في الأيام القليلة الماضية، أظهرت عدة دول خليجية مثل السعودية والبحرين والإمارات جانبًا ناعمًا تجاه تركيا، بعد أن كانت تتعامل معها بكل برود أو نفور، وذلك بالتزامن مع وصول جو بايدن إلى كرسي الرئاسة الأمريكية في البيت الأبيض، علمًا أن تلك البلدان كانت تعول على فوز ترامب الذي استطاعت في عهده تمرير العديد من الملفات التي تخدم مصالحها دون عوائق أو عواقب، وهي الأمور التي لن تستطيع ممارستها مع وجود بايدن الآن.

الرياض وأبو ظبي والبحرين، لا تتوسم خيرًا في فترة حكم بايدن الذي توعد بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران وعقد اتفاقيات أخرى لا تكون في صالح هذه الدول، بقوله إنه "سيعيد التعاون مع إيران وسيدخل من جديد إلى الاتفاق النووي وأنه سيعمل مع الحلفاء حتى يكون الاتفاق هذه المرة أطول وله تأثير أكبر"، كما أنه شدد على ضرورة معاقبة الرياض على خلفية حرب اليمن واغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

وهذا ما يفسر التودد الخليجي لتركيا في ظل البحث عن حليف إقليمي قوي جديد من أجل خلق حالة من التوازن مع حاكم البيت الأبيض الجديد، إضافة إلى أن أنقرة في الآونة الأخيرة من تقوية حضورها إقليميًا ودوليًا، ومن الواضح أنها وبعد هذا الثقل الذي أصبحت تتمتع به ستعمل على خلق آلية تتعامل على أساسها مع إدارة بايدن مثلما استطاعت تحسين العلاقات مع إدارة ترامب الذي لطالما هدد وتوعد أنقرة في عدّة قضايا ولكن تركيا كانت تتخطاها.

يبدو أن التفاؤل بشأن تقارب سعودي تركي جديد يجب أن يكون حذرًا، فالخلافات عميقة جدًا وبدأت تنخر بالجذور منذ وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد

محاولات كسر الجمود

بعد أن شهدت ولاية أزمير التركية زلزالًا راح ضحيته العشرات ودمار كبير في الممتلكات، أمر ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز بإرسال مساعدات إنسانية إلى تركيا، لصالح المتضررين من الزلزال الذي ضرب الولاية، إثر هذا القرار بدأت التحليلات والتكهنات التي تقول أن الأمر الملكي هو "بداية كسر حالة التوتر التي تشهدها العلاقات بين البلدين".

إلا أن ما يحدث على أرض الواقع لا يشير إلى نهاية حالة الجمود إذ أن التوتر بين البلدين يتصاعد خاصة مع وجود حملات من مسؤولين خليجيين للضغط على الشعوب بقصد مقاطعة البضائع التركية، إضافةً إلى أن المملكة تتجه نحو منع وعرقلة الشركات التركية من إدخال البضائع، وفي هذا الصدد قال الكاتب التركي إسماعيل ياشا إنه من الخطأ "المبالغة في التفاؤل والغرق في أحلام وردية بعيدة عن الواقعية، دون وجود مؤشرات حقيقية تشير إلى تراجع الرياض عن معاداة تركيا".

الكاتب ياشا تحدث عن أن الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية هو السبب في المشكلة القائمة بين تركيا والسعودية مشيرًا إلى أن "السعودية بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالغت في عداء تركيا ليصل إلى حد الهستيريا والجنون". كما أنه عرّج على الدعوة لمقاطعة البضائع والاقتصاد التركي بقوله "وشنت وسائل الإعلام والشخصيات المقربة من الحكومة السعودية حملة مقاطعة لكل ما هو تركي، كما مارست وزارة التجارة السعودية ضغوطًا على التجار ورجال الأعمال السعوديين لينهوا عقودهم مع الشركات التركية".

