من السهل أن نفترض أن مستوى التعليم الذي نحصل عليه يعتمد بشكل أساسي على الجهد والرغبة التي يبذلها أي فرد منا في الدراسة والبحث، إذ إن النظرية التقليدية تنص على أن من يدرس أكثر يحقق نجاحًا أكبر، لكن الحقيقة بالنسبة للفقراء تقول خلاف ذلك، ففي العديد من المجتمعات الفقيرة، لا تتاح الفرصة للأطفال لتلقي التعليم، حيث لا يمتلك الأهالي الموارد التي تمكنهم من شراء الأساسيات مثل الكتب أو الزي المدرسي لأبنائهم أو المعرفة الكافية للاعتناء بهم، ما يضطر الأطفال لأن يتخلفوا عن ركب الدراسة.

وإذا نجحوا بطريقة أو بأخرى في إتمام بعض مراحل الدراسة ينتهي حال الكثير منهم إلى ترك المدرسة في سن مبكرة، حتى يتمكنوا من العمل وإعالة أسرهم ومساعدتهم في المسؤوليات الحياتية، وفي كثير من الأحيان لا يعودون مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة، ما يتركهم دون مهارات القراءة والكتابة والحساب التي يحتاجونها لمواصلة حياتهم المهنية.

وبناءً على هذه الصورة المؤسفة، يمكننا أن نفترض استمرار أطفالهم المستقبلين في الدوران بنفس الحلقة، فمع وجود دخل ضئيل وخيارات محصورة ينتهي بهم المآل مثل آبائهم بترك المدرسة والعمل.

ثلاثية التعليم والصحة والتغذية

يؤثر الفقر على عوامل التكوين والنشأة المتداخلة للأطفال التي بدورها تؤثر على إنجازاتهم الأكاديمية والاقتصادية، وتشتمل هذه العوامل على صحة الطلاب ورفاهيتهم ومحو الأمية وتطور اللغة والوصول إلى الموارد المادية والمالية وقدرتهم على التنقل.

كل تلك العوامل مترابطة، ويمكن أن يضاعف أحد العوامل من أثر الآخر، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤثر السكن غير الآمن على معدل الإصابة بأمراض الطفولة ويمكن أن تؤدي الرعاية الطبية غير الكافية وسوء التغذية إلى الولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد، وكل ذلك يؤثر بدوره على النمو البدني والذهني للطفل.

في معظم الدول الناشئة والفقيرة يعاني قطاع التعليم الحكومي من نقص شديد في أعداد المعلمين وتحديدًا الأكفاء منهم، وبذلك تفشل المدارس الحكومية

وكذلك يؤثر العيش في ضائقة اقتصادية يومية سلبًا على صحة الطلاب العقلية وشعورهم بالكفاءة ويهز ثقتهم بأنفسهم، ففي الغالب لا تتمكن الأسر الفقيرة من الحصول على التغذية السليمة وأحيانًا ليس لديها ما يكفي من الطعام في المنزل، أضف إلى ذلك غياب الثقافة المالية والديون المتراكمة التي ترغم الأسر الفقيرة على إرسال أطفالها إلى المدرسة دون وجبة الإفطار ودون أي مصروف يومي يسد احتياجاتهم خلال ساعات الدراسة الطويلة.

إلى جانب هذه المشكلات، يمكن للأطفال الذين يشهدون عنفًا أو يعانون من ضغوط منزلية ناتجة عن الضائقة المالية للأسرة أن يواجهوا أيضًا معيقات لا تساعدهم على التعلم، وطبعًا من المرجح أن تحدث هذه الظروف في العائلات ذات الدخل المنخفض أكثر منها في الأسر الميسورة.

ويضاف إلى ذلك أنه في معظم الدول الناشئة والفقيرة يعاني قطاع التعليم الحكومي من نقص شديد في أعداد المعلمين وتحديدًا الأكفاء منهم، وبذلك تفشل المدارس الحكومية في توفير التعليم المناسب للأطفال الذين لا يسمح وضع أسرهم المادي بإلحاقهم بمدارس القطاع الخاص باهظة الثمن. 

تقاطعات وأولويات

يمكننا اتهام الفقر كمسبب رئيسي في انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، إذ يُضعف سوء التغذية المبكر قدرة الأطفال الجسدية والمعرفية وحتى سماتهم غير المعرفية مثل الدافع والمثابرة، والسبب أن الأطفال الجوعى أو الذين يعانون من حالة صحية سيئة لن يذهبوا إلى المدرسة أو على الأقل سيتأثر أدائهم بسبب سوء الصحة والتغذية.

وثمة العديد من الأطفال في البلدان النامية الذين يعانون من نقص حاد في التغذية وتأخر في الإدراك وضعف التركيز والتحفيز منذ بداية حياتهم، حيث تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثُمن الأطفال في البلدان النامية يولدون وهم يعانون من سوء التغذية، وأن 47% من الأطفال في البلدان منخفضة الدخل، يعانون من سوء التغذية إلى ما قبل سن الخامسة.

