد أو يحبسها في سجن قيم لا يتناسب مع المجتمع الأمريكي.

فيما ينحسر تأثير الشريحة اليهودية المحافظة أمريكيًا في نطاق المال والعلاقات العامة والابتزاز السياسي والسلوك الشعبوي، وقد حاولت تجمعات يهودية محافظة، بالفعل، إعاقة الفرز وممارسة العنف في ولايات ميتشجان وأريزونا، إثر تخوفهم من تفوق بايدن في هذه الولايات، وقد تعرضت هذه الشريحة إلى "انكشاف" سياسي، بعد النتائج المؤكدة على فوز بايدن، خلافًا لما روج عن سطوة هذا اللوبي "السحرية"، إن جاز التعبير، على القرار في أمريكا.

اتسم الوضع في "إسرائيل" إيذاء الانتخابات الأمريكية بالمفارقات، وبالأخص في هذه النسخة التاريخية من التنافس السياسي

وتعد هذه الشريحة المشاغبة هي الأقرب ليهود الداخل، وفق مقياس النظرة إلى الانتماء الديني والتعلق بالسرديات الدينية المحافظة، وعلى الرغم من أن الداخل اليهودي لا يمكنه، عمليًا، التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية، فإن الساحات العامة، ماديًا ومعنويًا، عجت بالدعاية الدينية والسياسية لترامب.

أفردت القناة الـ20 العبرية المقربة من عائلة نتنياهو مساحةً كبيرة من البث ليلة الانتخابات، لدعم ترامب والترويج الزائف لانتصاره، وشهد الحرم الإبراهيمي صلوات جماعية من مندوب الحزب الجمهوري، مارك تسيل، للدعاء لترامب بصحبة رؤوساء بعض المجالس الاستيطانية، وخرج حاخامات اليهود الأرذوكس المتحالفون مع نتنياهو في مقاطع مصورة، لحث يهود الخارج على التصويت لترامب ومحاولة إقناع الشعب الأمريكي نفسه بانتخابه، بدعوى نجاحه في إعادة أمريكا لمكانتها في العالم، وبحسب القناة الـ13 العبرية، فإن أكثر من 63% من يهود "إسرائيل" كانوا يتمنون فوز ترامب.

موضوعيًا، وعلى عكس الشائع، لم يكن ترامب خيرًا محضًا لـ"إسرائيل"، ولم تكن علاقته الوطيدة بنتنياهو إيجابية دائمًا بالنسبة للدولة، صحيح أنه اعترف بالقدس عاصمةً لـ"إسرائيل" وأمر بنقل السفارة الأمريكية إليها واعترف بقانونية الاحتلال الإسرائيلي للجولان وساعد في إجبار الدول العربية على التطبيع مع "إسرائيل" واشترى معدات عسكرية إسرائيلية لا تحتاجها بلاده لإنعاش صناعة الدفاع الإسرائيلية، إلا أن آثار انسحاب بلاده من الشرق الأوسط، أمنيًا، كانت وخيمة على "إسرائيل"، وبالأخص سماحه بالتجاوزات العسكرية لتركيا وإيران، ضد حلفاء الكيان كالأكراد والسعودية، كما كانت قراراته الكبرى مفصلة، في أوقات اختيارها، على مقاس دعم نتنياهو في معاركه السياسية ضد خصومه بالداخل. 

بهذا المضمون تقريبًا، نوه يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية الحاليّ بعد اتجاه بني غانتس زعيم "كحول لافان" (أزرق أبيض) للاتفاق سياسيًا مع نتنياهو على تقاسم السلطة، في كلمته، عشية الانتخابات الأمريكية، إلى العلاقة العضوية التي حرص نتنياهو على صياغتها مع ترامب، بالمخالفة لتقاليد كل من "إسرائيل" وأمريكا، معًا، بتكريس الوقوف على مسافة واحدة، تقريبًا، من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، وهو ما يعني، أن المعارضة، لم تكن تحبذ انتصار ترامب الذي يدعم اليمين بشكل عام، ونتنياهو بشكل خاص، كما حفلت الكتابات الصحفية اليسارية قبل الانتخابات، وخلالها، بمخاوف "اجتماعية" من فوز ترامب، الذي قد يساهم في إلحاق الأذى باستقرار الشعب الأمريكي ومستقبل الدولة، كما أدت سنوات نتنياهو الأخيرة في الحكم إلى هذه النتيجة في "إسرائيل". 

