توقيع أكبر اتفاقية للتجارة الحرة في العالم

في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي من أزمات طاحنة جراء تداعيات فيروس كورونا المستجد، فضلا عن الفوضى التي تخيم على المشهد السياسي الأمريكي، وقعت 15 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ على أكبر اتفاق للتجارة الحرة ليس على المستوى القاري فحسب بل على مستوى العالم بأكمله، تحت مسمى "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة".

وتشكل الدول الموقعة على هذا الاتفاق المبرم يوم الأحد 15 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، خلال قمة إقليمية في هانوي، قرابة ثلث الاقتصاد العالمي، إذ يبغ حجمها إجماليًا نحو 26.2 ترليون دولار، فيما تبلغ حصتها نحو 30% من إجمالي الناتج الداخلي العالمي، ما يجعل من هذا التكتل قيمة مضافة من شأنها أن تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد الدولي مرة أخرى.

الاتفاق الذي يضم عشر دول في جنوب شرق آسيا، إلى جانب الصين واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا، لم يكن وليد اليوم، إذ عُرض لأول مرة في 2012 في ختام أحد المؤتمرات لقادة دول جنوب شرق آسيا، لكنه لم يخرج للنور إلا خلال الأيام القليلة الماضية.

ويعد هذا التحرك ضربة موجعة للسياسات الأمريكية في أسيا، لأن الاتفاق سحب البساط من تحت أقدام المجموعة التي كان يساندها الرئيس السابق باراك أوباما، وانسحب منها خلفه دونالد ترامب في 2017، فيما يعزز من نفوذ التنين الصيني الرابح الأكبر من وراء هذا التكتل الجديد.

وحش اقتصادي جديد

بحسب الاتفاقية الجديدة سيتم إلغاء 91% من الجمارك المفروضة على السلع والخدمات بين الدول الأعضاء في منطقة التجارة الحرة، ما دفع وزير التجارة اليابانية، هيروشي كاجياما، لوصفها بأنها ستكون في صالح بلاده، مضيفًا في تصريحات صحفية "سيكون للاتفاق تأثير كبير على تحسن الصادرات اليابانية في آسيا وسيزيد من كفاءة سلاسل الإمداد".

فيما علق رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، بعد مراسم التوقيع الافتراضية قائلا:"في ظل الظروف العالمية الحالية، يوفر التوقيع على اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة بصيص نور وأمل"، مضيفًا "يظهر بوضوح أن التعددية هي الطريق الأمثل والاتجاه الصحيح لتقدم الاقتصاد العالمي والبشرية".

وعن تفسير تلك الخطوة عمليًا، أفادت وزارة المالية الصينية بأن الاتفاق يُلزم بإلغاء عدد من الرسوم الجمركية داخل المجموعة، جزء منها سيتم تنفيذه عقب التوقيع مباشرة، والجزء الآخر على مدار سنوات قادمة تصل في بعضها إلى 10 سنوات، غير أنه لم يُذكر طبيعة المنتجات التي سيتضمنها الاتفاق ولا الدول التي ستحظى بخفض رسومها بشكل فوري.

توقيع الاتفاقية في هذا التوقيت يعتبر هزيمة مدوية لمشروع لحماية التجارية الذي تبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأربع سنوات الماضية

الوزارة في بيان لها أشارت إلى أنه "للمرة الأولى، تتوصل الصين واليابان إلى ترتيب لخفض الرسوم الجمركية، لتحققا انفراجة تاريخية"، لافتة إلى أن الاتفاق هو الأول من نوعه الذي بموجبه ينضم تحت لواءه قوى شرق آسيا -الصين واليابان وكوريا الجنوبية- إلى اتفاق تجارة حرة واحد.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني كانت قد أعلنت الهند انسحابها من محادثات تدشين هذا التكتل لاعتراضها على بعض المبادئ والبنود التي تضمنها، لكنه وبحسب زعماء أسيوييين فإن الباب أمام نيودلهي ما زال مفتوحًا، ومرحب بانضمامها في أي وقت لدعم الكيان الاقتصادي الجديد.

انتصار للصين

خطوة كهذه تعد انتصارًا كبيرًا للصين في نزاعها التجاري مع أمريكا على النفوذ الجيوسياسي في أسيا، كما أنها تقوض المكاسب التي حققتها واشنطن في القارة على مدار السنوات الماضية، وتعرض مصالحها هناك للخطر في ظل القفزات الكبيرة لنفوذ التنين خلال الآونة الأخيرة.