الباحث فراس فحام وفي ذات السياق، يقول: "لا أتفق مع الرأي الذي يرجح تحسن العلاقات بين تركيا والسعودية بعد خسارة ترامب في الانتخابات ووصول الديمقراطيين للبيت الأبيض. الإمارات والسعودية وضعوا خيارا بديلاً وهو التقارب مع إسرائيل كقوة إقليمية، وتشكيل محور معها في مواجهة كل من تركيا وإيران بدرجة أقل".

يبدو أن التفاؤل بشأن تقارب سعودي تركي جديد يجب أن يكون حذرًا، فالخلافات عميقة جدًا وبدأت تنخر بالجذور منذ وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد في بلده، يذكر أن الخلافات بين البلدين بدأت تتعمق منذ بدأ الحصار على قطر ووقوف تركيا إلى جانب الدوحة، وازداد الشرخ على إثر الموقف التركي الصارم من قضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية الرياض بإسطنبول.

لا يمكن الحديث عن العلاقات السعودية التركية أو البحرينية التركية دون البحث عن مصدر التوتر الأول في هذه العلاقات ألا وهي الإمارات

القناة الخلفية للتواصل

مؤشر آخر يدل على تقارب خليجي مع تركيا، وهو الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس التركي مع العاهل البحريني حمد بن عيسى، حيث بحث زعيما البلدين "قضايا من شأنها تسريع وتيرة العلاقات بين البلدين". وفي الاتصال أعرب أردوغان عن "ثقته بإمكانية إيجاد إسهامات إيجابية لحل العديد من المشاكل المشتركة التي تواجهها المنطقة، وتعزيز العلاقات المبنية على الروابط الثقافية والإنسانية والتاريخية المتجذرة بين تركيا ودول الخليج".

الاتصال ولو أنه جاء للتعزية بوفاة رئيس الوزراء البحريني، إلا أنه أيضًا أتى بعد أن دعا أردوغان إلى فتح قنوات الدبلوماسية والمصالحة في المنطقة بعد الانتخابات الأمريكية، مؤكدًا على رغبته في "التحرك مع كافة دول المنطقة التي نعتبرها صديقة ونعتبر شعوبها شقيقة"، وقال أردوغان، "نحن في تركيا، على استعداد كامل للقيام بما يقع على عاتقنا من أجل إرساء السلام والاستقرار والأمن والرخاء في المنطقة".

"غالبا ما كانت البحرين قناة خلفية للاتصال مع السعودية، وهي ضلع المربع الذي يضم أيضا السعودية - الإمارات - مصر"، بهذا الوصف حلل الباحث فراس فحام الاتصال الذي جرى بين ابن عيسى وأردوغان، أي أن المنامة لطالما كانت مهمتها إيصال الرسائل من السعودية إلى الدول الأخرى، وتعتبر البحرين متماهية تمامًا مع ما تفعله السعودية والإمارات.

 

 

العلاقات البحرينية التركية مرت بعدّة مراحل في السنوات الأخيرة، حيث أنشأ البلدان مجلسًا استراتيجيًا للتعاون في شباط/ فبراير 2017، كان إنشاء هذا المجلس قبل أن تشارك المنامة بحصار قطر من العام ذاته، وبدأت هنا سلسلة التوتر بين البلدين، ولكن في مرت العلاقات البحرينية - التركية بمد وجزر؛ ففي فبراير 2017، تم إنشاء المجلس الاستراتيجي بين أنقرة والمنامة لتنمية العلاقات بينهما.

كما أدانت تركيا في الآونة الأخيرة إقامة البحرين علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" معتبرةً قرار المنامة "سيكون بمنزلة ضربة ضد الجهود المبذولة للدفاع عن القضية الفلسطينية"، وهنا يبقى السؤال مفتوحًا عن إذا ما كان الاتصال الذي جرى بين زعيمي البلدين سيفضي إلى انفراجة قريبة تطوي صفحة كبيرة من التوتر القائم؟.

غزل غير مفهوم

لا يمكن الحديث عن العلاقات السعودية التركية أو البحرينية التركية دون البحث عن مصدر التوتر الأول في هذه العلاقات ألا وهي الإمارات، هذه البلد التي وصفها وزير الدفاع التركي خلوصي آكار بكونها "دولة وظيفية تخدم غيرها سياسيا وعسكريا ويتم استخدامها عن بُعد".