لهذه الأسباب على الأرجح، شعر نتنياهو بخيبة أمل من أخبار فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفيما يبدو، فقد طغت مشاعره الحانقة من هذه الحقيقة على "بروتوكولات" السياسة، فاكتفى بتهنئة بايدن، متأخرًا عن غيره من زعماء المنطقة، دون أن يشير إلى كونه رئيسًا "منتخبًا" من قريب أو من بعيد، كما رافق هذه التهنئة شكره إلى صديقه المهزوم، ترامب، وتغييره غلاف حسابه الرسمي على "تويتر" بصورته مع ترامب، كما لو كان يعيش صدمة مماثلة لصدمة هزيمة ترامب في الانتخابات.

السلطة الفلسطينية بدأت من جانبها هي الأخرى خطواتٍ احترازية، نحو عودة علاقتها مع الحكومة الإسرائيلية

من غير المنتظر أن يعاقب بايدن نتنياهو على علاقته الوثيقة بالرئيس السابق، الحاليّ مؤقتًا، أو أن يقوم بنكوص ثوري عن خطط سلفه ترامب، بخصوص القدس والجولان لأسباب كثيرة منها تركيزهعلى الوضع الداخلي وأعباء كورونا والتعافي الاقتصادي والقبول العربي العام بخطوات ترامب والثوابت الأمريكية التاريخية المستقرة نحو "إسرائيل"، فضلًا عن انحيازه الشخصي القديم لـ"إسرائيل" وعلاقته الجيدة بنتنياهو نفسه.

لكن، من المؤكد، أنه سيقطع الطريق على نتنياهو نحو الدعوة لانتخابات رابعة جديدة كان يعول على انعقادها مبكرًا مدعومًا بسطوة ترامب، كما اعتاد في الماضي، كما يرجح أن يعيد العلاقات الأمريكية مع السلطة الفلسطينية، وأن يحجم من داعمي نتنياهو الشرق أوسطيين، وأن يتبنى سياسةً أقل عدائية نحو إيران، لذلك، حاول نتنياهو، في مفارقة كاشفة، قبل الانتخابات، تجنب مجاراة ترامب بالإساءة لبايدن، عندما سأله دونالد عما إذا كان جو قادرًا على دفع السودان، مثله، للتطبيع مع "إسرائيل"، فاكتفى نتنياهو بالتأكيد على ترحيبه بجهود كل أمريكي لتعزيز السلام بين "إسرائيل" وجيرانها العرب، هذه هي السياسة، التي تجمع كثيرًا من التناقضات في آن واحد.

السلطة الفلسطينية بدأت من جانبها هي الأخرى خطواتٍ "احترازية"، فيما يبدو، نحو عودة علاقتها مع الحكومة الإسرائيلية، استجابةً للتطور الأخير المحتمل: وصول بايدن إلى السلطة وعودة الخطاب السابق الخاص بضرورة إحياء المفاوضات وبحث سبل السلام وحل الدولتين؛ فاقتربت، بحسب تأكيدات صحافية، من استرداد أموال "المقاصة" المحجوزة لدى "إسرائيل" وتفعيل التنسيق الأمني مجددًا، وهي خيارات إيجابية مؤقتًا، لكنها لن تفيد القضية على المدى البعيد، بعد قطع أشواط في طريق المصالحة من ناحية، وفي ظل تنفيذ عملي لصفقة القرن من ناحية أخرى، خاصة مع احتمال قيام نتنياهو بدعم خطة الضم قبل أيام من مباشرة بايدن صلاحياته الرئاسية بتحريض من قيادات برلمانية وأمنية.. فعودة العلاقات مع الاحتلال ستعرقل مشروع المصالحة، وفي نفس الوقت لن تردعه عن تنفيذ مخططاته الاستعمارية، وما يحدث الآن من توسع في بناء المستوطنات وهدم المنازل الفلسطينية دليل على ذلك.