يغير التعليم هياكل الأمن الغذائي، ففي الدول منخفضة الدخل والفقيرة يعول الكثير من الأشخاص الأكثر فقرًا على الزراعة من أجل معيشتهم

ويكمن الحل في اتخاذ التعليم أولوية قصوى، فحين يتعلم الأشخاص المهمشون المزيد عن الصحة يكونون أكثر قدرة على حماية أنفسهم وأطفالهم من الأمراض، وهذا بدوره يزيد من احتمالية تلقيهم التعليم والاستفادة منه لاحقًا، وعلى هذا الأساس فإن إدخال بعض التحسينات في مجال ما تفيد العديد من المجالات الأخرى.

يغير التعليم أيضًا هياكل الأمن الغذائي، ففي الدول منخفضة الدخل والفقيرة يعول الكثير من الأشخاص الأكثر فقرًا على الزراعة من أجل معيشتهم، وعليه حللت دراسة أجراها البنك المركزي عام 2013 أن التعليم يزيد الأرباح في العمل الزراعي، وبإمكان التعليم أن يوفر لهؤلاء الأشخاص سبيلًا لحياة أفضل وأكثر رخاءً، إذ إن آثار التعليم الابتدائي على الإنتاج الزراعي قد تكون عظيمة وتسهم بشكل واعد في الحد من مشكلة الأمن الغذائي والفقر بطريقة مستدامة.

اليونسكو: تعليم الفتيات ينقذ ملايين الأرواح حرفيًا

بالنسبة للفتيات، على وجه الخصوص، فإن للتعليم أثرًا قويًا، فتعليمهن يؤثر في كيان الأسرة ككل، فإذا أكملت جميع النساء في البلدان الفقيرة التعليم الابتدائي، فإن وفيات الأطفال ستنخفض بمقدار السدس، ما ينقذ ما يقرب من مليون حياة كل عام، وإذا حصلن جميعًا على تعليم ثانوي، ستنخفض الوفيات إلى النصف، مما ينقذ حياة ثلاثة ملايين طفل.

تعليم الفتيات أيضًا عامل رئيسي في خفض معدلات وفيات الأمهات، فإذا أتمت كل الأمهات التعليم الأساسي، قد تنخفض نسبة وفيات الأمهات بنسبة 66%، وذلك ما يفسر سبب انخفاض معدلات النمو السكاني في البلدان الأقل دخلًا والدول الهشة مقارنة مع غيرها المتقدمة.

اجتثاث الفقر من جذوره

زيادة فرص الحصول على التعليم يمكن أن تسهم في الحد من الفقر، إذ إن المهارات الأساسية المكتسبة مثل القراءة والكتابة والحساب لها تأثير إيجابي موثق على دخل السكان المهمشين مما يسهم بشكل ملحوظ في زيادة معدلات النمو الاقتصادي.

تظهر ورقة منشورة حديثًا من اليونسكو أن التعليم أمر بالغ الأهمية للهروب من الفقر المزمن ومنع انتقاله بين الأجيال، وتنص الورقة على أنه لو غادر جميع الطلاب في الدول منخفضة الدخل المدرسة مزودين بمهارات القراءة الأساسية، قد يتم إنقاذ 171 مليون شخص من حالة الفقر، وكلما زاد التحصيل الدراسي تحسنت معه هذه الأرقام بشكل كبير.

ارتفاع معدل التحصيل العلمي سنة واحدة، يرفع نمو حصة الفرد من الناتج المحلي السنوي من 2% إلى 2.5%

في ريف إندونيسيا مثلًا، أدى إكمال المرحلة الأولى من التعليم الثانوي إلى أكثر من مضاعفة احتمال التخلص من الفقر، وفي باكستان تشير الدراسة إلى أن الأجر الذي يتقاضاه الشخص المتعلم أعلى بنسبة 23% من أجر الشخص الأمي.

وفيما يتعلق بالنساء، فإن التعليم يلعب دورًا فارقًا في تحديد مشاركتهن في القوى العاملة، ففي الأردن مثلًا تعمل 25% من النساء الريفيات من محصلات التعليم الابتدائي من دون أجر، مقارنة بنسبة 7% من اللواتي حصلن على التعليم الثانوي، وفي الدول العربية إجمًالا، تتقاضى النساء ذوات التعليم الثانوي 87% من أجور الرجال، مقارنة مع 60% من اللواتي تلقين تعليم ابتدائي فقط.

وعلى مستوى رخاء الدولة ككل، فإن ارتفاع معدل التحصيل العلمي سنة واحدة، يرفع نمو حصة الفرد من الناتج المحلي السنوي من 2% إلى 2.5%! وهذا ما يؤكد أن الدول لا تحتاج لوصفات اقتصادية سحرية لتحسن دخلها القومي، فالمفتاح ونقطة الانطلاق هي التعليم، وبدلًا من المناكفات على موازنة الوزارات الاستهلاكية، لا بد من تخصيص ما يعادل 1.8% من إجمالي الناتج المحلي لمشاريع تحسين التعليم، الخطة التي قد تساهم في نمو دخل الفرد بمعدل نقطة مئوية في السنة.

وبذلك، تتلخص تأثيرات الفقر على التحصيل الدراسي للطفل، التي لا تنحصر فقط على تدني مستواه التعليمي والثقافي والاجتماعي، وإنما تتجاوز حدود حالته الصحة والعقلية، مقارنة مع أقرانه من عائلات الدخل المرتفع.