مؤكدًا أن "الإمارات ارتكبت أعمالا ضارة في ليبيا وسوريا، مشيرًا إلى أن أبوظبي تدعم المنظمات الإرهابية المعادية لتركيا بقصد الإضرار بها". مضيفًا "يجب على الإمارات أن تنظر لضآلة حجمها ومدى تأثيرها وألا تنشر الفتنة والفساد".

كما يبدو أن الحل بين السعودية والبحرين مع تركيا متوقف على تخفيف التوتر بين أنقرة وأبوظبي وهو ما يعتبره البعض خيار مستبعد لما حصل من فجوة كبيرة بين الدولتين، إلا أن القيادي الفلسطيني محمد دحلان وهو أحد أذرع محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي قال في تغريدة غير واضحة الهدف على تويتر، قائلًا: "الانعطاف الكبير في موقف أنقرة الذي عبر عنه وزير خارجيتها، مؤشر واعد وبالغ الأهمية على العودة إلى السياسة الواقعية في المنطقة،وهو مقدمة نحو التخلي عن كل طروحات الاستقواء بالمتغير الدولي أو لعبة الاستقواء على دول الإقليم".

 

 

دحلان نفسه يعتبر لدى السلطات التركية "إرهابيًا" إذ أنها أدرجته على القائمة الحمراء للمطلوبين الإرهابيين وطالبت الأنتربول الدولي بتوقيفه، ولا يُعرف إذا ما كانت تصريحات القيادي الفلسطيني هي كسر لحالة التوتر بين أبوظبي وأنقرة أو هي اجتهاد شخصي خاصة وأنه لم يوضح المقصد الأساسي من كلامه.

يقول الباحث والكاتب التركي إسماعيل ياشا في معرض حديثه عن كسر حالة الجمود بين السعودية وتركيا إن الحل يكمن لدى الإمارات وفي مقال له على موقع "عربي21" يذكر ياشا أن "السعودية في الظروف الراهنة لا تستطيع أن تتحرك وحدها بعيدة عن الإمارات التي نجحت في جعل الرياض تدور في فلكها، وبالتالي، تحسن العلاقات السعودية التركية مرهون بتحسن العلاقات بين أنقرة وأبو ظبي".

يضيف ياشا أنه بات "من المؤكد أن الإمارات سوف تراهن بالدرجة الأولى على المظلة الإسرائيلية واللوبي اليهودي في حماية نفسها من بايدن، كما أنها تعتقد أن بإمكانها أن تتجنب غضب الديمقراطيين من خلال تعديل بعض القوانين المتعلقة بالحريات الشخصية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإمارات ستكون أول المستفيدين من انحياز بايدن لإيران، وتخفيف الضغوط على طهران".

لن يكون كسر الجمود بين تركيا والدول الآنفة الذكر سهلًا، ولكن من المؤكد أن قدوم بايدن إلى البيت الأبيض قد خلخل التوازنات لدى السعودية والإمارات بحيث أنهم سيفكرون باتجاه تحسين الوضع مع أنقرة وبناء تحالفات جديدة من شأنها إزاحة خطر تهديدات بايدن لهم بمحاسبتهم على مقتل خاشقجي وحرب اليمن، في الوقت الذي "تتوقع تركيا أن يتعامل الرئيس الأمريكي المنتخب معها في إطار روح التحالف والمصالح المشتركة والواقعية السياسية"؛ وبحسب الباحث التركي ياشا فإن "تركيا اليوم ليست تركيا القديمة، كما أن الظروف الدولية والإقليمية وموازين القوى في المنطقة تمنح أنقرة مساحة واسعة للمناورة. وإن تجاهل بايدن هذه الحقائق وقرر التصعيد، فإن تركيا مستعدة لمواجهته بقدراتها وأوراقها وتحالفاتها، حتى لو كانت هذه المواجهة صعبة ومكلفة".