كما يعتبر توقيع الاتفاقية في هذا التوقيت هزيمة مدوية لمشروع الحماية التجارية الذي تبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأربع سنوات الماضية، كما أنه يأتي على حساب التحالفات التجارية والاقتصادية التي كانت تخطط لها واشنطن داخل القارة الأسيوية مع بعض الدول منها الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول النمور الآسيوية وأستراليا.

وتتوج هذه الخطوة جهود بكين على مدار السنوات الثمان الماضية، قطعت خلالها أشواطًا مضنية من المفاوضات التي شارك فيها معظم القوى الاقتصادية في القارة، ومن المتوقع أن يكون لها تداعيات إيجابية على تعزيز دور الصين في المنطقة على حساب أمريكا التي تم استبعادها من هذا الاتفاق.

خبير التجارة لدى كلية الأعمال التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية ألكساندر كابري، علق على هذا الاتفاق بقوله إنه "يرسّخ طموحات الصين الجيوسياسية الإقليمية الأوسع حيال مبادرة الحزام والطريق" تلك المبادرة التي يعول عليها الصينيون في تكريس هيمنتهم على الممرات الاقتصادية العالمية.

وتأمل العديد من الدول الموقعة على الاتفاق في تخفيفه من حدة الآثار الناجمة عن تداعيات الوباء الذي كبًدها خسائر على كافة المستويات، لا سيما وأن بعض تلك الدول تواجه انتشارًا كبيرًا للفيروس، ما نجم عنه ركود اقتصادي غير مسبوق في تاريخها، كما هو حال إندونيسيا والفلبين على سبيل المثال.

اتفاق "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" خطوة جديدة نحو تمكين الصين أسيويًا، يقابلها استمرار سياسة استنزاف النفوذ الأمريكي في مختلف أسواق العالم

تهديد للنفوذ الأمريكي

تعرضت المصالح الأمريكية في السوق الأسيوي لضربات موجعة خلال سنوات ولاية ترامب الأولى، إذ جاء انشغاله باندلاع الحرب التجارية بين بلاده والصين على حساب تحقيق إنجازات على أرض الواقع، الأمر الذي أفقده شيئًا فشيئًا بعضًا من المكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية.

وبدأ الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي في شرق آسيا تحديدًا، كونها شعلة الاقتصاد الآسيوي، في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس باراك أوباما، حيث زاد زخم هذا التوجه بصورة ملحوظة، حين استقر في يقين الإدارة الحاكمة أهمية تلك المنطقة في تعزيز المصالح الأمريكية آسيويًا.

كان أوباما ينظر إلى منطقة بحر الصين الجنوبية نظرة ميكافيللية واقعية، محولا سياسة بلاده تجاه الصين من سياسة تعتمد على المصالح التجارية المشتركة إلى أخرى تستهدف احتواء نهوض بكين القاري، لذا جاءت زيارته إلى جنوب شرق آسيا في العام الأخير لحكمه، تلك الزيارة التي رافقتها تغطية إعلامية مكثفة، إيذانا بمرحلة جديدة من السياسة الأمريكية تجاه التنين الآسيوي.

وتمثل تلك البقعة السحرية من القارة الآسيوية أهمية استراتيجية للولايات المتحدة منذ عقود، فبها النصيب الأكبر من النفوذ العسكري الأمريكي خارجيًا، فمن بين 750 قاعدة أمريكية منتشرة في 130 دولة هناك 109 قواعد منها تقع في اليابان و85 في كوريا الجنوبية، بها فيها أربعة وثمانون ألف جندي، 47 ألفًا في اليابان و37 ألفًا في كوريا الجنوبية.

الحديث عن إقصاء تام للولايات المتحدة من خلال اتفاق التجارة الحرة الآسيوي حديث يفتقد للموضوعية، فحتى لو غابت أمريكا عن الاتفاق إلا أن شركاتها متعددة الجنسيات يمكنها الاستفادة من بنوده، خاصة في ظل تواجدها في البلدان المشمولة بتلك الاتفاقية.

وفي المجمل يبقى اتفاق "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" خطوة جديدة نحو تمكين الصين آسيويًا، يقابلها استمرار سياسة استنزاف النفوذ الأمريكي في مختلف أسواق العالم، الأمر الذي يتوقع معه مزيدًا من التوترات بين البلدين، وإن كان التعويل على فوز جو بايدن يخفف نسبيًا من تلك المخاوف في ظل التفاؤل بشأن صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بعيدًا عن سياسة الحمائية الترامبية.